(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ الْفَلَكِ، وَظِلُّ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ يَتَقَلَّصُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِشَيْءٍ قَائِمٍ مُعْتَدِلٍ نِصْفَ النَّهَارِ ظِلٌّ بِحَالٍ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَسَقَطَ لِلْقَائِمِ ظِلٌّ، مَا كَانَ الظِّلُّ فَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ وَآخِرُ وَقْتِهَا فِي هَذَا الْحِينِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَإِذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا إلَّا مَا وَصَفْت وَالظِّلُّ فِي الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ مُخَالِفٌ لَهُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الصَّيْفِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ الزَّوَالُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى الظِّلِّ وَيَتَفَقَّدَ نُقْصَانَهُ فَإِنَّهُ إذَا تَنَاهَى نُقْصَانُهُ زَادَ فَإِذَا زَادَ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ فَذَلِكَ الزَّوَالُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، ثُمَّ آخِرُ وَقْتِهَا إذَا عَلِمَ أَنْ قَدْ بَلَغَ الظِّلُّ مَعَ خِلَافِهِ ظِلَّ الصَّيْفِ قَدْرَ مَا يَكُونُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الصَّيْفِ وَذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَاللَّيْلِ فَإِنْ بَرَزَ لَهُ مِنْهَا مَا يَدُلُّهُ وَإِلَّا تَوَخَّى حَتَّى يَرَى أَنَّهُ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ وَاحْتَاطَ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): فَإِنْ كَانَ الْغَيْمُ مُطْبِقًا رَاعَى الشَّمْسَ وَاحْتَاطَ بِتَأْخِيرِهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَخَافَ دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَإِذَا تَوَخَّى فَصَلَّى عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ مُدَّةَ وَقْتِهَا مُتَطَاوِلٌ حَتَّى يَكَادَ يُحِيطُ إذَا احْتَاطَ بِأَنْ قَدْ زَالَتْ وَلَيْسَتْ كَالْقِبْلَةِ الَّتِي لَا مُدَّةَ لَهَا إنَّمَا عَلَيْهَا دَلِيلٌ لَا مُدَّةٌ وَعَلَى هَذَا الْوَقْتِ دَلِيلٌ مِنْ مُدَّةٍ وَمَوْضِعٍ وَظِلٍّ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَعَادَ وَهَكَذَا إنْ تَوَخَّى بِلَا غَيْمٍ (قَالَ): وَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِخْبَارُ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُصَدِّقُهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ إذَا لَمْ يَرَ هُوَ أَوْ هُمْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَذَّبَ مَنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَالِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ يُعِيدَ
وَإِذَا كَانَ أَعْمَى وَسِعَهُ خَبَرُ مَنْ يُصَدِّقُ خَبَرَهُ فِي الْوَقْتِ وَالِاقْتِدَاءُ بِالْمُؤَذِّنِينَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، أَوْ كَانَ أَعْمَى لَيْسَ قُرْبَهُ أَحَدٌ تَوَخَّى وَأَجْزَأَتْ صَلَاتُهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ يُخَالِفُ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ فِي الْوَقْتِ مُدَّةً فَجُعِلَ مُرُورُهَا كَالدَّلِيلِ وَلَيْسَ
[ ١ / ٩٠ ]
ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَقَلُّ أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَإِذَا كَانَ كَمَا وَصَفْت مَحْبُوسًا فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ أَعْمَى لَيْسَ قُرْبَهُ أَحَدٌ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِلَا تَأَخٍّ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ مِنْ مُرُورِ الْوَقْتِ مِنْ نَهَارٍ وَلَيْلٍ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ تَأَخَّى بِهِ وَإِنْ صَلَّى عَلَى غَيْرِ تَأَخٍّ أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا عَلَى غَيْرِ تَأَخٍّ وَلَا يَفُوتُ الظُّهْرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ فَهُوَ فَائِتٌ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَّرَهَا إلَى هَذَا الْوَقْتِ جَمَعَ أَمْرَيْنِ، تَأْخِيرَهَا عَنْ الْوَقْتِ الْمَقْصُودِ، وَحُلُولَ وَقْتِ غَيْرِهَا.
تَعْجِيلُ الظُّهْرِ وَتَأْخِيرُهَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -): وَتَعْجِيلُ الْحَاضِرِ الظُّهْرَ إمَامًا وَمُنْفَرِدًا فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَخَّرَ إمَامُ الْجَمَاعَةِ الَّذِي يَنْتَابُ مِنْ الْبُعْدِ الظُّهْرَ حَتَّى يَبْرُدَ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. وَقَدْ اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفْسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ مِنْ حَرِّهَا وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْبَرْدِ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: قَالَ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَا يَبْلُغُ بِتَأْخِيرِهَا آخِرَ وَقْتِهَا فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا مَعًا وَلَكِنَّ الْإِبْرَادَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مُتَمَهِّلًا وَيَنْصَرِفُ مِنْهَا قَبْلَ آخِرِ وَقْتِهَا لِيَكُونَ بَيْنَ انْصِرَافِهِ مِنْهَا وَبَيْنَ آخِرِ وَقْتِهَا فَصْلٌ فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ لَا يَحْضُرُهَا إلَّا مَنْ بِحَضْرَتِهِ فَلْيُصَلِّهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَذَى عَلَيْهِمْ فِي حَرِّهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَا تُؤَخَّرُ فِي الشِّتَاءِ بِحَالٍ وَكُلَّمَا قُدِّمَتْ كَانَ أَلْيَنَ عَلَى مَنْ صَلَّاهَا فِي الشِّتَاءِ وَلَا يُؤَخِّرُهَا إمَامُ جَمَاعَةٍ يَنْتَابُ إلَّا بِبِلَادٍ لَهَا حَرٌّ مُؤْذٍ كَالْحِجَازِ، فَإِذَا كَانَتْ بِلَادٌ لَا أَذَى لِحَرِّهَا لَمْ يُؤَخِّرْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا شِدَّةَ لِحَرِّهَا يُرْفَقُ عَلَى أَحَدٍ بِتَنْحِيَةِ الْأَذَى عَنْهُ فِي شُهُودِهَا.