وَهِي كَرَاهَة تَحْرِيم كَمَا صَححهُ فِي الرَّوْضَة وَالْمَجْمُوع هُنَا وَإِن صحّح فِي التَّحْقِيق وَفِي الطَّهَارَة من الْمَجْمُوع أَنَّهَا كَرَاهَة تَنْزِيه (و) هِيَ (خَمْسَة أَوْقَات لَا يصلى فِيهَا) أَي فِي غير حرم مَكَّة (إِلَّا صَلَاة لَهَا سَبَب) غير مُتَأَخّر فَإِنَّهَا تصح كفائتة وَصَلَاة كسوف واستسقاء وَطواف وتحية وَسنة وضوء وَسجْدَة تِلَاوَة وشكر وَصَلَاة جَنَازَة وَسَوَاء أَكَانَت فَائِتَة فرضا أم نفلا لِأَنَّهُ ﷺ صلى بعد الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ هما اللَّتَان بعد الظّهْر أما مَا لَهُ سَبَب مُتَأَخّر كركعتي الاستخارة وَالْإِحْرَام فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِد كَالصَّلَاةِ الَّتِي لَا سَبَب لَهَا
تَنْبِيه هَل المُرَاد بالمتقدم وقسيميه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَو إِلَى الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة كَمَا فِي أصل الرَّوْضَة رأيان أظهرهمَا كَمَا قَالَه الْإِسْنَوِيّ الأول وَعَلِيهِ جرى ابْن الرّفْعَة فَعَلَيهِ صَلَاة الْجِنَازَة وَنَحْوهَا كركعتي الطّواف سَببهَا مُتَقَدم وعَلى الثَّانِي قد يكون مُتَقَدما وَقد يكون مُقَارنًا بِحَسب وُقُوعه فِي الْوَقْت وَمحل مَا ذكر إِذا لم يتحر بِهِ وَقت الْكَرَاهَة ليوقعها فِيهِ وَإِلَّا بِأَن قصد تَأْخِير الْفَائِتَة أَو الْجِنَازَة ليوقعها فِيهِ أَو دخل الْمَسْجِد وَقت الْكَرَاهَة بنية التَّحِيَّة فَقَط أَو قَرَأَ آيَة سَجْدَة ليسجد لَهَا فِيهِ وَلَو قَرَأَهَا قبل الْوَقْت لم تصح للْأَخْبَار الصَّحِيحَة كَخَبَر لَا تحروا بصلاتكم طُلُوع الشَّمْس وَلَا غُرُوبهَا
ثمَّ أَخذ المُصَنّف فِي بَيَان الْأَوْقَات الْمَذْكُورَة فَقَالَ مبتدئا بأولها (بعد صَلَاة الصُّبْح) أَدَاء (حَتَّى تطلع الشَّمْس) وترتفع للنَّهْي عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (و) ثَانِيهَا (عِنْد) مُقَارنَة (طُلُوعهَا) سَوَاء أصلى الصُّبْح أم لَا (حَتَّى تتكامل) فِي الطُّلُوع (وترتفع) بعد ذَلِك (قدر رمح) فِي رَأْي الْعين وَإِلَّا فالمسافة بعيدَة (و) ثَالِثهَا (عِنْد الاسْتوَاء حَتَّى تَزُول) لما روى مُسلم عَن عقبَة بن عَامر ثَلَاث سَاعَات كَانَ رَسُول الله ﷺ ينهانا أَن نصلي فِيهِنَّ أَو نقبر فِيهِنَّ مَوتَانا حِين تطلع الشَّمْس بازغة حَتَّى ترْتَفع وَحين يقوم قَائِم الظهيرة حَتَّى تميل الشَّمْس وَحين تضيف للغروب
فالظهيرة شدَّة الْحر وقائمها الْبَعِير يكون باركا فَيقوم من شدَّة حر الأَرْض وتضيف بتاء مثناة من فَوق ثمَّ ضاد مُعْجمَة ثمَّ مثناة من تَحت مُشَدّدَة أَي تميل وَالْمرَاد بالدفن فِي هَذِه الْأَوْقَات أَن يترقب الشَّخْص هَذِه الْأَوْقَات لأجل الدّفن وَسبب الْكَرَاهَة مَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه ﷺ قَالَ إِن الشَّمْس تطلع وَمَعَهَا قرن الشَّيْطَان فَإِذا ارْتَفَعت فَارقهَا فَإِذا اسْتَوَت قارنها فَإِذا زَالَت فَارقهَا
فَإِذا دنت للغروب قارنها فَإِذا غربت فَارقهَا
رَوَاهُ الشَّافِعِي بِسَنَدِهِ
وَاخْتلف فِي المُرَاد بقرن الشَّيْطَان فَقيل قوهه وهم عباد الشَّمْس يَسْجُدُونَ لَهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات وَقيل إِن الشَّيْطَان يدني رَأسه من الشَّمْس فِي هَذِه الْأَوْقَات ليَكُون الساجد لَهَا سَاجِدا لَهُ وَقيل غير ذَلِك
وتزول الْكَرَاهَة بالزوال وَوقت الاسْتوَاء لطيف لَا يسع الصَّلَاة وَلَا يكَاد يشْعر بِهِ حَتَّى تَزُول الشَّمْس
[ ١ / ١٦١ ]
إِلَّا أَن التَّحَرُّم يُمكن إِيقَاعه فِيهِ فَلَا تصح الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة فيستثنى من كَلَامه لاستثنائه فِي خبر أبي دَاوُد وَغَيره وَالأَصَح جَوَاز الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت مُطلقًا سَوَاء أحضر إِلَى الْجُمُعَة أم لَا وَقيل يخْتَص بِمن حضر الْجُمُعَة وَصَححهُ جمَاعَة
(و) رَابِعهَا (بعد) صَلَاة (الْعَصْر) أَدَاء وَلَو مَجْمُوعَة فِي وَقت الظّهْر (حَتَّى تغرب الشَّمْس) بكمالها للنَّهْي عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
(و) خَامِسهَا (عِنْد) مُقَارنَة (الْغُرُوب حَتَّى يتكامل غُرُوبهَا) للنَّهْي عَنهُ فِي خبر مُسلم
القَوْل فِي أَقسَام الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة بِاعْتِبَار الْوَقْت وَبِاعْتِبَار الْفِعْل تَنْبِيه قد علم مِمَّا تقرر انقسام النَّهْي فِي هَذِه الْأَوْقَات إِلَى مَا يتَعَلَّق بِالزَّمَانِ وَهُوَ ثَلَاثَة أَوْقَات عِنْد الطُّلُوع وَعند الاسْتوَاء وَعند الْغُرُوب
وَإِلَى مَا يتَعَلَّق بِالْفِعْلِ وَهُوَ وقتان بعد الصُّبْح أَدَاء وَبعد الْعَصْر كَذَلِك
وتقسيم هَذِه الْأَوْقَات إِلَى خَمْسَة هِيَ عبارَة الْجُمْهُور وتبعهم فِي الْمُحَرر عَلَيْهَا وَهِي أولى من اقْتِصَار الْمِنْهَاج على الاسْتوَاء وعَلى بعد صَلَاة الصُّبْح وَبعد صَلَاة الْعَصْر
قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَالْمرَاد بحصر الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَذْكُورَة إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْقَات الْأَصْلِيَّة وَإِلَّا فَسَيَأْتِي كَرَاهَة التَّنَفُّل فِي وَقت إِقَامَة الصَّلَاة وَوقت صعُود الإِمَام لخطبة الْجُمُعَة انْتهى
وَإِنَّمَا ترد الأولى إِذا قُلْنَا الْكَرَاهَة للتنزيه وَزَاد بَعضهم كَرَاهَة وَقْتَيْنِ آخَرين وهما بعد طُلُوع الْفجْر إِلَى صلَاته وَبعد الْمغرب إِلَى صلَاته وَقَالَ إِنَّهَا كَرَاهَة تَحْرِيم على الصَّحِيح وَنَقله عَن النَّص انْتهى
وَالْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب خِلَافه
وَأَخْبرنِي بعض الْحَنَابِلَة أَن التَّحْرِيم مَذْهَبهم وَخرج بِغَيْر حرم مَكَّة حرمهَا فَلَا تكره فِيهِ صَلَاة فِي شَيْء من هَذِه الْأَوْقَات مُطلقًا لخَبر يَا بني عبد منَاف لَا تمنعوا أحدا طَاف بِهَذَا الْبَيْت وَصلى فِي أَيَّة سَاعَة شَاءَ من ليل أَو نَهَار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَقَالَ حسن صَحِيح وَلما فِيهِ من زِيَادَة فضل الصَّلَاة نعم هِيَ خلاف الأولى خُرُوجًا من الْخلاف
وَخرج بحرم مَكَّة حرم الْمَدِينَة فَإِنَّهُ كَغَيْرِهِ