الغُسلُ في اللُّغة: سيلانُ الماءِ على الشيء.
وفي الاصطلاحِ: سيلانُ الماءِ على جَمِيعِ البَدَنِ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَة.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ سِتَّةُ أَشْياءَ: ثَلَاثَةٌ تَشْتَرِكُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَهِيَ:
١ - الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (^١).
ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ» (^٢).
وفي روايةٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٣٤٩)، وقولُه: «الخِتَانَيْنِ»، مُثَنَّى خِتانٍ، وهو موضعُ الخَتْنِ، وهو عندَ الصَّبيِّ: الجِلدةُ التي تُغَطِّي رأسَ الذَّكرِ قبلَ الخَتْنِ، وعندَ الأنثى: جِلدةٌ في أعلى القُبلِ مجاورةٌ لمَخْرَجِ البولِ، والمرادُ بـ «التقاءِ الختانينِ»؛ تحاذيهما، حتَّى يكونَ الخِتانُ الَّذي خَلْفَ الحَشَفةِ حَذْوَ خِتانِ المرأةِ، وهو كِنايةٌ عن الجِماعِ.
(٢) رواه البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٤٨)، و«شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ»، اليدانِ والرِّجْلانِ.
(٣) رواه مسلم (٣٤٨) و«جَهَدَهَا»؛ أي: كدَّها بحركتِه، وهو كِنايةٌ عن الجِماعِ.
[ ٣٥ ]
وهو دليلٌ على وُجوبِ الغُسلِ بمجرَّدِ الجِماعِ، وإنْ لم يُنْزِلْ.
٢ - «وَإِنْزَالُ الْمَنِيِّ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (^١).
ولحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قالتْ: جاءتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الحقِّ، فهل على المرأةِ مِنْ غُسلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» (^٢).
٣ - «وَالْمَوْتُ»؛ لحديثِ أُمِّ عطيَّةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ علينا النَّبيُّ ﷺ ونحن نَغْسِلُ ابنَتَه، فقال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، فلمَّا فَرَغْنا آذَنَّاه فألقى إلينا حَقْوَه، فقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَثَلَاثَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ:
١ - الْحَيْضُ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا
_________________
(١) رواه مسلم (٣٤٣)، والمرادُ بالماءِ الأوَّلِ ما يُغْسَلُ به، والثَّاني ماء المَنيِّ.
(٢) رواه البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣١٣)، و«احْتَلَمَتْ»؛ أي: رأت في نومِها أنها تُجامَعُ؛ فَأَنْزَلَتْ.
(٣) رواه البخاري (١١٩٥)، ومسلم (٩٣٩)، وقولُه ﷺ: «فِي الْآخِرَةِ»، أيْ: في الغَسلةِ الأخيرةِ، و«آذِنَّنِي»، أيْ: أَعْلِمْنني، و«حَقْوَه»، بفتحِ الحاءِ وكسرِها لغتانِ، يَعني إزارَه، وأصلُ الحَقوِ مَعْقِدُ الإزارِ، وسُمِّيَ به الإزارُ لأنه يُشَدُّ فيه، و«أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»، أيِ: اجْعَلْنه شِعارًا لها، وهو الثَّوبُ الَّذي يلي الجسدَ، وسُمِّيَ شِعارًا لأنه يلي شَعْرَ الجسدِ، والحكمةُ من ذلك التَّبَرُّكُ بإزارِه ﷺ.
[ ٣٦ ]
تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وَ﴿تَطَهَّرْنَ﴾، يعني: اغْتَسَلْنَ.
٢ - «وَالنِّفَاسُ»؛ قِياسًا على الحيضِ.
٣ - «وَالْوِلَادَةُ»؛ لأنها مظنةُ خروجِ الدَّم، والحكمُ يُدَارُ على المَظَان؛ كما في الانتقاضِ بالنَّومِ على غيرِ هيئةِ المُتَمَكِّن.
«فَصْلٌ»