وأما القوم فقد مضت صلاتهم على الصحة ولا إعادة عليهم عندنا.
وعندهم: عليهم الإعادة.
لنا:
حديث ابن أبي عروية عن قتادة عن أنس قال: «دخل رسول الله - ﷺ - في صلاته كبر وكبرنا معه ثم أشار إلى القوم: كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتى نبي الله ﵇ قد اغتسل ورأسه يقطر ماء».
[ ١ / ٢٧٧ ]
وروى ثوبان عن أبي هريرة قريبًا من هذا وفيه: «ثم خرج ورأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما انصرف قال: «إني كنت جنبًا فنسيت أن أغتسل».
وروى جويبر عن الضحاك عن البراء بن عازب قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - وليس هو على وضوء فتمت للقوم وأعاد النبي ﵇».
وأما الذي يروون أن النبي ﵇ صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأعادوا».
[ ١ / ٢٧٨ ]
فرواه أبو جابر البياضي عن سعيد بن المسيب أن النبي ﵇ صلى بالناس، وأبو جابر البياضي متروك ثم هو مرسل.
قالوا: «روى عن علي ﵁ أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ثم أمرهم فأعادوا».
قلنا: رواه عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي.
وعمرو بن خالد أبو خالد الواسطي متروك الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب وقد روى ابن المنكدر عن الشريد الثقفي أن
[ ١ / ٢٧٩ ]
عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد، ولم يأمره أن يعيدوا. وكذلك روى الحرث بن أبي ضرار عن عثمان مثل هذا، وعن ابن عمر مثل ذلك.
ومن حيث المعنى نقول: إن كل واحد من القوم مصلى لنفسه مؤدى فرضه مثل ما لو كان منفردًا وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد.
لأن الأصل أن الاثنين إذا اجتمعا على أداء فريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر بل إن جاز فعل كل واحد منهما بجواز فعله وإن فسد ففساده بفعله، لأن الفرض عليه على الإنفراد، ولا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره.
وأما الاقتداء فهو مجرد قصد إتباع في الفعل لتجتمع الجماعة على أداء هذا الفرض فيكون أقرب إلى الخشوع والخضوع، وأبعد من السهو والغفلة وأدنى من المغفرة والرحمة.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: نهاية ما في هذا الباب أنه يظهر أنه قصد إتباع من ليس في الصلاة في أفعال الصلاة ومجرد القصد غير عامل في إفساد الصلاة، كما لو قصد الكلام ولم يتكلم أو قصد فعلًا آخر ولم يفعله، فنجعل إقتداؤه به كلًا إقتداء ويبقى فرضه مؤدى بأفعاله المفروضة، وأركانها المعهودة، لكن يصير كأنه أدى لا في جماعة لكن على الإنفراد.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وقد قال الأصحاب في هذه المسألة إنه لا يمكن الوقوف على طهارة الإمام ألا بعرضه للإمامة، فإن نهاية ما في الباب أن يتوضأ بمشهد لكن مع هذا يجوز أنه غير متطهر حتى افتتح الصلاة بأن أحدث وأخفاه وإذا تعذر الوقوف على طهارة الإمام إلا بهذا الوجه سقط ما وراءه.
وقال بعضهم: إن خبره عن جنابته وحدثه غير مقبول، لأنه يحتمل الصدق والكذب ولأنه مهتم في خبره فيجوز أنه قصد به إفساد صلاة القوم.
وكلا المعنيين/ فاسد، لأن في كلا الطريقتين أن صحة صلاة القوم مبنية على صحة صلاة الإمام، وإنما لم نأمر القوم بإعادة الصلاة في مسألتنا، لأنا بينا أن الإمام صلى على طهارة، والمؤتم قد اعتمد في معرفة طهارته بغاية ما يمكن الاعتماد عليه وسقط عنه ما وراء ذلك.
وفي الطريق الثاني: أنه لم يصدقه إن كان جنبًا أو على وضوء. وحملنا الأمر على أنه قد صلى بالطهارة.
وينبغي على مذهب الشافعي أن يسلك طريقة يدل على أن الإمام وإن لم تصح صلاته يكون جنبًا أو محدثًا فإن صلاة القوم صحيحة، وأن هذا هو مذهبه وأصله وليس يمكن ذلك إلا بالوجه الذي قلنا، فافهم هذا فإنه خفي على كبار الأصحاب. وأما المخالفون قد زعموا أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفسادًا، وهذا يأتي في المسألة الثانية، وسنبين الكلام عليه. وقد قاسوا على ما إذا ظهر أن الإمام كان كافرًا أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنه يجب على المأمومين أن يعيدوا الصلاة ونقضوا قولنا أن كل إنسان من القوم مصلى لنفسه بهذه المسائل، وقد قالوا لو كان الأمر على ما قلتم لم تبطل المؤتمين في هذه المسائل.
[ ١ / ٢٨١ ]
الجواب:
أما إذا ظهر أن الإمام كان كافرًا أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاتهم لتفريطهم وتقصيرهم، فإن الغالب أنه يكون للكافر علامة على الكفر، وللمرأة هيئة على أنوثتها فيعرفان بذلك حقيقة، فإذا لم يتعرف وصلى كان لتقصير وجد من قبله حتى قالوا فيمن يعتقد الاستمرار بكفره فظهر ذلك من بعد: لا يبطل صلاة القوم.
فإن قلتم: قد يوجد الكافر ولا علامة له، وكذلك المرأة ولا علاقة لها فهذا نادر ولا يعتبر النادر.
وأما إذا علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاته لبطلان نيته للصلاة، فإنه إذا علم أن الإمام لاعب فإتباع اللاعب لعب حقيقة، فبطلت نيته للصلاة بهذا الوجه وفي مسألتنا قد ظن أن الإمام مصلى حقيقة فلم تبطل نيته، وهو مصلى لنفسه كما بينا، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٢٨٢ ]