وَالْقسم بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين مصدر قسمت الشَّيْء وَأما بِالْكَسْرِ فالنصيب وَالْقسم بِفَتْح الْقَاف وَالسِّين الْيَمين والنشوز هُوَ الْخُرُوج عَن الطَّاعَة
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وَيجب الْقسم لزوجتين أَو زَوْجَات وَلَو كن إِمَاء فَلَا مدْخل لإماء غير زَوْجَات فِيهِ وَإِن كن مستولدات
قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾
القَوْل فِي حكم التَّسْوِيَة بَين النِّسَاء وَقد شرح فِي الْقسم الأول وَهُوَ الْقسم بقوله (والتسوية فِي الْقسم) فِي الْمبيت (بَين) الزوجتين و(الزَّوْجَات) الْحَرَائِر (وَاجِبَة) على الزَّوْج وَلَو قَامَ بهما أَو بِهن عذر كَمَرَض وحيض ورتق وَقرن وإحرام لِأَن الْمَقْصُود الْأنس لَا الْوَطْء
وَلَا تجب التَّسْوِيَة بَينهمَا أَو بَينهُنَّ فِي التَّمَتُّع بِوَطْء وَغَيره لَكِنَّهَا تسن
وَخرج بقولنَا الْحَرَائِر مَا لَو كَانَ تَحْتَهُ حرَّة وَأمة فللحرة ليلتان وللأمة لَيْلَة لحَدِيث فِيهِ مُرْسل
وَإِذا قَامَ بِالزَّوْجَةِ نشوز وَإِن لم يحصل بِهِ إِثْم كمجنونة بِأَن خرجت عَن طَاعَة زَوجهَا كَأَن خرجت من مَسْكَنه بِغَيْر إِذْنه أَو لم تفتح لَهُ الْبَاب ليدْخل أَو لم تمكنه من نَفسهَا لَا تسْتَحقّ قسما كَمَا لَا تسْتَحقّ نَفَقَة وَللزَّوْج إِعْرَاض عَن زَوْجَاته بِأَن لَا يبيت عِنْدهن لِأَن الْمبيت حَقه فَلهُ تَركه
وَيسن أَن لَا يعطلهن بِأَن يبيت عِنْدهن ويحصنهن كواحدة لَيْسَ تَحْتَهُ غَيرهَا فَلهُ الْإِعْرَاض عَنْهَا
وَيسن أَن لَا يعطلها وَأدنى درجاتها أَن لَا يخليها كل أَربع لَيَال عَن لَيْلَة اعْتِبَارا بِمن لَهُ أَربع زَوْجَات وَالْأولَى لَهُ أَن يَدُور عَلَيْهِنَّ بمسكنهن وَلَيْسَ لَهُ أَن يدعوهن لمسكن إِحْدَاهُنَّ إِلَّا برضاهن وَلَا أَن يجمعهن بمسكن إِلَّا برضاهن وَلَا أَن يَدْعُو بَعْضًا لمسكنه ويمضي لبَعض آخر لما فِيهِ من التَّخْصِيص الموحش إِلَّا برضاهن أَو بِقرْعَة أَو غَرَض كقرب مسكن من يمْضِي إِلَيْهَا دون الْأُخْرَى
عماد الْقسم لَيْلًا أَو نَهَارا وَالْأَصْل فِي الْقسم لمن عمله نَهَارا اللَّيْل لِأَنَّهُ وَقت السّكُون وَالنَّهَار قبله أَو بعده تبع لِأَنَّهُ وَقت المعاش قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا﴾ الأَصْل فِي الْقسم لمن عمله لَيْلًا كحارس النَّهَار لِأَنَّهُ وَقت سكونه وَاللَّيْل تبع لِأَنَّهُ وَقت معاشه فَلَو كَانَ يعْمل تَارَة بِالنَّهَارِ وَتارَة بِاللَّيْلِ لم يجز أَن يقسم لوَاحِدَة لَيْلَة تَابِعَة وَنَهَارًا متبوعا ولأخرى عَكسه
(و) من عماد قسمه اللَّيْل (لَا يدْخل) نَهَارا (على غير الْمَقْسُوم لَهَا لغير حَاجَة) لتحريمه حِينَئِذٍ لما فِيهِ من إبِْطَال حق صَاحبه النّوبَة فَإِن فعل وَطَالَ مكثه لزمَه لصاحبة النّوبَة الْقَضَاء بِقدر ذَلِك من نوبَة الْمَدْخُول عَلَيْهَا أما دُخُوله لحَاجَة كوضع مَتَاع أَو أَخذه أَو تَسْلِيم نَفَقَة أَو تَعْرِيف خبر فَجَائِز لحَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يطوف علينا جَمِيعًا فيدنو من
[ ٢ / ٤٢٩ ]
كل امْرَأَة من غير مَسِيس أَي وَطْء حَتَّى يبلغ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمهَا فيبيت عِنْدهَا
وَلَا يقْضِي إِذا دخل لحَاجَة وَإِن طَال الزَّمن لِأَن النَّهَار تَابع مَعَ وجود الْحَاجة وَله مَا سوى وَطْء من استمتاع للْحَدِيث السَّابِق
وَخرج بِقَيْد النَّهَار اللَّيْل فَيحرم عَلَيْهِ وَلَو لحَاجَة على الصَّحِيح لما فِيهِ من إبِْطَال حق ذَات النّوبَة إِلَّا لضَرُورَة كمرضها الْمخوف وَشدَّة الطلق وَخَوف النهب والحريق
ثمَّ إِن طَال مكثه عرفا قضى من نوبَة الْمَدْخُول عَلَيْهَا مثل مكثه لِأَن حق الْآدَمِيّ لَا يسْقط بالعذر فَإِن لم يطلّ مكثه لم يقْض ليلته وَيَأْثَم من تعدى بِالدُّخُولِ وَإِن لم يطلّ مكثه
وَلَو جَامع من دخل عَلَيْهَا فِي نوبَة غَيرهَا عصى وَإِن قصر الزَّمن وَكَانَ لضَرُورَة قَالَ الإِمَام واللائق بالتحقيق الْقطع بِأَن الْجِمَاع لَا الْجِمَاع يُوصف بِالتَّحْرِيمِ وَيصرف التَّحْرِيم إِلَى إِيقَاع الْمعْصِيَة لَا إِلَى مَا وَقعت بِهِ الْمعْصِيَة
وَحَاصِله أَن تَحْرِيم الْجِمَاع لَا لعَينه بل لأمر خَارج وَيَقْضِي الْمدَّة دون الْجِمَاع لَا إِن قصرت وَمحل وجوب الْقَضَاء مَا إِذا بقيت المظلومة فِي نِكَاحه فَلَو مَاتَت المظلومة بِسَبَبِهَا فَلَا قَضَاء لخلوص الْحق للباقيات وَلَو فَارق المظلومة تعذر الْقَضَاء أما من عماد قسمه النَّهَار فليله كنهار غَيره ونهاره كليل غَيره فِي جَمِيع مَا تقدم
هَذَا كُله فِي الْمُقِيم أما الْمُسَافِر فعماد قسمه وَقت نُزُوله لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا قَالَه فِي الرَّوْضَة
تَنْبِيه أقل نوب الْقسم لمقيم عمله نَهَارا لَيْلَة وَلَا يجوز تبعيضها لما فِيهِ من تشويش الْعَيْش وعسر ضبط أَجزَاء اللَّيْل وَلَا بليلة وَبَعض أُخْرَى
وَأما طَوَافه ﷺ على نِسَائِهِ فِي لَيْلَة وَاحِدَة فَمَحْمُول على رضاهن أما الْمُسَافِر فقد مر حكمه وَأما من عماد قسمه النَّهَار كالحارس فَظَاهر كَلَامه أَنه لَا يجوز لَهُ تبعيضه كتبعيض اللَّيْل مِمَّن يقسم لَيْلًا وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل أَنه يجوز لسُهُولَة الضَّبْط
والاقتصار على اللَّيْلَة أفضل من الزِّيَادَة عَلَيْهَا اقْتِدَاء بِهِ ﷺ وليقرب عَهده بِهن وَيجوز لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا بِغَيْر رضاهن وَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهَا بِغَيْر رضاهن وَإِن تفرقن فِي الْبِلَاد لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى المهاجرة والإيحاش للباقيات بطول الْمقَام عِنْد الضرة وَقد يَمُوت فِي الْمدَّة الطَّوِيلَة فَيفوت حقهن
وَتجب الْقرعَة للابتداء بِوَاحِدَة عِنْد عدم رضاهن تَحَرُّزًا عَن التَّرْجِيح مَعَ استوائهن فِي الْحق فَيبْدَأ بِمن خرجت قرعتها فَإِذا مَضَت نوبتها أَقرع بَين الْبَاقِيَات ثمَّ بَين الْأَخِيرَتَيْنِ فَإِذا تمت النّوبَة رَاعى التَّرْتِيب
وَلَا حَاجَة إِلَى إِعَادَة الْقرعَة بِخِلَاف مَا لَو بَدَأَ بِلَا قرعَة فَإِنَّهُ يقرع بَين الْبَاقِيَات فَإِذا تمت النّوبَة أَقرع للابتداء
القَوْل فِي حكم الْمُسَافِر فِي الْقسم (وَإِذا أَرَادَ) الزَّوْج (السّفر) لنقلة وَلَو سفرا قَصِيرا حرم عَلَيْهِ أَن يستصحب بَعضهنَّ دون بعض وَلَو بِقرْعَة فَإِن سَافر ببعضهن لنقله وَلَو بِقرْعَة قضى للمتخلفات وَلَو نقل بَعضهنَّ بِنَفسِهِ وبعضهن بوكيله قضى لمن مَعَ الْوَكِيل
وَلَا يجوز أَن يتركهن بل ينقلهن أَو يُطَلِّقهُنَّ لما فِي ذَلِك من قطع أطماعهن من الوقاع فَأشبه الْإِيلَاء بِخِلَاف مَا لَو امْتنع من الدُّخُول إلَيْهِنَّ وَهُوَ حَاضر لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِع رجاؤهن
وَفِي بَاقِي الْأَسْفَار الطَّوِيلَة أَو القصيرة الْمُبَاحَة إِذا أَرَادَ اسْتِصْحَاب بَعضهنَّ
(أَقرع بَينهُنَّ) وجوبا كَمَا اقْتَضَاهُ إِيرَاد الرَّوْضَة وَأَصلهَا عِنْد تنازعهن
(وَخرج بِالَّتِي تخرج لَهَا) سهم (الْقرعَة) لما روى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ كَانَ إِذا أَرَادَ سفرا أَقرع بَين نِسَائِهِ فأيتهن خرج سهمها خرج بهَا مَعَه
وَسَوَاء أَكَانَ ذَلِك فِي يَوْمهَا أَو فِي يَوْم غَيرهَا
وَإِذا خرجت الْقرعَة لصَاحبه النّوبَة لَا تدخل
[ ٢ / ٤٣٠ ]
نوبتها فِي مُدَّة السّفر بل إِذا رَجَعَ وفى لَهَا نوبتها وَإِذا خرجت الْقرعَة لوَاحِدَة فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوج بغَيْرهَا وَله تَركهَا
وَلَو سَافر بِوَاحِدَة أَو أَكثر من غير قرعَة عصى وَقضى فَإِن رضين بِوَاحِدَة جَازَ بِلَا قرعَة وَسقط الْقَضَاء ولهن الرُّجُوع قبل سفرها قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَكَذَا بعده مَا لم يُجَاوز مَسَافَة الْقصر أَي يصل إِلَيْهَا وَإِذا سَافر بِالْقُرْعَةِ لَا يقْضِي لِلزَّوْجَاتِ المتخلفات مُدَّة سَفَره لِأَنَّهُ لم يَتَعَدَّ وَالْمعْنَى فِيهِ أَن المستصحبة وَإِن فازت بِصُحْبَتِهِ فقد لحقها من تَعب السّفر ومشقته مَا يُقَابل ذَلِك والمتخلفة وَإِن فاتها حظها من الزَّوْج فقد ترفهت بالراحة وَالْإِقَامَة فتقابل الْأَمْرَانِ فاستويا
وَخرج بالأسفار الْمُبَاحَة غَيرهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يستصحب فِيهَا بَعضهنَّ لَا بِقرْعَة وَلَا بغَيْرهَا فَإِن فعل عصى وَلَزِمَه الْقَضَاء للمتخلفات
وَخرج بالزوجات الْإِمَاء فَلهُ أَن يستصحب بَعضهم بِغَيْر قرعَة فَإِن وصل الْمَقْصد وَصَارَ مُقيما قضى مُدَّة الْإِقَامَة لِخُرُوجِهِ عَن حكم السّفر هَذَا إِن سَاكن المصحوبة أما إِذا اعتزلها مُدَّة الْإِقَامَة فَلَا يقْضِي كَمَا جزم بِهِ فِي الْحَاوِي وَلَا يقْضِي مُدَّة الرُّجُوع كَمَا لَا يقْضِي مُدَّة الذّهاب
تَنْبِيه من وهبت من الزَّوْجَات حَقّهَا من الْقسم لغَيْرهَا لم يلْزم الزَّوْج الرِّضَا بذلك لِأَنَّهَا لَا تملك إِسْقَاط حَقه من الِاسْتِمْتَاع فَإِن رَضِي بِالْهبةِ ووهبت لمعينة مِنْهُنَّ بَات عِنْدهَا ليلتيهما كَمَا فعل النَّبِي ﷺ لما وهبت سَوْدَة نوبتها لعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَإِن وهبت للزَّوْج فَقَط كَانَ لَهُ التَّخْصِيص بِوَاحِدَة فَأكْثر لِأَنَّهَا جعلت الْحق لَهُ فيضعه حَيْثُ شَاءَ وَلَو وهبت لَهُ ولبعض الزَّوْجَات أَو لَهُ وللجميع قسم ذَلِك على الرؤوس كَمَا بَحثه بعض الْمُتَأَخِّرين
وَلَا يجوز للواهبة أَن تَأْخُذ على الْمُسَامحَة بِحَقِّهَا عوضا لَا من الزَّوْج وَلَا من الضرائر لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَين وَلَا مَنْفَعَة لِأَن مقَام الزَّوْج عِنْدهَا لَيْسَ بِمَنْفَعَة ملكتها عَلَيْهِ
وَقد استنبط السُّبْكِيّ من هَذِه الْمَسْأَلَة وَمن خلع الْأَجْنَبِيّ جَوَاز النُّزُول عَن الْوَظَائِف وَالَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ رَأْيه أَن أَخذ الْعِوَض فِيهِ جَائِز وَأَخذه حَلَال لإِسْقَاط الْحق لَا لتَعلق حق المنزول لَهُ بل يبْقى الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى نَاظر الْوَظِيفَة يفعل مَا فِيهِ الْمصلحَة شرعا وَبسط ذَلِك
وَهَذِه مَسْأَلَة كَثِيرَة الْوُقُوع فاستفدها
وللواهبة الرُّجُوع مَتى شَاءَت فَإِذا رجعت خرج فَوْرًا وَلَا ترجع فِي الْمَاضِي قبل الْعلم بِالرُّجُوعِ
وَإِن بَات الزَّوْج فِي نوبَة وَاحِدَة عِنْد غَيرهَا ثمَّ ادّعى أَنَّهَا وهبت حَقّهَا وَأنْكرت لم يقبل قَوْله إِلَّا بِبَيِّنَة
[ ٢ / ٤٣١ ]
القَوْل فِي تَخْصِيص الزَّوْجَة الجديدة (وَإِذا تزوج) حر أَو عبد فِي دوَام نِكَاحه (جَدِيدَة) وَلَو معادة بعد الْبَيْنُونَة (خصها) أَي كل مِنْهُمَا وجوبا (بِسبع لَيَال) مُتَوَالِيَة بِلَا قَضَاء للباقيات (إِن كَانَت بكرا) على خلقتها أَو زَالَت بِغَيْر وَطْء (وبثلاث) لَيَال مُتَوَالِيَة بِلَا قَضَاء للباقيات (إِن كَانَت ثَيِّبًا) لخَبر ابْن حبَان فِي صَحِيحه سبع للبكر وَثَلَاث للثيب وَالْمعْنَى فِي ذَلِك زَوَال الوحشة بَينهمَا وَلِهَذَا سوى بَين الْحرَّة وَالْأمة لِأَن مَا يتَعَلَّق بالطبع لَا يخْتَلف بِالرّقِّ وَالْحريَّة كمدة الْعنَّة وَالْإِيلَاء
وَزيد للبكر لِأَن حياءها أَكثر
وَالْحكمَة فِي الثَّلَاث والسبع أَن الثَّلَاث مغتفرة فِي الشَّرْع والسبع عدد أَيَّام الدُّنْيَا وَمَا زَاد عَلَيْهَا تكْرَار فَإِن فرق ذَلِك لما يحْسب لِأَن الوحشة لَا تَزُول بالمفرق واستأنف وَقضى المفرق للأخريات
تَنْبِيه دخل فِي الثّيّب الْمَذْكُورَة من كَانَت ثيوبتها بِوَطْء حَلَال أَو حرَام أَو وَطْء شُبْهَة وَخرج بهَا من حصلت ثيوبتها بِمَرَض أَو وثبة أَو نَحْو ذَلِك
وَيسن تَخْيِير الثّيّب بَين ثَلَاث بِلَا قَضَاء وَبَين سبع بِقَضَاء كَمَا فعل ﷺ بِأم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حَيْثُ قَالَ لَهَا إِن شِئْت سبعت عنْدك وسبعت عِنْدهن وَإِن شِئْت ثلثت عنْدك وَدرت أَي بالقسم الأول بِلَا قَضَاء وَإِلَّا لقَالَ وثلثت عِنْدهن كَمَا قَالَ وسبعت عِنْدهن
وَلَا يتَخَلَّف بِسَبَب ذَلِك عَن الْخُرُوج للجماعات وَسَائِر أَعمال الْبر كعيادة المرضى وتشييع الْجَنَائِز مُدَّة الزفاف إِلَّا لَيْلًا فيتخلف وجوبا تَقْدِيمًا للْوَاجِب وَهَذَا مَا جرى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَإِن خَالف فِيهِ بعض الْمُتَأَخِّرين
وَأما ليَالِي الْقسم فَتجب التَّسْوِيَة بَينهُنَّ فيهل فِي الْخُرُوج وَعَدَمه فإمَّا أَن يخرج فِي لَيْلَة الْجَمِيع أَو لَا يخرج أصلا فَإِن خص لَيْلَة بَعضهنَّ بِالْخرُوجِ أَثم
القَوْل فِي حكم نشوز الْمَرْأَة ثمَّ شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ النُّشُوز بقوله (وَإِذا خَافَ) الزَّوْج (نشوز الْمَرْأَة) بِأَن ظَهرت أَمَارَات نشوزها فعلا كَأَن يجد مِنْهَا إعْرَاضًا وعبوسا بعد لطف وطلاقة وَجه أَو قولا كَأَن تجيبه بِكَلَام خشن بعد أَن كَانَ بلين (وعظها) اسْتِحْبَابا لقَوْله تَعَالَى ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ كَأَن يَقُول لَهَا اتَّقى الله فِي الْحق الْوَاجِب لي عَلَيْك واحذري الْعقُوبَة بِلَا هجر وَلَا ضرب
وَيبين لَهَا أَن النُّشُوز يسْقط النَّفَقَة وَالْقسم فلعلها تبدي عذرا أَو تتوب عَمَّا وَقع مِنْهَا بِغَيْر عذر
وَحسن أَن يذكر لَهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من قَوْله ﷺ إِذا باتت الْمَرْأَة هاجرة لفراش زَوجهَا لعنتها الْمَلَائِكَة حَتَّى تصبح وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا امْرَأَة باتت وَزوجهَا رَاض عَنْهَا دخلت الْجنَّة
(فَإِن أَبَت) مَعَ وعظه (إِلَّا النُّشُوز هجرها) فِي المضجع أَي يجوز لَهُ ذَلِك لظَاهِر الْآيَة وَلِأَن فِي الهجر أثرا ظَاهرا فِي تَأْدِيب النِّسَاء
وَالْمرَاد أَن يهجر فراشها فَلَا يضاجعها فِيهِ
وَخرج بالهجران فِي المضجع الهجران بالْكلَام فَلَا يجوز الهجر بِهِ لَا لزوجة وَلَا لغَيْرهَا فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَيجوز فِيهَا للْحَدِيث الصَّحِيح لَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي سنَن أبي دَاوُد فَمن هجره فَوق ثَلَاث فَمَاتَ دخل النَّار وَحمل الْأَذْرَعِيّ وَغَيره التَّحْرِيم على مَا إِذا قصد بهجرها ردهَا لحظ نَفسه فَإِن قصد بِهِ ردهَا عَن الْمعْصِيَة وَإِصْلَاح دينهَا فَلَا تَحْرِيم وَهَذَا مَأْخُوذ من قَوْلهم يجوز هجر المبتدع وَالْفَاسِق وَنَحْوهمَا وَمن رجا بهجره صَلَاح دين الهاجر أَو المهجور
وَعَلِيهِ يحمل هجره ﷺ كَعْب بن مَالك وصاحبيه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَنَهْيه ﷺ الصَّحَابَة عَن كَلَامهم وَكَذَا هجر السّلف بَعضهم بَعْضًا
(فَإِن أَقَامَت عَلَيْهِ) أَي أصرت على النُّشُوز بعد الهجر الْمُرَتّب على الْوَعْظ فعظوهن فَإِن نشزن فاهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن
وَالْخَوْف هُنَا بِمَعْنى الْعلم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا أَو إِثْمًا﴾ ضربهَا ضربا غير مبرح لظَاهِر الْآيَة فتقديرها واللاتي تخافون
[ ٢ / ٤٣٢ ]
نشوزهن
تَنْبِيه ظَاهر كَلَام المُصَنّف أَنه لَا يضْرب إِلَّا إِذا تكَرر مِنْهَا النُّشُوز وَهُوَ مَا رَجحه جُمْهُور الْعِرَاقِيّين وَغَيرهم وَرجحه الرَّافِعِيّ وَالَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ جَوَاز الضَّرْب وَإِن لم يتَكَرَّر النُّشُوز لظَاهِر الْآيَة
وَإِنَّمَا يجوز الضَّرْب إِذا أَفَادَ ضربهَا فِي ظَنّه وَإِلَّا فَلَا يضْربهَا كَمَا صرح بِهِ الإِمَام وَغَيره
وَخرج بقوله غير مبرح المبرح فَإِنَّهُ لَا يجوز مُطلقًا وَلَا يجوز على الْوَجْه والمهالك
وَالْأولَى لَهُ الْعَفو عَن الضَّرْب
وَخبر النَّهْي عَن ضرب النِّسَاء مَحْمُول على ذَلِك أَو على الضَّرْب بِغَيْر سَبَب يَقْتَضِيهِ وَهَذَا بِخِلَاف ولي الصَّبِي فَالْأولى لَهُ عدم الْعَفو لِأَن ضربه للتأديب مصلحَة لَهُ وَضرب الزَّوْج زَوجته مصلحَة لنَفسِهِ
(وَيسْقط بالنشوز قسمهَا) الْوَاجِب لَهَا والنشوز يحصل بخروجها من منزل زَوجهَا بِغَيْر إِذْنه لَا إِلَى القَاضِي لطلب الْحق مِنْهُ وَلَا إِلَى اكتسابها النَّفَقَة إِذا أعْسر بهَا الزَّوْج وَلَا إِلَى استفتاء إِذا لم يكن زَوجهَا فَقِيها وَلم يستفت لَهَا وَيحصل أَيْضا بمنعها الزَّوْج من الِاسْتِمْتَاع وَلَو غير الْجِمَاع حَيْثُ لَا عذر لَا منعهَا لَهُ مِنْهُ تذللا وَلَا الشتم لَهُ وَلَا الْإِيذَاء لَهُ بِاللِّسَانِ أَو غَيره بل تأثم بِهِ وتستحق التَّأْدِيب
(و) تسْقط بِهِ أَيْضا حَيْثُ لَا عذر (نَفَقَتهَا) وتوابعها كالسكنى وآلات التَّنْظِيف وَنَحْوهَا فَإِن كَانَ بهَا عذر كَأَن كَانَت مَرِيضَة أَو مضناة لَا تحْتَمل الْجِمَاع أَو بفرجها قُرُوح أَو كَانَت مَرِيضَة مُسْتَحَاضَة أَو كَانَ الزَّوْج عبلا أَي كَبِير الْآلَة يَضرهَا وَطْؤُهُ فَلَا تسْقط نَفَقَتهَا لعذرها
تَنْبِيه قَضِيَّة إِطْلَاق المُصَنّف كَغَيْرِهِ تنَاوله نشوز بعض الْيَوْم وَهُوَ الْأَصَح ومرادهم بالسقوط هُنَا منع الْوُجُوب لَا سُقُوط مَا وَجب حَتَّى لَو نشزت قبل الْفجْر وطلع الْفجْر وَهِي نَاشِزَة
فَلَا وجوب وَيُقَال سَقَطت لِأَن السُّقُوط فرع الْوُجُوب
وَسكت المُصَنّف عَن سُقُوط الْكسْوَة بالنشوز اكْتِفَاء
بجعلهم الْكسْوَة تَابِعَة للنَّفَقَة تجب بِوُجُوبِهَا وَتسقط بسقوطها وَسَيَأْتِي تَحْرِير ذَلِك فِي فصل نَفَقَة الزَّوْجَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
حكم منع زَوجته حَقّهَا تَتِمَّة لَو منع الزَّوْج زَوجته حَقًا لَهَا كقسم وَنَفَقَة ألزمهُ القَاضِي توفيته إِذا طلبته لعجزها عَنهُ فَإِن أَسَاءَ خلقه وأذاها بِضَرْب أَو غَيره بِلَا سَبَب نَهَاهُ عَن ذَلِك وَلَا يعزره فَإِن عَاد إِلَيْهِ وَطلبت تعزيره من القَاضِي عزره بِمَا يَلِيق بِهِ لتعديه عَلَيْهَا
وَإِنَّمَا لم يعزره فِي الْمرة الأولى وَإِن كَانَ الْقيَاس جَوَازه إِذا طلبته لِأَن إساءة الْخلق تكْثر بَين الزَّوْجَيْنِ وَالتَّعْزِير عَلَيْهَا يُورث وَحْشَة بَينهمَا فَيقْتَصر أَولا
[ ٢ / ٤٣٣ ]
على النَّهْي لَعَلَّ الْحَال يلتئم بَينهمَا فَإِن عَاد عزره
وَإِن قَالَ كل من الزَّوْجَيْنِ إِن صَاحبه مُتَعَدٍّ عَلَيْهِ تعرف القَاضِي الْحَال الْوَاقِع بَينهمَا بِثِقَة يخبرهما وَيكون الثِّقَة جارا لَهما
فَإِن عدم أسكنهما بِجنب ثِقَة يتعرف حَالهمَا ثمَّ يُنْهِي إِلَيْهِ مَا يعرفهُ فَإِذا تبين للْقَاضِي حَالهمَا منع الظَّالِم مِنْهُمَا من عوده لظلمه فَإِن اشْتَدَّ الشقاق بَينهمَا بعث القَاضِي حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا لينْظر فِي أَمرهمَا والبعث وَاجِب وَمن أهلهما سنة وهما وكيلان لَهما لَا حكمان من جِهَة الْحَاكِم فيوكل هُوَ حكمه بِطَلَاق أَو خلع وتوكل هِيَ حكمهَا ببذل عوض وَقبُول طَلَاق بِهِ ويفرقا بَينهمَا إِن رأياه صَوَابا
وَيشْتَرط فيهمَا إِسْلَام وحرية وعدالة واهتداء إِلَى الْمَقْصُود من بعثهما لَهُ وَإِنَّمَا اشْترط فيهمَا ذَلِك مَعَ أَنَّهُمَا وكيلان لتَعلق وكالتهما بِنَظَر الْحَاكِم كَمَا فِي أَمِينه
وَيسن كَونهمَا ذكرين فَإِن اخْتلف رأيهما بعث القَاضِي اثْنَيْنِ غَيرهمَا حَتَّى يجتمعا على شَيْء فَإِن لم يرض الزَّوْجَانِ ببعث الْحكمَيْنِ وَلم يتَّفقَا على شَيْء أدب القَاضِي الظَّالِم مِنْهُمَا وَاسْتوْفى للمظلوم حَقه