الحجُّ في اللُّغةِ: القصدُ، يُقالُ: حَجَّ إلينا فلانٌ؛ أي: قَدِمَ، وحجَّهُ يحُجُّهُ حجًّا: قصدَه، وحَجَجْتُ فلانًا؛ أي: قصدته، ورجلٌ محجوجٌ؛ أي: مقصودٌ، وقد حجَّ بنو فلانٍ فلانًا: إذا أطالوا الاختلافَ إليه.
وفي الاصطلاحِ: القصدُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ؛ لأداءِ عبادةٍ مخصوصةٍ بشروطٍ مخصوصةٍ.
وقد فُرضَ الحجُّ سنةَ ستٍّ من الهجرةِ، وحجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةً واحدةً سنةَ عشرٍ، وهي حَجَّةُ الوداعِ، وتُوفِّي ﷺ إحدَى عشْرةَ.
والأصلُ في وجوبِ الحجِّ قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).
[ ١٦١ ]
وأجمعت الأمةُ على أنَّ الحجَّ أحدُ أركانِ الإسلامِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ:
١ - الْإِسْلامُ»؛ لأنَّه لا يصحُّ من الكافرِ.
٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (^١).
٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ للحديثِ السَّابقِ.
٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ الحجَّ لا يجبُ إلا بوجودِ الزَّادِ والرَّاحلةِ، والعبدُ لا يملكُ شيئًا.
٥ - «وَوُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يقولُ أنسٌ ﵁: قِيل: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (^٢).
وقال: ابنُ عمرَ ﵄: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولُ اللهِ، ما يُوجِبُ الحجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (^٣).
٦ - «وَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ»، حتى يكونَ آمنًا على نفسِه وعلى من
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وابن خزيمة (١٠٠٣)، وابن حبَّان (١٤٣)، والحاكم (٩٤٩)، وصححه، وأقره الذهبي.
(٢) رواه الحاكم (١٦١٣)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين».
(٣) رواه الترمذي (٨١٣)، وقال: «هذا حديثٌ حسن، والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ، أنَّ الرجلَ إذا ملك زادًا وراحلةً وجب عليه الحج».
[ ١٦٢ ]
معَه في ثلاثةِ أشياءَ، وهي: النَّفسُ والعِرضُ والمالُ.
٧ - «وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ»؛ أي: بقاءُ زمنٍ يتَّسِعُ لوصولِه عادةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْكَانُ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ:
١ - الْإِحْرَامُ مَعَ النِّيَّةِ»، الإحرامُ: هو نيَّةُ الدخولِ في النُّسكِ، يُقالُ: أحرمَ الشَّخصُ؛ أي: نوى الدخولَ في حجٍّ أو عمرةٍ أو فيهما معًا، فحرُم عليه به ما كان حلالًا له، والمرادُ بالإحرامِ هنا الفعلُ؛ لذِكْرِ المصنفِ النيةَ معه.
٢ - «وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ»؛ لحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يعمرَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (^١).
٣ - «وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ»، والمقصودُ به طوافُ الإفاضةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والتَّفَثُ: القذرُ والوسخ، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك؛ أي: أوسخك، وقضاءُ التفث: إنهاؤُه وإزالتُه، والمراد ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها، ثم يطوف بالبيت بعد ذلك طواف الإفاضة.
_________________
(١) رواه أحمد (١٨٧٩٦)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠٤٤)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والحاكم (٣١٠٠)، وقال: «هذا حديث صحيح»، و«جمع»: مزدلفة، سُمِّيَتْ بذلك لاجتماعِ الناسِ فيها.
[ ١٦٣ ]