هُوَ لُغَة المباعدة وَمِنْه لَعنه الله أَي أبعده وطرده وَسمي بذلك لبعد الزَّوْجَيْنِ من الرَّحْمَة أَو لبعد كل مِنْهُمَا عَن الآخر فَلَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَشرعا كَلِمَات مَعْلُومَة جعلت حجَّة للْمُضْطَر إِلَى قذف من لطخ فرَاشه إِن كَانَ من الْكَاذِبين وإطلاقه فِي جَانب الْمَرْأَة من مجَاز التغليب واختير لَفظه دون لفظ لغضب وَإِن كَانَا موجودين فِي اللّعان لكَون اللَّعْنَة مُتَقَدّمَة فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَلِأَن لِعَانه قد يَنْفَكّ عَن لعانها وَلَا ينعكس
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ الْآيَات وَسبب نُزُولهَا وَألْحق الْعَار بِهِ وَسميت هَذِه الْكَلِمَات لعانا
[ ٢ / ٤٥٩ ]
لقَوْل الرجل عَلَيْهِ لعنة الله ذكرته فِي شرح الْبَهْجَة وَغَيره
وَهِي يَمِين مُؤَكدَة بِلَفْظ الشَّهَادَة كَمَا هُوَ فِي الرَّوْضَة عَن الْأَصْحَاب فَلَا يَصح لعان صبي وَمَجْنُون وَلَا يَقْتَضِي قذفهما لعانا بعد كمالهما وَلَا عُقُوبَة كَمَا فِي الرَّوْضَة وَلم يَقع بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة لعان بعد اللّعان الَّذِي وَقع بَين يَدي النَّبِي ﷺ إِلَّا فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(وَإِذا رمى) أَي قذف (الرجل) الْمُكَلف (زَوجته) المحصنة (بِالزِّنَا) صَرِيحًا كزنيت وَلَو مَعَ قَوْله فِي الْجَبَل أَو يَا زَانِيَة أَو زنى فرجك أَو يَا قحبة
كَمَا أفتى بِهِ ابْن عبد السَّلَام أَو كِنَايَة كزنأت فِي الْجَبَل بِالْهَمْز لِأَن الزنء هُوَ الصعُود بِخِلَاف زنأت فِي الْبَيْت بِالْهَمْز
فصريح لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل بِمَعْنى الصعُود فِي الْبَيْت وَنَحْوه زَاد فِي الرَّوْضَة أَن هَذَا كَلَام الْبَغَوِيّ وَأَن غَيره قَالَ إِن لم يكن للبيت درج يصعد إِلَيْهِ فِيهَا فصريح قطعا
أَو يَا فاجرة أَو يَا فاسقة أَو أَنْت تحبين الْخلْوَة بِالرجلِ أَو لم أجدك بكرا وَنوى بذلك الْقَذْف (فَعَلَيهِ) لَهَا (حد الْقَذْف) للإيذاء وَخرج بِقَيْد المحصنة غَيرهَا
والمحصن الَّذِي يحد قَاذفه مُكَلّف وَمثله السَّكْرَان الْمُتَعَدِّي بسكره حر مُسلم عفيف عَن وَطْء يحد بِهِ فَلَا يحد بِقَذْف زَوجته الصَّغِيرَة الَّتِي لَا تحْتَمل الْوَطْء وَلَا الْبكر قبل دُخُوله بهَا
[ ٢ / ٤٦٠ ]
(إِلَّا أَن يُقيم الْبَيِّنَة) بزناها فيرتفع عَنهُ الْحَد أَو التَّعْزِير لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لهِلَال بن أُميَّة حِين قذف زَوجته بِشريك ابْن سمحاء الْبَيِّنَة أَو حد فِي ظهرك فَقَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا إِنِّي لصَادِق ولينزلن الله فِي أَمْرِي مَا يبرىء ظَهْري من الْحَد فَنزلت آيَات اللّعان الحَدِيث وَهُوَ بِطُولِهِ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فَدلَّ على ارْتِفَاع الْحَد بِالْبَيِّنَةِ (أَو يُلَاعن) لدفع الْحَد إِن اخْتَارَهُ لحَدِيث هِلَال وَله الِامْتِنَاع وَعَلِيهِ حد الْقَذْف كَمَا فِي الرَّوْضَة
وَيشْتَرط لصِحَّة اللّعان سبق قذفه زَوجته تَقْدِيمًا للسبب على الْمُسَبّب كَمَا هُوَ مُسْتَفَاد من صَنِيع المُصَنّف وَبِه صرح الْأَصْحَاب لِأَن اللّعان إِنَّمَا شرع لخلاص الْقَاذِف من الْحَد
قَالَ فِي الْمُهَذّب لِأَن الزَّوْج يبتلى بِقَذْف امْرَأَته لدفع الْعَار وَالنّسب الْفَاسِد
وَقد يتَعَذَّر عَلَيْهِ إِقَامَة الْبَيِّنَة فَجعل اللّعان بَيِّنَة لَهُ فَلهُ قَذفهَا إِذا تحقق زنَاهَا بِأَن رَآهَا تَزني أَو ظن زنَاهَا ظنا مؤكدا أورثه الْعلم كشياع زنَاهَا بزيد مصحوب بِقَرِينَة كَأَن رَآهَا وَلَو مرّة وَاحِدَة فِي خلْوَة أَو رَآهُ يخرج من عِنْدهَا أَو هِيَ تخرج من عِنْده أَو رأى رجلا مَعهَا مرَارًا فِي مَحل رِيبَة أَو مرّة تَحت شعار فِي هَيْئَة مُنكرَة أما مُجَرّد الإشاعة فَقَط أَو الْقَرِينَة فَقَط فَلَا يجوز لَهُ اعْتِمَاد وَاحِد مِنْهُمَا أما الإشاعة فقد يشيعه عَدو لَهَا أَو من يطْمع فِيهَا فَلم يظفر بِشَيْء وَأما مُجَرّد الْقَرِينَة الْمَذْكُورَة فَلِأَنَّهُ رُبمَا دخل عَلَيْهَا لخوف أَو سَرقَة أَو طمع أَو نَحْو ذَلِك وَالْأولَى لَهُ كَمَا فِي زَوَائِد الرَّوْضَة أَن يستر عَلَيْهَا ويطلقها إِن كرهها لما فِيهِ من ستر الْفَاحِشَة وإقالة العثرة
هَذَا حَيْثُ لَا ولد يَنْفِيه فَإِن كَانَ هُنَاكَ ولد يَنْفِيه بِأَن علم أَنه لَيْسَ مِنْهُ لزمَه نَفْيه لِأَن ترك النَّفْي يتَضَمَّن استلحاقه واستلحاق من لَيْسَ مِنْهُ حرَام كَمَا يحرم نفي من هُوَ مِنْهُ
وَإِنَّمَا يعلم إِذا لم يَطَأهَا أَو وَطئهَا وَلَكِن وَلدته لدوّنَ سِتَّة أشهر من وَطئه الَّتِي هِيَ أقل مُدَّة الْحمل أَو لفوق أَربع سِنِين من الْوَطْء الَّتِي هِيَ أَكثر مُدَّة الْحمل فَلَو علم زنَاهَا وَاحْتمل كَون الْوَلَد مِنْهُ وَمن الزِّنَا وَإِن لم يَسْتَبْرِئهَا بعد وَطئه حرم النَّفْي رِعَايَة للْفراش وَكَذَا الْقَذْف وَاللّعان على الصَّحِيح لِأَن اللّعان حجَّة ضَرُورِيَّة إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهَا لدفع النّسَب أَو قطع النِّكَاح حَيْثُ لَا ولد على الْفراش الملطخ وَقد حصل الْوَلَد هُنَا فَلم يبْق لَهُ فَائِدَة والفراق يُمكن بِالطَّلَاق
ثمَّ شرع فِي كَيْفيَّة اللّعان بقوله (فَيَقُول) أَي الزَّوْج (عِنْد الْحَاكِم) أَو نَائِبه إِذْ اللّعان لَا يعْتَبر إِلَّا بِحُضُورِهِ والمحكم حَيْثُ لَا ولد كالحاكم أما إِذا كَانَ هُنَاكَ ولد فَلَا يَصح التَّحْكِيم
إِلَّا أَن يكون مُكَلّفا ويرضى بِحكمِهِ لِأَن لَهُ حَقًا فِي النّسَب فَلَا يُؤثر رضاهما فِي حَقه
وَالسَّيِّد فِي اللّعان بَين أمته وَعَبده إِذا زَوجهَا مِنْهُ كالحاكم لِأَن لَهُ أَن يتَوَلَّى لعان رَقِيقه وَيسن التَّغْلِيظ فِي اللّعان بِالْمَكَانِ وَالزَّمَان
أما الْقسم الأول وَهُوَ التَّغْلِيظ بِالْمَكَانِ فَيكون فِي أشرف مَوضِع بلد اللّعان لِأَن فِي ذَلِك تَأْثِيرا فِي الزّجر عَن الْيَمين الْفَاجِرَة فَإِن كَانَ فِي غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة فَيكون (فِي الْجَامِع على الْمِنْبَر) كَمَا صَححهُ صَاحب الْكَافِي لِأَن الْجَامِع هُوَ الْمُعظم من تِلْكَ الْبَلدة والمنبر أولى فَإِن كَانَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَبين الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود وَبَين مقَام إِبْرَاهِيم ﵊ وَيُسمى مَا بَينهمَا بِالْحَطِيمِ
فَإِن قيل لَا شَيْء فِي مَكَّة أشرف من الْبَيْت
أُجِيب بِأَن عدولهم عَنهُ صِيَانة لَهُ عَن ذَلِك وَإِن كَانَ فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فعلى الْمِنْبَر كَمَا فِي الْأُم والمختصر لقَوْله ﷺ من حلف على منبري هَذَا يَمِينا آثِما تبوأ مَقْعَده من النَّار وَإِن كَانَ فِي بَيت الْمُقَدّس فَعِنْدَ الصَّخْرَة لِأَنَّهَا أشرف بقاعه لِأَنَّهَا قبْلَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم
[ ٢ / ٤٦١ ]
الصَّلَاة وَالسَّلَام
وَفِي صَحِيح ابْن حبَان أَنَّهَا من الْجنَّة وتلاعن امْرَأَة حَائِض أَو نفسَاء أَو متحيرة مسلمة بِبَاب الْجَامِع لتَحْرِيم مكثها فِيهِ
وَالْبَاب أقرب إِلَى الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة ويلاعن الزَّوْج فِي الْمَسْجِد فَإِذا فرغ خرج الْحَاكِم أَو نَائِبه إِلَيْهَا ويغلظ على الْكَافِر الْكِتَابِيّ إِذا ترافعوا إِلَيْنَا فِي بيعَة وَهِي بِكَسْر الْمُوَحدَة معبد النَّصَارَى وَفِي كَنِيسَة وَهِي معبد الْيَهُود وَفِي بَيت نَار مَجُوسِيّ لَا بَيت أصنام وَثني لِأَنَّهُ لَا حُرْمَة لَهُ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ فِي الْمُسلم فَيكون بعد صَلَاة عصر كل يَوْم إِن كَانَ طلبه حثيثا لِأَن الْيَمين الْفَاجِرَة بعد الْعَصْر أغْلظ عُقُوبَة لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم
وعد مِنْهُم رجلا حلف على يَمِين كَاذِبَة بعد الْعَصْر يقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم فَإِن لم يكن طلب حثيث فَبعد صَلَاة عصر يَوْم الْجُمُعَة لِأَن سَاعَة الْإِجَابَة فِيهِ
كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَصَححهُ الْحَاكِم
وروى مُسلم أَنَّهَا من مجْلِس الإِمَام على الْمِنْبَر إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة
وَأما التَّغْلِيظ بِالزَّمَانِ فِي الْكَافِر فَيعْتَبر بأشرف الْأَوْقَات عِنْدهم كَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَإِن كَانَ قَضِيَّة كَلَام المُصَنّف أَنه كَالْمُسلمِ وَنَقله ابْن الرّفْعَة عَن الْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيره
تَنْبِيه من لَا ينتحل دينا كالدهري والزنديق الَّذِي لَا يتدين بدين وعابد الوثن لَا يشرع فِي حَقهم تَغْلِيظ بل يلاعنون فِي مجْلِس الحكم لأَنهم لَا يعظمون زَمَانا وَلَا مَكَانا فَلَا ينزجرون
قَالَ الشَّيْخَانِ وَيحسن أَن يحلف من ذكر بِاللَّه الَّذِي خلقه ورزقه
لِأَنَّهُ وَإِن غلا فِي كفره وجد نَفسه مذعنة لخالق مُدبر وَيسن التَّغْلِيظ أَيْضا (فِي جمَاعَة) أَي بِحُضُور جمع عدُول (من) أَعْيَان (النَّاس) وصلحائهم من بلد اللّعان لقَوْله تَعَالَى ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ وَلِأَن فِيهِ ردعا عَن الْكَذِب وَأَقلهمْ كَمَا فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ أَرْبَعَة لثُبُوت الزِّنَا بهم فاستحب أَن يحضر ذَلِك الْعدَد وَيبدأ فِي اللّعان بِالزَّوْجِ فَيَقُول (أشهد بِاللَّه إِنَّنِي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميت بِهِ زَوْجَتي فُلَانَة) هَذِه (من الزِّنَا) إِن كَانَت حَاضِرَة فَإِن كَانَت غَائِبَة عَن الْبَلَد أَو مجْلِس اللّعان لمَرض أَو حيض أَو نَحْو ذَلِك سَمَّاهَا وَرفع نَسَبهَا بِمَا يميزها عَن غَيرهَا دفعا للاشتباه
وَإِن كَانَ ثمَّ ولد يَنْفِيه عَنهُ ذكره فِي كل كَلِمَات اللّعان الْخَمْسَة الْآتِيَة لينتفي عَنهُ فَيَقُول فِي كل مِنْهَا (وَإِن هَذَا الْوَلَد) إِن كَانَ حَاضرا أَو لِأَن الْوَلَد الَّذِي وَلدته إِن كَانَ غَائِبا (من الزِّنَا وَلَيْسَ) هُوَ (مني) لِأَن كل مرّة بِمَنْزِلَة شَاهد فَلَو أغفل ذكر الْوَلَد فِي بعض الْكَلِمَات احْتَاجَ إِلَى إِعَادَة اللّعان لنفيه
تَنْبِيه قَضِيَّة كَلَامه إِنَّه لَو اقْتصر على قَوْله (من الزِّنَا) وَلم يقل لَيْسَ مني أَنه لَا يَكْفِي قَالَ فِي الشَّرْح الْكَبِير وَبِه أجَاب كَثِيرُونَ لِأَنَّهُ قد يظنّ أَن وَطْء النِّكَاح الْفَاسِد والشبهة زنا وَلَكِن الرَّاجِح أَنه يَكْفِي
كَمَا صَححهُ فِي أصل الرَّوْضَة وَالشَّرْح الصَّغِير حملا للفظ الزِّنَا على حَقِيقَته وَقَضيته أَيْضا أَنه لَو اقْتصر على قَوْله لَيْسَ مني لم يكف وَهُوَ الصَّحِيح لاحْتِمَال أَن يُرِيد أَن لَا يُشبههُ خلقا وَلَا خلقا فَلَا بُد أَن يسْندهُ مَعَ ذَلِك إِلَى سَبَب معِين كَقَوْلِه من زنا أَو وَطْء شُبْهَة
ويكرر ذَلِك (أَربع مَرَّات) للآيات السَّابِقَة أول الْفَصْل وكررت الشَّهَادَة لتأكيد الْأَمر
لِأَنَّهَا أُقِيمَت مقَام أَربع شُهُود من غَيره ليقام عَلَيْهَا الْحَد وَلذَلِك سميت شَهَادَات وَهِي فِي الْحَقِيقَة أَيْمَان وَأما الْكَلِمَة الْخَامِسَة الْآتِيَة فمؤكدة لمفاد الْأَرْبَع (وَيَقُول فِي الْمرة الْخَامِسَة بعد أَن يعظه الْحَاكِم) ندبا بِأَن يخوفه من عَذَاب الله تَعَالَى وَقد قَالَ ﷺ لهِلَال اتَّقِ الله فَإِن عَذَاب الدُّنْيَا أَهْون من عَذَاب الْآخِرَة وَيَأْمُر رجلا أَن يضع يَده على فِيهِ لَعَلَّه ينزجر فَإِن أَبى بعد مُبَالغَة الْحَاكِم فِي وعظه إِلَّا الْمُضِيّ قَالَ لَهُ قل (وَعلي لعنة الله إِن كنت من الْكَاذِبين) فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا وَيُشِير إِلَيْهَا فِي الْحُضُور ويميزها فِي الْغَيْبَة كَمَا فِي الْكَلِمَات الْأَرْبَع
[ ٢ / ٤٦٢ ]
تَنْبِيه كَانَ من حق المُصَنّف أَن يذكر هَذِه الزِّيَادَة لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن الْخَامِسَة لَا يشْتَرط فِيهَا ذكر ذَلِك وسكوته أَيْضا عَن ذكر الْوَلَد فِي الْخَامِسَة يَقْتَضِي أَيْضا أَنه لَا يشْتَرط فِي نَفْيه ذكره فِيهَا
وَلَيْسَ مرَادا كَمَا مر أَنه لَا بُد من ذكره فِي الْكَلِمَات الْخمس وَسكت أَيْضا عَن ذكر الْمُوَالَاة فِي الْكَلِمَات الْخمس وَالأَصَح اشْتِرَاطهَا كَمَا فِي الرَّوْضَة فيؤثر الْفَصْل الطَّوِيل وَهَذَا كُله إِن كَانَ قذف وَلم تثبته عَلَيْهِ بِبَيِّنَة
وَإِلَّا بِأَن كَانَ اللّعان لنفي ولد كَأَن احْتمل كَونه من وَطْء شُبْهَة وأثبتت قذفه بِبَيِّنَة قَالَ فِي الأول فِيمَا رميتها بِهِ من إِصَابَة غَيْرِي لَهَا على فِرَاشِي وَأَن هَذَا الْوَلَد من تِلْكَ الْإِصَابَة إِلَى الْكَلِمَات وَفِي الثَّانِي فِيمَا أَثْبَتَت على من رمى إِيَّاهَا بِالزِّنَا إِلَى آخِره
وَلَا تلاعن الْمَرْأَة فِي الأول إِذْ لَا حد عَلَيْهَا بِهَذَا اللّعان حَتَّى تسقطه بلعانها
القَوْل فِيمَا يرتب على لعان الرجل (وَيتَعَلَّق بلعانه) أَي بِتَمَامِهِ من غير توقف عى لعانها وَلَا قَضَاء القَاضِي كَمَا فِي الرَّوْضَة
(خَمْسَة أَحْكَام) وَعَلَيْهَا اقْتصر فِي الْمِنْهَاج وَذكر فِي الزَّوَائِد زِيَادَة عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي مَعَ غَيرهَا
الأول (سُقُوط الْحَد) أَي سُقُوط حد قذف الْمُلَاعنَة (عَنهُ) إِن كَانَت مُحصنَة وَسُقُوط التَّعْزِير عَنهُ إِن لم تكن مُحصنَة وَلَا يسْقط حد قذف الزَّانِي عَنهُ إِلَّا إِن ذكره فِي لِعَانه
تَنْبِيه كَانَ الأولى أَن يعبر بالعقوبة بدل الْحَد ليشْمل التَّعْزِير (و) الثَّانِي (وجوب الْحَد) أَي حد الزِّنَا (عَلَيْهَا) أَي زَوجته مسلمة كَانَت أَو كَافِرَة إِن لم تلاعن لقَوْله تَعَالَى ﴿ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب﴾ الْآيَة فَدلَّ على وُجُوبه عَلَيْهَا بلعانه وعَلى سُقُوطه بلعانها
(و) الثَّالِث (زَوَال الْفراش) أَي فرَاش الزَّوْج عَنْهَا لانْقِطَاع النِّكَاح بَينهمَا لما فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ فرق بَينهمَا ثمَّ قَالَ لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا وَهِي فرقة فسخ كالرضاع لحصولها بِغَيْر لفظ وَتحصل ظَاهرا وَبَاطنا وَفِي سنَن أبي دواد المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا
تَنْبِيه تَعْبِير المُصَنّف بالفراش مُرَاده بِهِ هُنَا الزَّوْجِيَّة كَمَا مر تبعا لجمع من أَئِمَّة اللُّغَة وَغَيرهم (و) الرَّابِع (نفي) انتساب (الْوَلَد) إِلَيْهِ إِن نَفَاهُ فِي لِعَانه لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ فرق بَينهمَا وَألْحق الْوَلَد بِالْمَرْأَةِ وَإِنَّمَا يحْتَاج الْملَاعن إِلَى نفي نسب ولد يُمكن كَونه مِنْهُ فَإِن تعذر كَون الْوَلَد مِنْهُ كَأَن طَلقهَا فِي مجْلِس العقد أَو نكح امْرَأَة وَهُوَ بالمشرق وَهِي بالمغرب أَو كَانَ الزَّوْج صَغِيرا أَو ممسوحا لم يلْحقهُ الْوَلَد لِاسْتِحَالَة كَونه مِنْهُ فَلَا حَاجَة فِي انتفائه إِلَى لِعَانه وَالنَّفْي فوري كالرد بِالْعَيْبِ بِجَامِع الضَّرَر بالإمساك إِلَّا لعذر كَأَن بلغه الْخَبَر لَيْلًا فَأخر حَتَّى يصبح أَو كَانَ مَرِيضا أَو مَحْبُوسًا وَلم يُمكنهُ إِعْلَام القَاضِي بذلك أَو لم يجده فَلَا يبطل حَقه إِن تعسر عَلَيْهِ فِيهِ إِشْهَاد بِأَنَّهُ بَاقٍ على النَّفْي وَإِلَّا بَطل حَقه
كَمَا لَو أخر بِلَا عذر فيلحقه الْوَلَد وَله نفي حمل وانتظار وَضعه ليتَحَقَّق كَونه ولدا فَلَو قَالَ عَلمته ولدا وأخرت رَجَاء وَضعه مَيتا فألغي اللّعان بَطل حَقه من النَّفْي لتَفْرِيطه فَإِن أخر
وَقَالَ جهلت الْوَضع وَأمكن جَهله صدق بِيَمِينِهِ وَلَا يَصح نفي أحد توأمين بِأَن
[ ٢ / ٤٦٣ ]
لم يَتَخَلَّل بَينهمَا سِتَّة أشهر
بِأَن ولدا مَعًا أَو تخَلّل بَين وضعيهما دون سِتَّة أشهر لِأَن الله تَعَالَى لم يجر الْعَادة بِأَن يجمع فِي الرَّحِم ولدا من مَاء رجل وَولدا من مَاء آخر لِأَن الرَّحِم إِذا اشْتَمَل على الْمَنِيّ استد فَمه فَلَا يَتَأَتَّى قبُوله منيا آخرا وَلَو هنىء بِولد كَأَن قيل لَهُ متعت بولدك فَأجَاب بِمَا يتَضَمَّن إِقْرَارا كآمين أَو نعم
لم ينف بِخِلَاف مَا إِذا أجَاب بِمَا لَا يتَضَمَّن إِقْرَارا كَقَوْلِه جَزَاك الله خيرا لِأَن الظَّاهِر أَنه قَصده مُكَافَأَة الدُّعَاء بِالدُّعَاءِ (و) الْخَامِس (التَّحْرِيم) أَي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ (على الْأَبَد) فَلَا يحل لَهُ نِكَاحهَا بعد اللّعان وَلَا وَطْؤُهَا بِملك الْيَمين لَو كَانَت أمة واشتراها لقَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الْمَار وَلَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا أَي لَا طَرِيق لَك إِلَيْهَا
وَلما مر فِي الحَدِيث الآخر المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا
تَنْبِيه بَقِي على المُصَنّف من الْأَحْكَام أَشْيَاء لم يذكرهَا وَقد تقدم الْوَعْد بذكرها مِنْهَا سُقُوط حد قذف الزَّانِي بهَا عَن الزَّوْج إِن سَمَّاهُ فِي لِعَانه كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَإِن لم يذكرهُ فِي لِعَانه لم يسْقط عَنهُ حد قذفه لَكِن لَهُ أَن يُعِيد اللّعان ويذكره
فَإِن لم يُلَاعن وَلَا بَيِّنَة وحد لقذفها بطلبها فطالبه الرجل الْمَقْذُوف بِهِ بِالْحَدِّ
وَقُلْنَا بالأصح أَنه يجب عَلَيْهِ حدان فَلهُ اللّعان وتأبدت حُرْمَة الزَّوْجَة بِاللّعانِ لأجل الرجل فَقَط وَلَو ابْتَدَأَ الرجل فطالبه بِحَدّ قذفه كَانَ لَهُ اللّعان لإِسْقَاط الْحَد فِي أحد وَجْهَيْن يظْهر تَرْجِيحه بِنَاء على أَن حَقه يثبت أصلا لَا تبعا لَهَا كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامهم وَإِن عَفا أَحدهمَا فللآخر الْمُطَالبَة بِحقِّهِ
وَحَيْثُ قُلْنَا يُلَاعن للمقذوف بِهِ لَا يثبت بلعانه زنا الْمَقْذُوف بِهِ وَلَا يُلَاعن الْمَقْذُوف بِهِ وَإِنَّمَا فَائِدَته سُقُوط الْحَد عَن الْقَاذِف وَمِنْهَا سُقُوط حصانتها فِي حق الزَّوْج إِن امْتنعت من اللّعان وَمِنْهَا تشطير الصَدَاق قبل الدُّخُول وَمِنْهَا أَن حكمهَا حكم الْمُطلقَة بَائِنا فَلَا يلْحقهَا طَلَاق وَيحل للزَّوْج نِكَاح أَربع سواهَا وَمن يحرم جمعه مَعهَا كأختها وعمتها وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام المترتبة على الْبَيْنُونَة وَإِن لم تنقض عدتهَا وَلَا يتَوَقَّف ذَلِك على قَضَاء القَاضِي لَا على لعانها بل يحصل بِمُجَرَّد لعان الزَّوْج وَمِنْهَا أَنه لَا نَفَقَة لَهَا وَإِن كَانَت حَامِلا إِذا نفى الْحمل بلعانه كَمَا جزم بِهِ فِي الْكَافِي