وَهِي لُغَة مَأْخُوذَة من السَّقْي بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْقَاف الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِيهَا غَالِبا لَا سِيمَا فِي الْحجاز فَإِنَّهُم يسقون من الْآبَار لِأَنَّهُ أَنْفَع أَعمالهَا
وحقيقتها أَن يُعَامل غَيره على نخل أَو شجر عِنَب ليتعهده بالسقي والتربية على أَن الثَّمَرَة لَهما
وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع خبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ عَامل أهل خَيْبَر وَفِي رِوَايَة دفع إِلَى يهود خَيْبَر نخلها وأرضها بِشَطْر
[ ٢ / ٣٤٤ ]
مَا يخرج مِنْهَا من ثَمَر أَو زرع وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهَا لِأَن مَالك الْأَشْجَار قد لَا يحسن تعهدها أَو لَا يتفرغ لَهُ
وَمن يحسن ويتفرغ قد لَا يملك الْأَشْجَار فَيحْتَاج ذَلِك إِلَى الِاسْتِعْمَال وَهَذَا إِلَى الْعَمَل وَلَو اكترى الْمَالِك لَزِمته الْأُجْرَة فِي الْحَال وَقد لَا يحصل لَهُ شَيْء من الثِّمَار ويتهاون الْعَامِل فدعَتْ الْحَاجة إِلَى تجويزها
وأركانها سِتَّة عاقدان وَعمل وثمر وَصِيغَة ومورد الْعَمَل
وَالْمُصَنّف ذكر بَعْضهَا وَنَذْكُر الْبَاقِي فِي الشَّرْح (وَالْمُسَاقَاة جَائِزَة) للْحَاجة إِلَيْهَا كَمَا مر وَلَا يَصح عقدهَا إِلَّا (على) شجر (النّخل وَالْكَرم) هَذَا أحد الْأَركان وَهُوَ المورد أما النّخل فللخبر السَّابِق وَلَو ذُكُورا كَمَا اقْتَضَاهُ إِطْلَاق المُصَنّف وَصرح بِهِ الْخفاف وَيشْتَرط فِيهِ أَن يكون مغروسا معينا مرئيا بيد عَامل لم يبد صَلَاحه وَمثله الْعِنَب لِأَنَّهُ فِي معنى النّخل بِجَامِع وجوب الزَّكَاة وَتَأْتِي الْخرص وَتَسْمِيَة الْعِنَب بِالْكَرمِ ورد النَّهْي عَنْهَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تسموا الْعِنَب كرما إِنَّمَا الْكَرم الرجل الْمُسلم رَوَاهُ مُسلم
وَاخْتلفُوا أَيهمَا أفضل وَالرَّاجِح أَن النّخل أفضل لوُرُود أكْرمُوا عماتكم النّخل المطعمات فِي الْمحل وَأَنَّهَا خلقت من طِينَة آدم وَالنَّخْل مقدم على الْعِنَب فِي جَمِيع الْقُرْآن وَشبه النَّبِي ﷺ النَّخْلَة بِالرجلِ الْمُؤمن فَإِنَّهَا تشرب برأسها وَإِذا قطعت مَاتَت وَينْتَفع بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَشبه ﷺ عين الدَّجَّال بِحَبَّة الْعِنَب لِأَنَّهَا أصل الْخمر وَهِي أم الْخَبَائِث فَلَا تصح الْمُسَاقَاة على غير نخل وعنب اسْتِقْلَالا كتين وتفاح ومشمش وبطيخ لِأَنَّهُ يَنْمُو من غير تعهد بِخِلَاف النّخل وَالْعِنَب وَلَا على غير مرئي وَلَا على مُبْهَم كَأحد البستانين كَمَا فِي سَائِر عُقُود الْمُعَاوضَة وَلَا على كَونه بيد غير الْعَامِل كَأَن جعل بِيَدِهِ وبيد الْمَالِك كَمَا فِي الْقَرَاض وَلَا على ودي يغرسه ويتعهده وَالثَّمَرَة بَينهمَا كَمَا لَو سلمه بذرا ليزرعه وَلِأَن الْغَرْس لَيْسَ عمل الْمُسَاقَاة فضمه إِلَيْهِ يُفْسِدهَا وَلَا على مَا بدا صَلَاح ثمره لفَوَات مُعظم الْأَعْمَال وَشرط فِي الْعَاقِدين وهما الرُّكْن الثَّانِي وَالثَّالِث مَا مر فيهمَا فِي الْقَرَاض وَتقدم بَيَانه
وَشريك مَالك كأجنبي فَتَصِح مساقاته لَهُ إِن شَرط لَهُ زِيَادَة على حِصَّته وَشرط فِي الْعَمَل وَهُوَ الرُّكْن الرَّابِع أَن لَا يشْتَرط على الْعَاقِد مَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَو شَرط ذَلِك كَأَن شَرط على الْعَامِل أَن يَبْنِي جِدَار الحديقة أَو على الْمَالِك تنقية النَّهر لم يَصح العقد
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَشرط فِي الثَّمر وَهُوَ الرُّكْن الْخَامِس شُرُوط ذكر المُصَنّف مِنْهَا شرطين بقوله (وَلها شَرْطَانِ أَحدهمَا أَن يقدرها) العاقدان (بِمدَّة مَعْلُومَة) يُثمر فِيهَا الشّجر غَالِبا كَسنة أَو أَكثر كَالْإِجَارَةِ فَلَا تصح مُؤَبّدَة وَلَا مُطلقَة وَلَا مُؤَقَّتَة بِإِدْرَاك الثَّمر للْجَهْل بوقته فَإِنَّهُ يتَقَدَّم تَارَة ويتأخر أُخْرَى وَلَا مُؤَقَّتَة بِزَمن لَا يُثمر فِيهِ الشّجر غَالِبا لخلو الْمُسَاقَاة عَن الْعِوَض وَلَا أُجْرَة لِلْعَامِلِ إِن علم أَو ظن أَنه لَا يُثمر فِي ذَلِك الزَّمن وَإِن اسْتَوَى الاحتمالان أَو جهل الْحَال فَلهُ أجرته لِأَنَّهُ عمل طامعا وَإِن كَانَت الْمُسَاقَاة بَاطِلَة (و) الشَّرْط (الثَّانِي أَن يعين) الْمَالِك (لِلْعَامِلِ جُزْءا) كثيرا كَانَ أَو قَلِيلا (مَعْلُوما) كالثلث (من الثَّمَرَة) الَّتِي أوقع عَلَيْهَا العقد
وَالشّرط الثَّالِث اختصاصهما بالثمرة فَلَا يجوز شَرط بَعْضهَا لغَيْرِهِمَا وَلَا كلهَا للْمَالِك
قَالَ فِي الرَّوْضَة
وَفِي اسْتِحْقَاق الْأُجْرَة عِنْد شَرط الْكل للْمَالِك وَجْهَان كالقراض أصَحهمَا الْمَنْع
وَشرط فِي الصِّيغَة وَهُوَ الرُّكْن السَّادِس مَا مر فِيهَا فِي البيع
غير عدم التَّأْقِيت بِقَرِينَة مَا مر آنِفا كساقيتك أَو عاملتك على هَذَا على أَن الثَّمَرَة بَيْننَا فَيقبل الْعَامِل لَا تَفْصِيل أَعمال بِنَاحِيَة بهَا عرف غَالب فِي الْعَمَل عرفه العاقدان فَلَا يشْتَرط فَإِن لم يكن فِيهَا عرف غَالب أَو كَانَ وَلم يعرفاه اشْترط
وَيحمل الْمُطلق على الْعرف الْغَالِب الَّذِي عرفاه فِي نَاحيَة (ثمَّ الْعَمَل فِيهَا على ضَرْبَيْنِ) هَذَا شُرُوع فِي بَيَان حكمهَا الأول (عمل يعود نَفعه على الثَّمَرَة) لزيادتها أَو صَلَاحهَا أَو يتَكَرَّر كل سنة كسقي وتنقية مجْرى المَاء من طين وَنَحْوه وَإِصْلَاح أجاجين يقف فِيهَا المَاء حول الشّجر ليشربه شبهت بأجاجين الغسيل جمع إجانة وتلقيح النّخل وتنحية حشيش وقضبان مضرَّة بِالشَّجَرِ وتعريش للعنب إِن جرت بِهِ عَادَة وَهُوَ أَن ينصب أَعْوَاد أَو يظللها وَيَرْفَعهُ عَلَيْهَا
ويحفظ الثَّمر على الشّجر
وَفِي البيدر عَن السّرقَة وَالشَّمْس وَالطير بِأَن يَجْعَل كل عنقود فِي وعَاء يهيئه الْمَالِك كقوصره وقطعه وتجفيفه (فَهُوَ) كُله (على الْعَامِل) دون الْمَالِك لاقْتِضَاء الْعرف ذَلِك فِي الْمُسَاقَاة
قَالَ فِي الرَّوْضَة وَإِنَّمَا اعْتبر التّكْرَار لِأَن مَا لَا يتَكَرَّر يبْقى أَثَره بعد فرَاغ الْمُسَاقَاة وتكليف الْعَامِل مثل هَذَا إجحاف بِهِ (و) الضَّرْب الثَّانِي (عمل يعود نَفعه إِلَى الأَرْض) من غير أَن يتَكَرَّر كل سنة وَلَكِن يقْصد بِهِ حفظ الْأُصُول كبناء حيطان الْبُسْتَان وحفر نهر وَإِصْلَاح مَا انهار من النَّهر وَنصب الْأَبْوَاب والدولاب وَنَحْو ذَلِك وآلات الْعَمَل كالفأس والمعول والمنجل والطلع الَّذِي يلقح بِهِ النّخل والبهيمة الَّتِي تدير
[ ٢ / ٣٤٦ ]
الدولاب (فَهُوَ) كُله (على رب المَال) دون الْعَامِل لاقْتِضَاء الْعرف ذَلِك وَيملك الْعَامِل حِصَّته من الثَّمر بالظهور إِن عقد قبل ظُهُوره وَفَارق الْقَرَاض حَيْثُ لَا يملك فِيهِ الرِّبْح إِلَّا بِالْقِسْمَةِ كَمَا مر بِأَن الرِّبْح وقاية لرأس المَال وَالثَّمَر لَيْسَ وقاية للشجر أما إِذا عقد بعد ظُهُوره فيملكها بِالْعقدِ
وَخرج بالثمر الْجَدِيد والكرناف والليف فَلَا يكون مُشْتَركا بَينهمَا بل يخْتَص بِهِ الْمَالِك كَمَا جزم بِهِ فِي الْمطلب تبعا للماوردي وَغَيره
قَالَ وَلَو شَرط جعله بَينهمَا على حسب مَا شرطاه فِي الثَّمر فَوَجْهَانِ فِي الْحَاوِي اه
وَالظَّاهِر مِنْهُمَا الصِّحَّة كَمَا نَقله الزَّرْكَشِيّ وَغَيره عَن الصَّيْمَرِيّ وَلَو شَرطهَا لِلْعَامِلِ بَطل قطعا وعامل الْمُسَاقَاة أَمِين بِاتِّفَاق الْأَصْحَاب وَلَا يَصح كَون الْعِوَض غير الثَّمر فَلَو ساقاه بِدَرَاهِم أَو غَيرهمَا لم تَنْعَقِد مُسَاقَاة وَلَا إِجَارَة إِلَّا إِن فصل الْأَعْمَال وَكَانَت مَعْلُومَة
وَلَو ساقاه على نوع بِالنِّصْفِ على أَن يساقيه على آخر بِالثُّلثِ فسد الأول للشّرط الْفَاسِد وَأما الثَّانِي فَإِن عقده جَاهِلا بِفساد الأول فَكَذَلِك وَإِلَّا فَيصح
تَتِمَّة الْمُسَاقَاة لَازِمَة كَالْإِجَارَةِ فَلَو هرب الْعَامِل أَو عجز بِمَرَض أَو نَحوه قبل الْفَرَاغ من الْعَمَل وتبرع غَيره بِالْعَمَلِ بِنَفسِهِ أَو بِمَالِه بَقِي حق الْعَامِل فَإِن لم يتَبَرَّع غَيره وَرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم اكترى الْحَاكِم عَلَيْهِ من يعْمل بعد ثُبُوت الْمُسَاقَاة وهرب الْعَامِل مثلا وَتعذر إِحْضَاره من مَاله إِن كَانَ لَهُ مَال وَإِلَّا اكترى بمؤجل إِن تَأتي
نعم إِن كَانَت الْمُسَاقَاة على الْعين فَالَّذِي جزم بِهِ صَاحب الْعين الْيُمْنَى والنشائي أَنه لَا يكترى عَلَيْهِ لتمكن الْمَالِك من الْفَسْخ ثمَّ إِن تعذر اكتراؤه اقْترض عَلَيْهِ من الْمَالِك أَو غَيره ويوفي نصِيبه من الثَّمر
ثمَّ إِن تعذر اقتراضه عمل الْمَالِك بِنَفسِهِ أَو أنْفق بإشهاد بذلك شَرط فِيهِ رُجُوعا بِأُجْرَة عمله أَو بِمَا أنفقهُ وَلَو مَاتَ المساقي فِي ذمَّته قبل تَمام الْعَمَل وَخلف تَرِكَة عمل وَارثه إِمَّا مِنْهَا بِأَن يكتري عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حق وَاجِب على مُوَرِثه أَو من مَاله أَو بِنَفسِهِ وَيسلم لَهُ الْمَشْرُوط فَلَا يجْبر على الْإِنْفَاق من التَّرِكَة وَلَا يلْزم الْمَالِك تَمْكِينه من الْعَمَل بِنَفسِهِ إِلَّا إِذا كَانَ أَمينا عَارِفًا بِالْأَعْمَالِ فَإِن لم تكن تَركه فللوارث الْعَمَل وَلَا يلْزمه وَلَو أعْطى شخص آخر دَابَّة ليعْمَل عَلَيْهَا أَو يتعهدها وفوائدها بَينهمَا لم يَصح العقد لِأَنَّهُ فِي الأولى يُمكنهُ إِيجَار الدَّابَّة فَلَا حَاجَة إِلَى إِيرَاد عقد عَلَيْهَا فِيهِ غرر وَفِي الثَّانِيَة الْفَوَائِد لَا تحصل بِعَمَلِهِ