(مسألة)
وعلى هذا الأصل الذي قدمناه نقول: إذا أحرم بحجتين لم تنعقدا وينعقد أحدهما، وكذلك إذا أحرم بعمرتين، ومذهب محمد مثل مذهبنا.
وعند أبي حنيفة ﵁ وأبي يوسف ينعقدان جميعًا، ثم ترتفض أحدهما في الحال على قول أبي يوسف.
وعند أبي حنيفة ترتفض إذا شرع في العمل لأحدهما.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
والدليل على أنهما لا ينعقدان أن الإحرام ركن من أركان الحج فلم يتصور الجمع بين ركنين من الحج كما لا يجوز الجمع بين وقوفين وطوافين، وكذلك لا يصح الجمع بين حجتين في سنة واحدة أداءً أو قضاءً.
وأما أبو حنيفة رحمة/ الله عليه وأبو يوسف قالًا: الإحرام التزام للحج فيصح الجمع فيه بين حجتين.
دليله: النذر.
يبينه: أن فساد الجمع بين الحجتين إنما هو لأجل الأداء فإن الله تعالى ما شرع أداء حجتين في سنة واحدة من واحد بحال، كما لم يشرع أداء صومين في يوم واحد بحال فإذا كان الفساد للأداء والأداء ينفصل عن الإحرام لتعذر الأداء، كما لو أحرم ليلة عرفة بالكوفة أو بأقصى خراسان فإنه عاجز عن أداء الحج في هذه الصورة ومع ذلك ينعقد إلا أن العجز في هذه الصورة من حيث عجز العبد عن إدراك الحج وفعله، والعجز في مسألتنا من حيث أن الشرع لم يجعل له أن يجمع أداءين في وقت واحد فإذا كان العجز في أحد الموضعين لا يمنع الانعقاد كذلك في الموضع الآخر.
قالوا: وليس كما لو جمع بين أختين حيث لا ينعقد واحد من النكاحين، لأن مسألتنا مخالف لهذه المسائل بدليل أن في مسألة النكاح لا ينعقد واحد من النكاحين، وفي مسألتنا انعقد إحدى الجهتين بلا خلاف فوجب أن ينعقد الآخر، لأنه لو بطل الانعقاد كان يبطل فيهما.
ثم قالوا: النكاح إيجاب ملك محلل وما له حكم غير ذلك، وهذا الحكم فائت إذا جمع بين الأختين، لأن الجمع فائت شرعًا لا يثبت بحال مثل ما يفوت في الخمس من الأجنبيات، والعقد لا ينعقد إلا لحكمه فلا ينعقد إذا تحققنا فوات حكمه.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وأما الإحرام فينعقد في الحال لأجل الالتزام وفي المال للأداء فالأداء إن لم يتصور جمعًا، فالالتزام يتصور ثم الخروج عن حكم الالتزام بفعل أحدهما وقضاء الآخر.
وأما الارتفاض في أحدهما فعند أبي يوسف في الحال، لأنه لو بقى لبقى الأداء والأداء جمعًا فلابد أن يرتفض أحدهما فارتفض في الحال.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه لابد للارتفاض من رافض فجعل الشروع في أحدهما ثم حصول التوجه إلى أحدهما فصار الآخر مثل ما جعل الظهر مرفوضًا بالتوجه إلى الجمعة.
الجواب:
إن هذه كلها بناء على أن الإحرام التزام الحج، وقد بينا أنه حج في نفسه والجمع غير مشروع في الحج فبطل، وليس كما لو أحرم بأقصى خراسان ليلة عرفة، لأنه أحرم لمشروع إلا أنه عجز عنه فصار بمنزلة فائت الحج، وأما ههنا أحرم بما ليس بمشروع.
وأما انعقاد إحرامه بإحدى الحجتين فلأنه لا مانع منه، أما إذا جمع بين أختين فقد تعلق به منازعة الأذى في حقه، وليس إثبات الحق لأحدهما بأولى من الآخر فبطلا، وهذا لا يوجد في مسألتنا.
وأما إذا أحرم بصلاتين أو نوى صومين ففي النفلين أو النفل والفرض ينعقد أحدهما نفلًا، وفي الفرض لم ينعقد لعدم التعيين، ونية التعين شرط في صحة الفرض. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢٦٩ ]