قال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ:
١ - مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ»، السَّبيلانِ: الطَّريقانِ، والمَقصودُ بهما؛ القُبُلُ والدُّبُرُ، فكلُّ ما خَرَجَ منهما يَنْقُضُ الوُضوءَ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، فقالَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ: ما الحَدَثُ يا أبا هُرَيْرَةَ؟ قال: فُساءٌ أو ضُراطٌ (^١).
ونَبَّهَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁ بالأخَفِّ على الأغلظِ؛ لأنَّه أجابَ سائلًا سألَه عن المصلِّي يُحْدِثُ في صلاتِه، فَخَرَجَ جوابُه على ما يَسْبِقُ المصلِّيَ مِنَ الأحْدَاثِ في صلاتِه، ولأنَّ البولَ والغائطَ والمُلامسةَ غيرُ معهودةٍ في الصَّلاةِ، ولعِلْمِه أنَّ السَّائلَ يَعْلَمُ ما عدا ذلك، وأمَّا باقي الأحداثِ المُخْتَلَفِ فيها بَيْنَ العلماءِ؛ فلعَلَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ كانَ لا يَرَى النَّقْضَ بشيءٍ منها، ولذلك قالَ البُخاريُّ ﵀: «وقالَ أبو هُرَيْرَةَ لا وُضوءَ إِلَّا مِن حَدَثٍ»، وبَوَّبَ عليه بابًا، فقال: «بابُ مَن لم يَرَ الوُضوءَ إلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ» (^٢).
٢ - «وَالنَّوْمُ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُتَمَكِّنِ»، المتمكِّنُ هو الَّذي ينامُ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَه مِنَ الأرضِ، فلا يَنْتَقِضُ وُضوؤُه لأنَّهُ يُحِسُّ بما
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).
(٢) «صحيح البخاري» (١/ ٧٦).
[ ٣٢ ]
يَخْرُجُ منه، يَقولُ أَنَسٌ ﵁: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (^١).
وفي روايةٍ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» (^٢).
أمَّا النَّومُ مع عَدِمِ تَمْكِينِ الْمَقْعَدَةِ مِن الأرضِ فإنَّه يَنْقُضُ الوضوء، لحديثِ معارويةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ انْطَلَقَ الْوِكَاءُ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٣).
قال البيضاوي ﵀: «الوكاء: ما يُشَدُّ به الشيء، والسَّه: الدُّبُر، وأصله: سَتَهٌ لجمعه على أسْتَاه، وتصغيره على: سُتَيْهَة، والمعنى: أنَّ الإنسانَ إذا تَيَقَّظَ أمسكَ مَا فِي بَطْنِهِ، فإذا نام زال اختياره، واسترخت مفاصِلُه، فَلَعَلَّه يخرجُ مِنها ما يَنْقُضُ طُهْرَهُ، وذلك إشارة إلى أنَّ نقضَ الطهارةِ بالنَّوْمِ وسائرِ ما يزيلُ العقل؛ ليس لأنفسها، بل لأنَّها مَظِنَّةُ خُرُوجِ ما يَنْتَقِضُ الطُّهْرُ بِه، ولذلك خُصَّ نومُ مُمَكِّنِ الْمَقْعَدَةِ مِن الأرضِ في حديثِ أنس» (^٤).
٣ - «وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرٍ أَوْ مَرَضٍ»، قياسًا على النَّومِ.
٤ - «وَلَمْسُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ»؛ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، [المائدة: ٦]، فقد قرَأَهَا
_________________
(١) رواه مسلم (٣٧٦).
(٢) رواه أبو داود (٢٠٠).
(٣) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٨٧٥).
(٤) «تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة» (١/ ١٧٤).
[ ٣٣ ]
حمزةُ والكِسائيُّ وخَلَفٌ: (لَمَسْتُمْ)؛ بغيرِ أَلِفٍ، وقرأ الباقونَ بالألِفِ.
فعَطَفَ اللَّمسَ على المجيءِ مِنَ الغائطِ ورَتَّبَ عليهما الأمْرَ بالتَّيَمُّمِ عندَ فَقْدِ الماءِ (^١).
٥ - «وَمَسُّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ»؛ لحديثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفوانَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (^٢).
وفي روايةٍ لعمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» (^٣).
وفي روايةٍ لأبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٤).
٦ - «وَمَسُّ حَلْقَةِ دُبُرِهِ عَلَى الْجَدِيدِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ السَّابقِ، ولحديثِ أمِّ حَبيبةَ ﵂أيضًا- أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (^٥).
وهذا عامٌّ، فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، كما يَشْمَلُ القُبُلَ والدُّبُرَ.
_________________
(١) «النَّشْر في القراءاتِ العَشْرِ» (٢/ ٢٥٠).
(٢) رواه أحمد (٢٧٣٣٦)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧)، وابن ماجه (٤٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٣) رواه أحمد (٧٠٧٦).
(٤) رواه ابن حبَّان (١١١٨).
(٥) رواه ابن ماجه (٤٨١).
[ ٣٤ ]
وقولُه: «عَلَى الْجَدِيدِ»، أيِ المَذْهَبِ الجديدِ، وهو ما قاله الشَّافعيُّ ﵀ في مِصْرَ، تصنيفًا أو إفتاءً، وهو المعمولُ به.
«فَصْلٌ»