وعندهم: يكفيه كفارة واحدة.
لنا:
أن ندل أولًا على وجوب الكفارة بالوطء في اليوم الثاني فإنهم ربما يمنعون ذلك فنقول:
سبب الوجوب تكرر فتكرر الوجوب، مثل القتل إذا تكرر فيتكرر وجوب الكفارة، وكذلك الظهار واليمين.
والدليل على تكرر السبب أن سبب الوجوب، هو الجناية على صوم رمضان بالوطء، وقد وجود هذا في اليوم الثاني مثل ما وجد في اليوم الأول.
يبنيه: أنه لو لم يطأ في اليوم الثاني وأتم صومه كان صومه على
[ ٢ / ١٦٩ ]
الكمال والتمام مثل الأول لو لم يفسده، كذلك إذا أفسده بالوطء تكون الجناية عليه مثل الجناية على الصوم في اليوم الأول.
والحرف: أن الجناية الموجودة في صوم اليوم لا تؤثر في صوم الغد بحال، ومن المحال اعتقاد تأثير الوطء الذي يوجد في الغد وبعد الغد.
وقد ادعى بعضهم أن الجناية تقاصرت في الوطء الثاني، لأن حرمة الشهر صارت مهتوكة بالوطء الأول فصادف الوطء الثاني حرمة الصوم دون حرمة الشهر فلم توجب الكفارة عليه.
دليله: إذا وطئ في القضاء، وهذا لأن الجناية المحسوسة على المحل توجب النقصان حسًا والجناية الحكمية توجب النقصان حكمًا.
قالوا: وهذا لأن الشهر له حرمة واحدة، لأن الشهر واحد، وإن تخللت الليالي التي لا تقبل الصوم أصلًا، وتخلل الليالي لا يوجب تعدد الحرمة، بدليل شهري التتابع فإن لهما جميعًا حرمة/ واحدة وإن تخللت الليالي لا تقبل الصوم فيما بين ذلك.
الجواب:
إن القول بانتهاك حرمة الشهر على معنى فواتها، قول مستبعد جدا ً، نعم، يجوز أن يقال إنه لم يراع حرمتها ولم يحفظها، فأما اعتقاد فوات الحرمة فمحال.
يبينه: أنه ليس معنى حرمة الشهر سوى أن الله تعالى خص هذا الشهر بواجب من أركان الإسلام وشرع فيه وجوهًا من المشروعات تشعر بخطرها وحرمتها واختصاصه من ذلك بما لا يوجد في سائر الشهور، وهذا المعنى لا يفوت بوطئه في يوم من أيامه، لأن الأمر بالصوم واختصاصه بما عرف
[ ٢ / ١٧٠ ]
من السنن المشروعة وتكثير الثواب لما يأتي من العبادة فيها وأمثال ذلك كلها باقية عليه في الشهر، فكيف يقال إنه ذهبت حرمتها في حقه وصار بمنزلة سائر الأيام التي هي خارج رمضان؟ وأيضًا فإن الكفارة واجب الجناية على الصوم لا واجب الجناية على الشهر، لأن عندنا الكفارة واجب وطء مفطر، وعندكم الواجب واجب الفطر على جهة مخصوصة، والفطر إنما يوجد بجناية على الصوم لا بجناية على الشهر إلا أنه يعتبر أن يكون الصوم في هذا الشهر ليلاقي زمان أدائه.
وقد قيل أيضًا: إن لكل يوم من رمضان حرمة على انفرادها فيما يرجع إلى الصوم والشهر جميعًا.
والدليل عليه: أنه لو لم يصم يومًا من رمضان أصلًا وجامع فيه أو جامع فيما دون الفرج وهو صائم، أو أكل حصاة أو نواة ثم صام من الغد وجامع فيه وجبت الكفارة وإن كان قد هتك حرمة الشهر بالفعل الأول فحين وجبت دل أنه إنما وجبت، لأن الحرمة لم تصر مهتوكة أو لأن لكل يوم حرمة على حدة فيما يرجع إلى الصوم والشهر جميعًا وهذا لا سؤال لهم عليه، فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليوم الثاني حسب وجوبها في اليوم الأول وجب أداؤهما، لأن الوجوب يراد للأداء فإذا وجب وجب الأداء.
وأما حجتهم:
المعتمد، قالوا: نسلم الوجوب في اليوم الثاني مثل ما وجب في اليوم الأول لكن نقول: يتداخلان، ويكتفي بواجب واحد أداء مثل ما لو زنى ثم زنى فإنه يكتفي بحد واحد، لأن كل واحد منهما عقوبة تندرئ بالشبهات، ودليل أنها عقوبة تعلقها بالجناية، ودليل سقوطها بالشبهة ما ذكرنا في المسألة الأولى، وهذا لأن الواجب لما كان على جهة الزجر وهو محمول في الشرع على نوع من السقوط لا يوجد في غيره فالواجب الواحد زاجر كامل
[ ٢ / ١٧١ ]
وإن تعدد السبب مثل الحد في الزنا سواء، أو يقال: إذا وجد أداء هذا الواجب بعد وجود أسباب له فجعل في حق كل سبب كأن الأداء حصل لذلك السبب وحده، مثل الحد سواء فإنه يقام بعد زنيات منه ويجعل في كل زنا كأن الحد أقيم له وحده.
قالوا: وأما إذا كفر عن الأول ثم وطء ثانيًا وجبت الكفارة، كما لو زنى فحد ثم زنى ثانيًا، ولأن التكفير لما اتصل بالأول صار الأول كالعدم فصار الثاني بمنزلة الأول حين وجد.
قالوا: وأما إذا وطئ في رمضانين يجب كفارة واحدة مثل ما لو زنا في سنتين يكتفي بحد واحد.
الجواب:
أما قولهم: «عقوبة».
قلنا: إن ادعوا (أنها عقوبة محضة) فلا يصح، لأنها تتأدى بمحض العبادة وهو الصوم فلا يكون عقوبة محضة، وإن ادعوا أن فيها معنى العقوبة، فمسلم، لكن لما قالوا: يلحق بالعقوبة المحضة وهو الحد؟.
وقولهم: «إنه يسقط بالشبهات».
إن عنوا بكل شبهة، فليس كذلك، لأن أعظم الشبهات الملك، ولا يسقط به حتى لو وطئ زوجته أو أمته وجبت الكفارة عليه.
واعتذر بعضهم وقال: المسقط هو الشبهة في محل الجناية ولم يوجد، لأن محل الجناية هو الصوم ولا شبهة فيه، وإنما وجدت الشبهة في آلة الجناية، لأن منافع البضع آلة الجناية، وكذلك المطعوم والمشروب، فنظيره
[ ٢ / ١٧٢ ]
أن لو قتل إنسان بسيف مملوك له فلا يكون ذلك شبهة، وأيضًا فإن الصوم إنما يحرم في الوطء في الملك، وإذا كان تأثيره في التحريم في الملك، فكيف يصير الملك شبهة؟
وكلا العذرين ليس بشيء، لأنا ندعي وجود شبهة الإباحة، والملك مبيح لقيام الملك لابد أن يوجب شبهة، مثل ما لو وطئ أمته المجوسية أو كانت أخته من الرضاع لا يجب الحد لقيام الملك، وبطل العذر الثاني أيضًا بهذه المسألة، لأن التمجس والرضاع إنما يوجبان التحريم في الملك أيضًا، ومع ذلك صار الملك شبهة، وملك السيف لا يبيح القتل به بحال حتى يصير شبهة. وأما الذي ادعوا من سقوط الكفارة بالغلظ، فلأن في الكفارة معنى العقوبة في الجملة، فأما إسقاطها بكل شبهة وإلحاقها بالعقوبة المحضة فلا يصح ذلك بحال.
وإذا ثبت هذا فنقول:
غاية كلامهم إلحاق الكفارة بالحد، والتداخل في الحد على خلاف/ القياس لأن الأصل أن كل شيئين اجتمع وجوبهم اجتمع وجوب أدائهما، فإن عدل عن هذا الأصل في موضع بدليل لا يلحق به ما ليس في معناه.
يبينه: أن الكفارة واجب مالي وليس في الواجبات المالية تداخل في موضع ما.
وأما الحد إيلام وإيجاع يجوز أن يكتفي بالواحد احترازًا من الإهلاك لأنها إذا اجتمعت أهلكت، وهذا لا يوجد في الحقوق المالية فاعتبر فيها ما هو الأصل، والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٧٣ ]