وعندهم: يتيمم، ولا يلزمه استعماله وهو القول الثاني واختيار المزني.
لنا:
إنه مأمور بتحصيل الطهارة في الأعضاء الأربعة، وقد قدر على تحصيل بعضها فتجب عليه، كما لو كان عليه نجاسة في أعضائه فوجد من الماء ما يغسل به بعض النجاسة لزمه بقدره، وكذلك لو كانت عورته مكشوفة فوجد من الساتر ما يستر به بعض العورة.
ومن غير هذا الباب إذا وجد المضطر من الطعام بعض ما يسد به/ رمقه لزمه تناوله ثم يعدل إلى الميتة، وهذا لأن من لزمه فعل شيء فإذا قدر على البعض وعجز عن البعض يلزمه بقدر المقدور عليه وسقط بقدر المعجوز عنه.
[ ١ / ١٥٢ ]
والحرف أن عمل العلة لا يتعدى من محل العلة إلى غير محل العلة فكذلك عمل العجز لا يتعدى عن محله إلى غير محله، وهذا ظاهر. وإنما الشأن في إثبات قولنا أنه قدر على تحصيل بعض الطهارة، وإنما قلنا ذلك، لأن الطهارة عن الحدث بغسل الأعضاء الأربعة فكلما غسل عضوًا زال الحدث عنه وحكم بطهارته، وهذا لأن الغسل المعقول أمر حسي وله عمل شرعي من زوال الحدث فإذا وجد الفعل الحسي يتبعه الحكم الشرعي ولم يتخلف عنه مثل ما لو كان التابع حسيًا أيضًا، فإنه يتبع ولا يتخلف عنه، وذلك في مسألة إزالة النجاسة وستر العورة التي قدمناها فثبت ما ادعيناه من قدرته على تحصيل الطهارة في بعض الأعضاء فإذا ثبت القدرة ثبت الأمر فوجب ألا يعدل إلى التيمم إلا بعد العجز.
وأما حجتهم:
قالوا: «عدم الطهور في طهارة الصلاة فوجب أن يعدل إلى التيمم. دليله إذا لم يكن عنده شيء من الماء وإنما قلنا ذلك لأن طهارة الصلاة طهارة حكمية.
ومعنى قولنا: «حكمية» هو أنها لا تعرف إلا بالحكم وهو تحليل الصلاة، فإذا لم تكن محللة للصلاة لا تكون طهارة وغسل بعض الأعضاء لا تكون محللة للصلاة فلا يكون طهارة، فثبت أنه عدم الطهور لطهارة الصلاة يبينه أن غسل الأعضاء الأربعة علة واحدة لإفادة الصلاة، وبعض العلة لا عمل له بدليل علة الربا». دليله إذا وجد بعض الرقبة يلزمه فعل الصوم ولا يجب عليه إعتاق هذا البعض والمسألة مشكلة.
[ ١ / ١٥٣ ]
قالوا: ولا يلزم مسألة إزالة النجاسة وستر العورة، لأنه أمر حسي فلابد من وجود ما باشره حسًا بقدرة من زوال النجاسة وستر العورة لأنه أمر حسي وفي مسألتنا حصول الطهارة حكم فلابد من وجود تمام العلة ليحصل الحكم المبني عليه.
قالوا: والدليل على أنه لم يحصل شيء من الطهارة أنه لا يفيد حكمًا ما، وكيف يتصور وجوب طهارة حكمية خالية من كل حكم؟
قالوا: ولا يلزم إذا كان عنده سؤر الحمار حيث يلزمه التوضئ به عندنا، لأنه لم يعدم الطهور بيقين لأنه يجوز أنه طهور وفي مسألتنا عدم الطهور بيقين.
الجواب:
إنه قولهم: «عدم الطهور» في طهارة الصلاة ممنوع على الإطلاق بل نقول: وجد الطهور في بعض الطهارة على ما سبق بيانه.
وقولهم: «إن هذه الطهارة حكمية».
قلنا: حكم مبني على فعل محسوس وهو غسل الأعضاء.
وقولهم: «محللة للصلاة».
قلنا: نعم، ولكن عند تمامها وكمالها، فأما قبل التمام والكمال فيوجد بقدر ما حصله ولا يفيد حل الصلاة ألا بعد تمامها وكمالها مثل ما لو شهد شاهد عند الحاكم فهو شهادة لكن لا يفيد حكمًا إلا بعد تمامها وكمالها فإن أمكنه أن يتمها بالماء فعل وإلا فعدل إلى التيمم فيها ونزل إتمام الطهارة منزلة أصل الطهارة في الماء والتراب عند وجوده وعدمه.
[ ١ / ١٥٤ ]
وأما مسألة الرقبة فقد فرق بعض أصحابنا بصورة النص فإن الله تعالى قال في شأن الكفار: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ يعني رقبة، وبعض الرقبة لا يكون رقة.
وأما في مسألتنا فالنص قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ والموجود ماء.
قالوا: المراد منه الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة، لأن هذا اللفظ مسنون على ما سبق والمراد من السابق هذا.
قلنا: المراد من أول الخطاب الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة عند القدرة عليها وما يغسل به البعض أيضًا إذا لم يقدر إلا على ذلك لما بينا أن الأمر إذا تناول مجموع أشياء ما يقدر عليه من ذلك يلزمه الإتيان به والعجز عن الباقي لا يسقطه، وأيضًا فإن العتق عن الكفارة محض حكم. لأنه تكفير فلا يحصل شيء منه إلا بظهور حكمه.
وأما الوضوء حكم مبني على فعل محسوس فبقدر ما يوجد من الفعل المحسوس يبتنى عليه المحكوم كما نقول في إزالة النجاسة وستر العورة.
ولهذا لو أعتق نصفي رقبة لا يجوز، ولو غسل/ هاهنا بعض الأعضاء وأعوز الماء الباقي ثم وجده من بعد بنى على ما فعله مثل قبل ولا يستأنف الوضوء ويمكن أن يقال في الجواب عن أصل الطريقة: أن الطهارة معنى يحتاط فيها شرعًا فإذا قدر منها على بعض ما لو تم يفيد الحكم الشرعي من الطهارة المحلة للصلاة ويلحق بالكل في تناول الأمر إياه في لزوم الفعل ليظهر الاحتياط المشروع فيها فعلًا.
[ ١ / ١٥٥ ]
ونظيره القدح الواحد الذي لا يسكر من الخمر ملحق بالعدد منه احتياطًا للتحريم المشروع فيه، لأنه في الشرع مبني على الاحتياط وعلى هذا خرج فصل الرقبة، لأن التكفير لم يبن على الاحتياط في تحصيله ليلحق البعض منه عند القدرة عليه بكله في لزوم فعله هذا غاية الإمكان في الجواب عن فصل الرقبة. ولم نستعن في هذه المسألة بما أورده الأصحاب من المجروح في بعض أعضائه لأن مذهبهم في ذلك أن الواجب هو التيمم إذا كان الجرح بأكثر أعضائه، والواجب هو التطهير بالماء إذا كان الجرح بأقل أعضائه، ولا يثبتون الجمع بين التيمم والوضوء بحال.
وأما قولهم: «إن ما قلتم يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل».
قلنا: لا، لأنا نثبت التيمم في محل الغسل ولا نثبت الغسل في محل التيمم فلا جمع، وإذا لم يحد المحل لم يقع المنع، كما توضأ وسبقه الحدث في خلال الصلاة فلم يجد الماء يتيمم عندهم، وقد جمع بين الأصل والمبدل ولكن لا في محل واحد فلم يمنع منه كذلك هاهنا. والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١ / ١٥٦ ]