ثمَّ شرع فِي أَحْكَام الْوَلِيمَة واشتقاقها كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِي من الولم وَهُوَ الِاجْتِمَاع لِأَن الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ وَهِي تقع على كل
[ ٢ / ٤٢٦ ]
طَعَام يتَّخذ لسرور حَادث من عرس وإملاك وَغَيرهمَا لَكِن اسْتِعْمَالهَا مُطلقَة فِي الْعرس أشهر
القَوْل فِي حكم الْوَلِيمَة (والوليمة على الْعرس) بِضَم الْعين مَعَ ضم الرَّاء وإسكانها الابتناء بِالزَّوْجَةِ (مُسْتَحبَّة) مُؤَكدَة لثبوتها عَنهُ ﷺ قولا وفعلا فَفِي البُخَارِيّ أَنه ﷺ أولم على بعض نِسَائِهِ بمدين من شعير وَأَنه أولم على صَفِيَّة بِتَمْر وَسمن وأقط وَأَنه قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد تزوج أولم وَلَو بِشَاة
وأقلها للمتمكن شَاة وَلغيره مَا قدر عَلَيْهِ
قَالَ النَّسَائِيّ وَالْمرَاد أقل الْكَمَال شَاة لقَوْل التَّنْبِيه وَبِأَيِّ شَيْء أولم من الطَّعَام جَازَ
تَنْبِيه لم يتَعَرَّضُوا لوقت الْوَلِيمَة واستنبط السُّبْكِيّ من كَلَام الْبَغَوِيّ أَن وَقتهَا موسع من حِين العقد فَيدْخل وَقتهَا بِهِ وَالْأَفْضَل فعلهَا بعد الدُّخُول لِأَنَّهُ ﷺ لم يولم على نِسَائِهِ إِلَّا بعد الدُّخُول فَتجب الْإِجَابَة إِلَيْهَا من حِين العقد وَإِن خَالف الأَصْل
القَوْل فِي الْإِجَابَة على الْوَلِيمَة (والإجابة إِلَيْهَا وَاجِبَة) عينا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ إِذا دعِي أحدكُم إِلَى الْوَلِيمَة فليأتها وَخبر مُسلم شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَلِيمَة تدعى لَهَا الْأَغْنِيَاء وتترك الْفُقَرَاء وَمن لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله
قَالُوا وَالْمرَاد وَلِيمَة الْعرس لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَة عِنْدهم وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعا إِذا دعِي أحدكُم إِلَى وَلِيمَة عرس فليجب
وَأما غَيرهَا من الولائم فالإجابة إِلَيْهَا مُسْتَحبَّة لما فِي مُسْند أَحْمد عَن الْحسن قَالَ دعِي عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ إِلَى ختان فَلم يجب وَقَالَ لم يكن يدعى لَهُ على عهد رَسُول الله ﷺ
وَقَوله (إِلَّا عذر) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَكثر شُرُوط وجوب الْإِجَابَة فَإِن شُرُوطه كَثِيرَة مِنْهَا أَن لَا يخص بالدعوة الْأَغْنِيَاء لغناهم لخَبر شَرّ الطَّعَام
وَمِنْهَا أَن يكون الدَّاعِي مُسلما
وَمِنْهَا أَن يكون الْمَدْعُو مُسلما أَيْضا وَمِنْهَا أَن يَدعُوهُ فِي الْيَوْم الأول فتسن الْإِجَابَة فِي الْيَوْم الثَّانِي وَتكره فِي الثَّالِث
وَمِنْهَا أَن يكون الدَّاعِي مُطلق التَّصَرُّف نعم إِن اتخذها الْوَلِيّ من مَاله وَهُوَ أَب أَو جد فَالظَّاهِر كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ الْوُجُوب وَمِنْهَا أَن لَا يَدعُوهُ لخوف مِنْهُ لَو لم يحضر أَو طَمَعا فِي جاهه أَو إعانته على بَاطِل
وَمِنْهَا أَن يعين الْمَدْعُو بِنَفسِهِ أَو نَائِبه لَا أَن يُنَادي فِي النَّاس كَأَن فتح الْبَاب وَقَالَ ليحضر من أَرَادَ
وَمِنْهَا أَن لَا يعْتَذر الْمَدْعُو إِلَى الدَّاعِي ويرضى بتخلفه
وَمِنْهَا أَن لَا يسْبق الدَّاعِي غَيره فَإِن جَاءَا مَعًا أجَاب أقربهما رحما ثمَّ دَارا وَمِنْهَا أَن لَا يَدْعُو من أَكثر مَاله حرَام فَمن كَانَ كَذَلِك كرهت إجَابَته فَإِن علم أَن عين الطَّعَام حرَام حرمت إجَابَته وَإِلَّا فَلَا وتباح الْإِجَابَة
وَلَا تجب إِذا كَانَ فِي مَاله شُبْهَة وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ لَا تجب الْإِجَابَة فِي زَمَاننَا هَذَا انْتهى
وَلَكِن لَا بُد أَن يغلب على الظَّن أَن فِي مَال الدَّاعِي شُبْهَة وَمِنْهَا أَن لَا يكون الدَّاعِي
[ ٢ / ٤٢٧ ]
امْرَأَة أَجْنَبِيَّة وَلَيْسَ فِي مَوضِع الدعْوَة محرم لَهَا وَلَا للمدعو وَإِن لم يخل بهَا وَمِنْهَا أَن لَا يكون الدَّاعِي ظَالِما أَو فَاسِقًا أَو شريرا أَو متكلفا طَالبا للمباهاة وَالْفَخْر قَالَه فِي الْإِحْيَاء
وَمِنْهَا أَن يكون الْمَدْعُو حرا فَلَو دَعَا عبدا لَزِمته إِن أذن لَهُ سَيّده وَكَذَا الْمكَاتب إِن لم يضر حُضُوره بِكَسْبِهِ فَإِن ضرّ وَأذن لَهُ سَيّده فَوَجْهَانِ وَالْأَوْجه عدم الْوُجُوب والمحجور عَلَيْهِ فِي إِجَابَة الدَّعْوَى كالرشيد
وَمِنْهَا أَن يَدعُوهُ فِي وَقت الْوَلِيمَة وَقد تقدم وَقتهَا
وَمِنْهَا أَن لَا يكون الْمَدْعُو قَاضِيا وَفِي مَعْنَاهُ كل ذِي ولَايَة عَامَّة
وَمِنْهَا أَن لَا يكون مَعْذُورًا بمرخص فِي ترك الْجَمَاعَة
وَمِنْهَا أَن لَا يكون هُنَاكَ من يتَأَذَّى بِحُضُورِهِ أَو لَا يَلِيق بِهِ مُجَالَسَته كالأراذل
وَمِنْهَا أَن لَا يكون الْمَدْعُو أَمْرَد يخَاف من حُضُوره رِيبَة أَو تُهْمَة أَو قالة
وَمِنْهَا أَن لَا يكون هُنَاكَ مُنكر لَا يَزُول بِحُضُورِهِ كشرب الْخمر وَالضَّرْب بالملاهي فَإِن كَانَ يَزُول بِحُضُورِهِ وَجب حُضُوره للدعوة وَإِزَالَة الْمُنكر
وَمن الْمُنكر فرش غير حَلَال كالمغصوب والمسروق وفرش جُلُود النمور وفرش الْحَرِير للرِّجَال
وَمِنْهَا أَن لَا يكون هُنَاكَ صُورَة حَيَوَان فِي غير أَرض وبساط ومخدة وَالْمَرْأَة إِذا دعت النِّسَاء فَكَمَا ذكرنَا فِي الرِّجَال قَالَه فِي الرَّوْضَة
وَقِيَاس مَا مر عَن الْأَذْرَعِيّ فِي الْأَمْرَد أَن الْمَرْأَة إِذا خَافت من حُضُورهَا رِيبَة أَو تُهْمَة أَو قالة لَا تجب عَلَيْهَا الْإِجَابَة وَإِن أذن الزَّوْج وَالْأولَى عدم حُضُورهَا خُصُوصا فِي هَذَا الزَّمَان الَّذِي كثر فِيهِ اخْتِلَاط الْأَجَانِب من الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي مثل ذَلِك من غير مبالاة بكشف مَا هُوَ عَورَة كَمَا هُوَ مَعْلُوم مشَاهد وَلابْن الْحَاج الْمَالِكِي اعتناء زَائِد بالْكلَام على مثل هَذَا وأشباهه بِاعْتِبَار زَمَانه فَكيف لَهُ بِزَمَان خرق فِيهِ السياج وَزَاد بَحر فَسَاده وهاج وَلَا تسْقط إِجَابَة بِصَوْم فَإِن شقّ على الدَّاعِي صَوْم نفل من الْمَدْعُو فالفطر لَهُ أفضل وَيَأْكُل الضَّيْف مِمَّا قدم لَهُ بِلَا لغط وَلَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بِأَكْل وَيملك الضَّيْف مَا التقمه بِوَضْعِهِ فِي فَمه كَمَا جزم بِهِ ابْن الْمقري
وللضيف أَخذ مَا يعلم رضَا المضيف بِهِ وَيحل نثر سكره وَغَيره فِي الإملاك وَلَا يكره النثر فِي الْأَصَح وَيحل الْتِقَاطه وَلَكِن تَركه أولى وَيسن للضيف وَإِن لم يَأْكُل أَن يَدْعُو للمضيف وَأَن يَقُول الْملك لضيفه وَلغيره كزوجته وَولده إِذا رفع يَده من الطَّعَام كل ويكرره عَلَيْهِ مَا لم يتَحَقَّق أَنه اكْتفى مِنْهُ وَلَا يزِيد على ثَلَاث مَرَّات
وَذكرت فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره مسَائِل مهمة تتَعَلَّق بِهَذَا الْفَصْل لَا بَأْس بمراجعتها