وعندهم: لا يلزمه، وهو القول الثاني، واختيار المزني.
لنا:
إن الأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد الاشتباه قائم بدليل أنه قد كان مأمورًا بالتوجه إلى الكعبة ولم يوجد إلا الاشتباه، واشتباه الكعبة لا يوجب سقوط الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لأن الاشتباه إلى الارتفاع، ولأنه يتصور إصابة الكعبة مع الاشتباه فلم يسقط الأمر بالتوجه إليها.
[ ١ / ١٨٥ ]
يبينه أنه أذا اشتبه الثوب الطاهر في ثوبين: نجس وطاهر، واشتبه الماء الطاهر في أواني بعضها طاهر وبعضها نجس، فإنه لا يسقط وجوب الصلاة في الثوب الطاهر والتوضئ بالماء الطاهر، كذلك في مسألتنا، وإذا ثبت أن الأمر السابق قائم كلف التوجه إلى الكعبة فإذا ظهر الخطأ فقد تبين أنه أخطأ ما كلف إصابته فيجب عليه أن يعيد الصلاة ليأتي بالصلاة على وفق المأمور، فإن كان الوقت قائمًا أدى وإن كان فائتًا قضى، ونظيره إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر له النص بخلاف ما حكم فإنه ينقض حكمه لما بينا من المعنى، كذلك هاهنا، وكذلك إذا صلى في يوم غيم بغالب الظن، ثم تبين أنه صلى قبل الوقت فإنه يلزمه الإعادة، كذلك هاهنا، ولا فرق بينهما عند التأمل.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قالوا: (نزلت هذه الآية في شأن الصلاة حالة الاشتباه بدليل ما روى عن عامر بن ربيعة قال: كنا في سفر فاشتبهت علينا القبلة فصلينا بالتحري فلما أصبحنا علمنا أنا أخطأنا القبلة فسألنا رسول الله - ﷺ - فأنزل الله تعالى هذه الآية».
[ ١ / ١٨٦ ]
قالوا: وآية استقبال الكعبة لا ترد هذا، لأن هذا الآية نزلت حال الاشتباه، وتلك الآية نزلت في حالة العلم، وهذا لأن حقيقة شرط الصلاة استقبال وجه الله بنص الكتاب لأنه قام إلى تعظيمه وعبادته كما يكون في الشاهد إلا أن أفعال العباد لم تشرع إلا على سبيل يكون العبد مبتلى بأدائه بضرب اختيار طاعة الله تعالى على خلاف هواه وفي استقبال وجه الله تعالى على الحقيقة لا يتصور معنى الابتلاء، لأن الله تعالى لا جهة له فلا يتوجه العبد شطرًا إلا وثم وجه الله كما قاله الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فأقيمت الكعبة مقام الحقيقة ليتحقق الابتلاء بقصد تلك الجهة، ولما اشتبهت أمر بجهة هي عنده جهة الكعبة ليتحقق معنى الابتلاء بطلبها فإذا فعل تم شرط/ صحة الفعل عبادة ولم يتبين الخطأ من بعد، لأن المراد وجه الله وقد أصاب وما أخطأه)، وخرج على هذا فصل الحاكم إذا اجتهد ثم ظهر له النص، لأن الأصل هو النص في الحادثة إذا وجد وقد أخطأه وهاهنا الأصل وجه الله وقد أصابه على ما بينا.
وكذلك سائر المسائل، هذا استدلال أبي زيد في الأسرار بالآية قال: (والمعنى أن التكليف من الله تعالى مبنى على وسع العبد أو دونه وليس في وسع الغائب عن الكعبة إصابة عينها فإن النجوم تدل على الجهة دون العين فسقط إصابة العين بالإجماع، فكذلك إصابة جهة الكعبة تسقط إلى جهة الكعبة في ظنه وتحريه إذا تغيمت السماء) وفقدت
[ ١ / ١٨٧ ]
الدلائل، لأنه ليس في وسعه إصابة الجهة حقيقة، وبقى الأمر بالصلاة إلى جهة هي جهة الكعبة وقد فعل وأدى الصلاة إلى ما كلف وفعلها على الشرط الذي أمر فلا يجب عليه إعادتها بحال.
وربما يعبرون عن هذه فيقولون: إن الغائب عن الكعبة لا يعرفها إلا بالدليل وقد خفيت الدلائل ولم يبق إلا فراسة القلب وشهادته فإذا صلى على ذلك وتوجه إلى جهة شهد قلبه أن الكعبة في تلك الجهة فقد أتى ما أمر.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه غير مأمور بالصلاة إلى الكعبة حقيقة أنه لو تحرى ومال رأيه إلى جهة ثم ترك الجهة وصلى إلى جهة أخرى وتبين أنه أصاب الكعبة لا تجوز صلاته لأنه خالف القبلة، ولو كانت قبلته الكعبة لجازت صلاته، كما نقول لو تحرى في الثوب، أو الماء في موضع الجواز عندنا وترك تحريه وصلى في الثوب الآخر أو توضأ بالماء الآخر ثم تبين أنه قد أصاب من الثوب الطاهر أو الطاهر من الماء فإنه تجوز صلاته. ثم قالوا: مسألة الثوب والماء، الدليل الموصل إلى نجاسة الثوب والماء قائم في حال الاستعمال، لأنه إما أن يعلم بخبر مخبر أو أثر يراه أو كان في وسعه تحصيل ذلك العلم بالطريق الذي ثبت له العلم بعد ذلك ومتى حصله يبقى معه، فإنه متى علم بنجاسة الثوب ونجاسة الماء يبقى معه ذلك العلم فلما لم يحصل ذلك كان لتقصير وتفريط من جهته فلم يكن معذورًا إلا أنه لا يأثم لأنه لا يلحقه الحرج في تحصيله وإن كان في وسعه، فمن حيث إنه يلحقه الحرج في تحصيله لا يأثم وتحريه الصلاة إذا بقى الاشتباه، ومن حيث إنه يمكنه تحصيله لم يسقط الخطاب باستعمال ماء طاهر والصلاة في ثوب طاهر.
وأما في مسألتنا فأكثر ما في الباب أن يتعلم علم النجوم ويعرف الدلائل إلا أن هذه الدلائل لا تبقى معه حال الاشتباه، فلم يبق دليل سوى
[ ١ / ١٨٨ ]
التحري والتحري لا يوصله إلى جهة الكعبة حقيقة فثبت سقوطها وبقى عليه ما في وسعه.
قالوا: وكذلك إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر النص، لأنه مقصر في طلب النص، لأنه لو طلبه على وجهه لأصابه فلم يكن معذورًا.
فإن قلتم: هو مقصر هاهنا أيضًا، لأنه كان في وسعه أن لا يسافر.
نقول: السفر مباح له، وربما يجب في مواضع فلا يعد مقصرًا بالسفر وليس كما لو تبين أنه صلى قبل دخول الوقت، لأنها مل تجب عليه بعد، لأنها تجب بدخول الوقت وأداء الواجب قبل الوجوب لا يتصور. وأما هاهنا فالصلاة واجبة، وإنما الكلام في شرط الأداء وهو أصابه، وقد أصاب ما كلف على ما سبق.
قالوا: وأما أصل الطلب إنما يوجب، لأن الطلب مطمع للوصول وإن كان غير موصل حقيقة فوجب لهذا يبينه أنه لما وجب الطلب لرجاء أن يصب قام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة في حق جواز الصلاة وسقط عنه إصابة الكعبة حقيقة العجز.
وهذا كالغازي افترض عليه الرمي إلى الكافر لرجاء إصابة الكافر وإذا رمى ولم يصب نال من الثواب ما لو أصاب، لأن الإصابة متعذرة عليه فقام رجاء الإصابة مقام حقيقة الإصابة. ويلزمون على قولنا أنه ظهر بعد ذلك. كما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، فإنه لا يلزمه إعادة شيء منها، وإن تيقن الخطأ في ثلاث صلوات منها، ويلزمون أيضًا إذا تيامن أو تياسر ثم ظهر ذلك فإنه لا يلزمه الإعادة كذلك إذا استدبر.
[ ١ / ١٨٩ ]
الجواب:
قد دللنا أنه مأمور/ بالتوجه إلى الكعبة عند الاشتباه، ودللنا عليه بدلائل معتمدة، ووجوب الطلب دليل قوي أيضًا، لأن الواجب بالتحري طلب الكعبة ووجوب طلبها دليل بقاء الأمر بالتوجه إليها.
فأما تعلقهم بالآية فهي نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت به راحلته هكذا رواه ابن عمر.
وخبرهم رواه أبو الربيع السمان وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهم متروكون ضعفاء.
[ ١ / ١٩٠ ]
وقد روى الدارقطني هذا الخبر برواية جابر بن عبد الله بأسانيد حسنة.
وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أن خبر ابن عمر في الباب أحسن وأقوى في الإسناد من خبر عامر بن ربيعة وجابر فيكون الأخذ به أولى.
وأما الذي قالوا: إن «الواجب استقبال الله تعالى».
قلنا: هذا شيء مخترع مردود على قائله. وإذا زعموا أنه لا جهة له كيف يتصور استقباله، وإنما الواجب هـ التوجه إلى الكعبة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإنما وقع لهم هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقد بينا أنه ورد لا في موضع الخلاف، وعلى أن المراد من قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ رضا الله أو عبارة عن القبول، وبه نقول في الموضع الذي حملنا عليه الآية.
وأما المعنى الذي تعلقوا به فهو مبني على حرف واحد وهو أنه لا يجوز أن يكلف الإنسان ما ليس في وسعه، وليس في وسعه إصابة الكعبة حقيقة فسقط الأمر بالتوجه إليها.
قلنا: نحن لا نكلفه ما ليس في وسعه فإنا وإن بقينا الأمر الأول عليه، فإنما نكلفه بذلك الأمر بما يطيقه وما هو في وسعه، فإنا نقول: عليك طلب الكعبة لتصور الوصول ثم وإن وصلت بهذا الطلب فقد حصل المقصود، وإن
[ ١ / ١٩١ ]
لم تصل وظهر لك يقين الخطأ فعليك أن تعيد الصلاة إلى جهة الكعبة فيبقى واجب الأمر الأول عليه على هذا الوجه وهو في وسعه قطعًا، ونظيره المسائل التي أوردناها، ونختار منها: مسألة اجتهاد الحاكم، فإنها نظير هذه المسألة من غير ارتياب فإن عليه طلب النص ولم يسقط بخفائه، ولكنه وجب عليه الحكم باجتهاده، مع اعتقاد أنه إذا وجد النص بخلافه نقض الحكم وحكم بما يوافقه، ولم يصير وجوب الحكم بالنص عليه حال الاشتباه تكليفًا إياه ما ليس في وسعه كذلك هاهنا.
وعذرهم عن هذه المسألة ومسألة الثوب والماء أنه مقصر، ليس بشيء. لأن المسألة مصورة فيما إذا لم يقصر وطلب بغاية الجهد ولم يجد ولهذا لم يأثم. وقولهم: «إنما لم يأثم للحرج».
قلنا: فأسقطوا عنه أصل الأمر للحرج، وكذلك مسألة الصلاة قبل الوقت لازمة أيضًا، وقولهم: «إنه صلى هناك قبل الوجوب».
قلنا: وهاهنا بلا شرط الجواز وقد عدت هذه المسألة من المشكلات. وقد اتضح بما بيناه غاية الوضوح ولم يبق إشكال أصلًا.
وأما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات فقد منع، وعلى أن الصلاة التي أخطأ فيها القبلة غير متعينة له فلم يجب عليه الإعادة مثل ما لو قضى في حادثة بأحكام وعلم أن فيها نصًا يوافق بعضها ويخالف البقية، ولا يدري أيها يوافق فإنه لا ينقض شيئًا من الأحكام.
وأما مسألة ظهور التيامن والتياسر، لأن هناك ما ظهر يقين الخطأ، لأن القبلة عين الكعبة ولا يصيبها إلا بالاجتهاد، وقد فعل ما فعل بالاجتهاد بالاجتهاد فلو أمرنا بالإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وفي مسألتنا تبين يقين الخطأ حتى نقول: لو تبين نفس الخطأ في تلك المسألة نقول يجب عليه الإعادة. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٩٢ ]