وعندهم: يمنع.
لنا:
إن الزكاة حق مالي لا يمنع الدين من وجوبه.
دليله: سائر الحقوق، وكالعشر إن أسلموا.
[ ٢ / ٦٧ ]
وفقه المسألة:
أن سبب وجوب الزكاة مال بصفة لمالك مخصوص وقد وجد بعد وجود الدين حسب وجوده قبل وجود الدين، ونعني بالمال بصفة هو النصاب النامي، إما بالسوم أو بالتجارة، ونعني بالمالك المخصوص هو الحر المسلم وهذا قبل وجوب الدين وبعد وجوبه واحد لا يختلف، وهذا لأن الدين وجب في الذمة ولا اتصال له بالمال إلا عند قضائه وأدائه فقبل أن يتصل به فعل القضاء يكون المال وصفة الملك فيه على ما كان من قبل وهو كالشقص المشفوع، فإن الملك فيه للمشتري قبل اتصال أخذ الشفيع به على ما كن من قبل للبائع، وكذلك في القصاص فإن عصمة دم من عليه القصاص اتصال الاستيفاء به يكون على ما كان من قبل وجوب القود.
يبينه: أن الوجوب في الذمة ولا تضايق ولا تمانع الذمة فيجوز أن يجب فيها الحقوق الكثيرة وتجتمع فيها من غير تزاحم وتضايق، فإذا جاز أن تجتمع الديون للناس والزكوات لله تعالى، كذلك حقوق الله تعالى من الكفارات وغيرها والديون، جاز أن تجتمع أيضًا الزكوات والديون، لأنه لا تزاحم في المحل ولا تنافي في الأهلية فاستوى الكل في الوجوب.
وأما حجتهم:
قالوا: «المديون فقير فلا تجب عليه الزكاة كسائر الفقراء».
والدليل على أنه فقير أنه يحل له الصدقة مع تمكنه من ماله وحل الصدقة دليل الفقر بدليل قوله ﵇: «لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى ولا مكتسب».
[ ٢ / ٦٨ ]
ولقول معاذ حين صار إلى اليمن: «أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم وأردها في فقرائكم».
ولأن علة استحقاق الصدقة هو الفقر بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾، هذا هو أصل العلة، وسائر الأسباب المذكورة لبيان جهات الفقر أو أسباب الحاجة.
فثبت أن حل الصدقة دليل الفقر.
يبينه: أن ماله بمنزلة المعدوم لاستحقاقه بالدين، ألا ترى أنه يحبس ويطالب لاستحقاق الغرماء لذلك، وعندكم يباع ماله ويقضي منه دينه ويحكم بإفلاسه وإذا مات يموت بمنزلة الفقراء/ المعدومين لا تقسم ورثته درهمًا ولا دونه، فدل أنه فقير حقيقة وحكمًا، والفقير لا زكاة عليه، لأنه لا يليق بحكمة الشرع أن يلزمه إغناء الغير بإحواج نفسه، ولأن نفسه أهم إليه من غيره فإذا كان هو نفسه تصرف إليه الزكاة فكيف تجب عليه الزكاة؟ وترك ما في يده عليه أولى من أخذه ورد مال غيره إليه.
وربما يقولون بوجه آخر:
وهو أن مال المديون مشغول بحاجته فلا تجب عليه فيه الزكاة.
دليله: عبيد الخدمة وثياب المهنة، ونعني بالحاجة حاجة قضاء الدين بل
[ ٢ / ٦٩ ]
حاجة قضاء الدين أهم من حاجة اللبس والركوب، لأن تلك الحاجة يجوز التجاوز عنها وتزحية الوقت بما يدفعه، وهذه الحاجة لا يجوز التجاوز عنها بحال بل يجب تقديمها ويحرم التغاضي عنها، فإن قلتم: «إن إعداد ماله للسوم والتجارة دليل عدم الحاجة».
فنقول: اشتغال ذمته بالدين دليل الحاجة فتعارض ظاهران، والأصل عدم الوجوب فلم يجب.
قالوا: ولا يلزم على الطريق الأول مسألة ابن السبيل والعامل حيث يحل لهما الصدقة وتجب عليهما الزكاة.
أما ابن السبيل فهو فقير يدًا غنى ملكًا فصار كشخصين غنى وفقير فتجب عليه الزكاة لغناء بملكه، وتحل له الصدقة لفقره بيده، أما ههنا فملكه في يده فإذا كان غنيًا فلا يتصور أن يكون فقيرًا، لأن الغنى والفقر وصفان متضادان لا يجتمعان بحال، لأن أحدهما وصف وجودي والآخر وصف عدمي، فكما لا يجتمع العدم والوجود في شيء واحد لا يجتمع الفقر والغنى أيضًا، اللهم إلا أن يتفرق الوجود والعدم في مجلس، كما كان في ابن السبيل.
يبينه: أن عندكم في مسألتنا تحل له الصدقة في حال وجوب إعطاء الزكاة عليه ولا يتصور هذا في ابن السبيل، لأن حال ما يأخذ لا إعطاء عليه.
وأما العامل فمنع بعضهم فقال: لا يجوز إلا أن يكون فقيرًا، وليس بشيء، والمذهب التسليم، والأول خرق الإجماع.
[ ٢ / ٧٠ ]
وقالوا على التسليم: أن الذي يأخذه العامل أجرة عمل لا صدقة بدليل أنه يستحق بالعمل إلا أنه لما دخل في سهام الصدقات أشبه الصدقة من وجه فلم يحل للهاشمي ونزه عنه، لأن حرمة الصدقة عليه على سبيل التنزيه له عن غسالة أوساخ الناس ومن تمام التنزيه أن ينزه عن ما يشبه الصدقة.
وأما الغني فلم تحرم عليه الصدقة على طريق التنزيه له إنما حرم لعدم الحاجة وبالعمل ظهر نوع حاجة إلا أنه لما شغل نفسه وأعوانه بجمع الصدقات فلابد من جامع لها ولابد من كفاية رزق مثل أرزاق القضاة، والأئمة والمحتسبين والمؤذنين وغيرهم الذين يشغلون أنفسهم بأعمال المصالح فحل له أجرة عمل بعمله ولم ينظر في جريانه في سهام الصدقات وكونه غنيًا في نفسه، لأن حدوث نوع حاجة له بالعمل قد منع النظر إلى غناء وجريانه في سهام الصدقة.
قالوا: وأما إذا كان له خمس من الإبل مهازيل فإذا أوجبنا عليه الزكاة حرمنا عليه الصدقة.
وأما إذا كان عنده من الفاضل عن ثياب المهنة وأقمشة البذلة ما يبلغ قيمته نصابًا لم يحل له الصدقة لغناه، ولم تجب عليه الزكاة لفقد شرط شرعي اعتبر مع الغنا وهو كون النصاب بوصف النما ليندفع الحرج بإيجاب الزكاة ويصير الوجوب بوصف اليسر، فهذه مسائل تمسكتم بصورها وهي خارجة عن المعاني القادمة المؤثرة، وأما القاعدة فهي على حقيقتها في نهاية الوضوح على ما سبق.
[ ٢ / ٧١ ]
وقد تعلق مشايخهم في هذه المسألة بالحج قالوا: لما منع الدين وجوب الحج فيمنع وجوب الزكاة.
يبينه: أن كل واحد متعلق بالملك، فإذا جعل الملك كالعدم في الحج فكذلك في الزكاة.
قالوا: وأما الدين المظنون فلا يمنع وجوب واحد منهما.
وأما نفقة الأهل للذهاب والرجوع فمتحقق وجوبها حال اشتغاله بالحج فكيف يكون مظنونًا؟ وهذا لأن فعل الحج لابد له من مدة ولابد للمدة من نفقة وهذا لا يوجد في الزكاة.
ومنعوا الدين الطارئ في الحكمين.
وأما الدين المؤجل فقد اضطربوا فيه فبعضهم اعتبر نفس وجوب الدين ومنع به الحج والزكاة.
وبعضهم نظر إلى وجود المهلة والفسحة في الحال وسقوط المطالبة.
قالوا: وأما ديون الله تعالى مثل الكفارات وغيرها فلا تمنع الحج ولا الزكاة، والسبب فيه عدم وجود المطالبة في الدنيا، وإنما نهاية أمرها التأثيم في الآخرة فكأنها واجبة في أمر الآخرة لا في أمر الدنيا، ويقال: وجود الحاجة إلى فعلها للآخرة لا للدنيا فلم يصر المال مشغولًا بتلك الحاجة حتى/ يكون اشتغاله بحاجته مانعًا من وجوب زكاته بخلاف مسألتنا على ما سبق.
قالوا: وأما العشر فيمنعه الدين في إحدى الروايتين، وإن سلمنا فهو مؤنة من مؤن الأرض، ويجب على الفقراء والأغنياء جميعًا كالخراج، وقد أدى كثير من مشايخهم في هذه المسألة نقصان الملك بالدين ودليل النقصان كون الدين إذا اتصل به القضاء إيفاء في جانب من عليه واستيفاء في
[ ٢ / ٧٢ ]
جانب من له، ووصف الإيفاء والاستيفاء دليل على سبق الاستحقاق، والمستحق للغير ناقص الملك في حق مالكه في الحال.
ويدل عليه: أن من له الدين إذا قدر عليه، وكان من جنس حقه يأخذ من غير قضاء ولا رضا وإذا أخذه ملكه، فهذا إن كان لا يدل على عدم الملك فلا أقل أن يدل على النقصان.
قالوا: وأما الأخذ بالشفعة فلابد فيه من قضاء أو رضا فيأخذ حكم التمليك المبتدأ. وقال بعضهم: إيجاب الزكاة على المديون يؤدي إلى إيجاب الزكاة بسبب مال واحد مرتين أو مرات، وصوروا صورة فهذا مجموعة كلامهم في المسألة.
الجواب:
أما قولهم: «فقير».
لا نسلم، بل هو غنى، لأن الغنى بالملك، وقد بينا أن ملكه قبل الدين وبعد الدين واحد، لأن الدين لا ينافي صفة الغنا فهو غنى مديون.
وأما حل الصدقة فقد منع إلا في موضع مخصوص على ما عرف، وإن سلم فحل الصدقة لا يمنع الغنى، بدليل ابن السبيل والعامل.
وعذرهم ضعيف عن المسألتين.
أما ابن السبيل فهو غنى قطعًا، لأنه يملك الألوف إلا أنه بعيد عن ماله غير متمكن منه والغنا بالملك لا بالتمكن، والدليل على الغنى وجوب الزكاة عليه.
وقولهم: «إنه غنى ملكًا فقير يدًا».
[ ٢ / ٧٣ ]
قلنا: الغنى بالملك يوجد، فأما اليد ثمرة الملك، ألا ترى أن المكاتب والعبد المأذون لهما يد في المال ولا غنى لهما، والراهن لا يد له وهو غنى بما يفضل عن دينه من الرهن، وذلك إذا كان الرهن يساوي الألوف والدين شيء يسير، وتجب عليه الزكاة في الفاضل عن الدين.
وأما العامل فهو لازم المنع ليس بمذهب وهو مخالفة لنص القرآن والإجماع.
وقولهم: «إنه أجرة العمل».
قلنا: هو يعمل لله تعالى، لأن الحق عندكم متمحض له فوجب أن تجب الأجرة في مال المصالح، وعلى أنه يبطل بالهاشمي فإنه لا يجوز أن يكون عاملًا، ولو كان المأخوذ أجرة العمل يحل له.
وقولهم: «إنه يشبه الصدقة من وجه ويشبه أجرة العمل من وجه».
قلنا: فإن كانت شبهة الحرام يصان الهاشمي عنها فوجب أن يصان الغنى عنها أيضًا.
وقولهم: «إنه حدث له نوع حاجة».
قلنا: عندكم محل الصدقة هو الفقير فقط، وباشتغاله بهذا العمل لا يصير فقيرًا بدليل وجوب الزكاة عليه مثل ما يجب على الغني غير العامل، فالمسألتان في نهاية اللزوم، ولا يتضح لهم العذر عنهما أصلًا.
ثم الجواب فقهًا:
إن وجوب الزكاة بالغنا وحل الصدقة بكونه غارمًا، والغارم تحل له الصدقة بنص القرآن.
فإن قالوا: «لابد من بيان المعنى».
قلنا: لا يلزمنا، ثم حلية الصدقة بحاجة الغارمية.
[ ٢ / ٧٤ ]
قالوا: «فإذا هو فقير».
قلنا: لا، لأن الغنا بملك النصاب النامي والملك بعد الدين كما كان قبل الدين، والغنى في الحالين واحد، والغنى بالملك لا ينافي حاجة تحدث بوصف عارض، لأن الغنى لا ينافي الحاجة غرمًا، كما لا ينافي الملك الغرم، لا ينافي الغنا بالملك وجود الحاجة بالغرم فهو غنى ملكًا محتاج غرمًا فوجب الزكاة عليه لغناه بالملك وحلت له الصدقة بحاجته بالغرم مثل ابن السبيل غنى بملك محتاج لبعده عن ملكه فوجبت الزكاة عليه بملكه وحلت له الصدقة لبعده عن ملكه، وهذا جواب معتمد.
ويمكن أن يقال: إن وجوب الزكاة بالغنا الشرعي، وذلك بملك النصاب النامي، وحرمة الصدقة بالغنا الحقيقي، بدليل أن من ملك فاضلًا عن ثياب مهنة، وأموال بذلته ما بلغ قيمته نصابًا لا يجب عليه الزكاة لعدم الغنا الشرعي، وحرمة الصدقة للغنا الحقيقي، فإن عندنا من ملك خمسة من الإبل المهازيل وهو ذو عيلة وجب عليه الزكاة للغنا الشرعي، وحلت له الصدقة للفقر الحقيقي، فكذلك المديون له الغنا الشرعي فوجبت عليه الزكاة، وليس له الغنا الحقيقي فحلت له الصدقة.
وأما قولهم: «إنه مشغول بحاجته».
قلنا: لا ننكر وجود أصل الحاجة، وما من مال للغنى إلا وهو محتاج إليه.
وأما اشتغال المال بالحاجة ممنوع لما بينا أن الدين في ذمته، ولا حاجة للدين إلى محل سواه، وإنما يتصل بالمال عند الأداء فلا يوصف باشتغاله به قبل الأداء مثل القصاص الواجب في النفس لا توصف النفس باشتغالها بهذا الواجب إلا عند اتصال الاستيفاء به وظهر بما قلنا الفرق بين مال المديون/ وبين الأموال التي يتخذها لبذلته ومهنته، ثم نقول: علامة الفاضل عن حاجته في المال إعداده للتجارة والسوم، وهذا موجود وإن كان مديونًا.
[ ٢ / ٧٥ ]
وقوله: «على هذا أنه يعارض اشتغاله بذمته بالدين».
قلنا: ولكن الرجحان لوصف السوم والتجارة، لأنه وصف لازم المال، وأما الدين بالذمة فلا تعلق بالمال.
يبينه: أنه يوجد فاضل عن الحاجة لا تجب فيه الزكاة مثل ما يملكه من العبد والدواب والحوانيت التي لا يريد بها التجارة ولا حاجة له إليها لبذلته، فكذلك يجوز أن يوجد مشغول بحاجته تجب فيه الزكاة وكان المعنى في الأول وصف النماء وإن كان فاضلًا عن حاجته، وكذلك ههنا المعنى في الوجوب وصف النماء وإن كان مشغولًا بحاجته، وعلى هذا انزاح الإشكال، ووضح الكلام نهاية الوضوح.
وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه:
أن وجوب الحج بالمكنة، ولا يمكن مع الدين حقيقة وحكمًا.
أما الحقيقة المحسوسة فلأنه يطالب ويلازم ويحبس فلا يتمكن من الخروج، وأما الحكم فلأن المسلم هو الدين الحال، وقد ثبت عندنا أن الحج على التراخي والدين على الفور فقدم عليه في حكم الشرع وصار تقدمه عليه مفوتًا للمكنة التي هي من شرط الوجوب.
وأما الزكاة فلا تشترط المكنة، في وجوبها، وأيضًا فإنه على الفور مثل الدين فلم يقدم عليه ولا يمانع ولا يضايق في وجوبها فالدين وجوبه بعقد المعاملة والزكاة وجوبها بنفس الملك وواحد منهما لا أثر له في صاحبه فاجتمع الواجب بهما اجتمع سبباهما والحج لا يجب بنفس الملك ما لم يوجد المكنة، وقد بينا أنها فاتت فسقط وجوبه.
وقد أجاب الأصحاب بوجوه، رأيت كلها ضعيفة.
وهذا الوجوب حسن يمكن تمشيته فاقتصرنا عليه.
[ ٢ / ٧٦ ]
وأما الدين الذي ادعوه من نقصان الملك فليس بشيء، وقد دللنا على كمال ملكه وملك التبرعات وحل الوطء معتمد.
وقولهم: «إن الدين إذا قضي فمن عليه يقضي ما عليه وصاحب الدين يقتضى ماله».
قلنا: نعم، هذا يقضي دينًا عليه، وهذا يقتضي دينًا له، والاقتضاء في الدين كذا يكون.
فأما العين التي هي محل الزكاة، فالتمليك بها يستأنف قطعًا فهو نظير تملك الشقص بالشفعة فلا يمنع الوصف بتمام الملك، ووجوب الزكاة بدليل مسألة الشفعة.
وقوله: «إنه يأخذ حقه من ماله إذا قدر عليه».
قلنا: لا جرم إذا أخذ ملكه فلم يدل هذا على نقصان ملكه قبل الأخذ.
ألا ترى ن الأب يأخذ مال ابنه عند الحاجة ويملكه، ولا يدل على نقصان الملك من قبل، وكلامه الأخير ليس بشيء، وقد سبق جوابه. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٧٧ ]