وعندهم: يطوف طوافين ويسعى سعيين.
لنا:
حديث عبد الله بن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فلا يحل من يحل من واحد حتى يحل منهما».
وقد حملوا هذا على طواف القدوم وعلى طواف الصدر، وليس بشيء، لأن الطواف المطلق في باب الحج ينصرف إلى طواف الإفاضة منه، وأيضًا فإنه ﷺ قرنه بالسعي ولا سعي في طواف الوداع
[ ٢ / ٣١١ ]
وفي طواف القدوم، إنما السعي مقرون بطواف الإفاضة ولئن جاز عقيب طواف القدوم إنما يجوز على سبيل التعجيل والتقديم، ويدل عليه: قوله ﵇ لعائشة: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك»، والخبر صحيح.
وفي حديث عائشة قال: «وأما الذين قرنوا وطافوا لهما طوافًا واحدًا وسعوا سعيًا واحدًا» فهو صحيح أيضًا.
وقال المخالف:
إن عائشة لم تكن قارنة بدليل أن النبي ﵇ قال لها: «ارفضي عمرتك وامتشطي واغتسلي»، ولأن النبي ﵇ دخل عليها وهي تبكي قال لها: مالك؟ قالت: أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر- أخاها- حتى أعمرها في التنعيم.
[ ٢ / ٣١٢ ]
الجواب:
إن الخبر الذي روينا متفق على صحته.
وأما قوله ﵇: «ارفضي عمرتك» يعني أعمال عمرتك.
قال الشافعي: «وامتشطي واغتسلي».
يجوز للمحرم أن يمتشط ويغتسل غير أنها ترفق بشعرها حتى لا تنتفه.
وأما بكاؤها، وقولها: «أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد»؟.
فإنما طلبت فعل كل واحد من النسكين على الإنفراد، وقد أيد ما روينا حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه أهل بالعمرة فلما أتى الجحفة قال: ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أدخلت الحج على العمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا وسعى سعيًا واحدًا، وقال: «هكذا رأيت رسول الله صنع». والخبر صحيح.
[ ٢ / ٣١٣ ]
قالوا: روى علي أن النبي ﵇ قرن فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين.
وفي رواية: «إن عليًا قرن فطاف لهما وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعله».
والجواب:
إن الدارقطني قال: رواه حفص بن أبي داود وهو ضعيف/ وعلى أنا بينا أنه صح أن النبي ﵇ كان مفردًا ولم يكن قارنًا.
وأما الكلام من حيث المعنى:
فهو بناء أنه محرم بإحرام واحد، والدليل على أن الإحرام بالحج عبادة من جنس الإحرام بالعمرة، ويجوز أن يقال أن الإحرام فيهما عبادة واحدة، لأنها من حيث الإحرام واحد فإذا فعل في زمان واحدًا منهما لم يجز أن يفعل منهما أخرى في ذلك الزمان.
دليله: الصوم والصلاة.
[ ٢ / ٣١٤ ]
ودليله: الإحرام بحجتين وعمرتين فإن عندنا لا ينعقد الإحرام إلا بأحدهما.
وعندهم: إن انعقد إنما ينعقدان جميعًا من حيث أنه التزام، فأما من حيث الفعل فلا يتصور اجتماعهما، ولهذا المعنى حكموا بارتفاض أحدهما، ولأن الزمان ظرف العبادة، فإذا اشتغل بعبادة لم يتصور اشتغاله بعبادة أخرى من جنسها مثل المكان المحسوس إذا اشتغل بشيء لم يتصور اشتغاله بشيء آخر، وإذا ثبت أن الإحرام واحد تكون الأعمال واحدة أيضًا.
ويستدل من حيث الحكمة بالتلبية والحلق فإنه يكتفي بالواحد منهما بالإجماع.
وأما حجتهم:
قالوا: أحرم بالحج والعمرة فيطوف طوافين ويسعى سعيين.
دليله: إذا أفرد كل واحد منهما، وهذا لأن القران ليس إلا الجمع بين عبادتين فلا يوجب تغيير عمل العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف، وكالجمع بين الصوم والإحرام.
والحرف أن القران لم يفد إلا الجمع، وأما العبادتان فيما وراء الجمع مثلهما أن لو أتى بكل واحد منهما على الإنفراد.
واستدلوا في أنه محرم بإحرامين أنه نوى الحج والعمرة مقرونة بالتلبية وكل واحد من التلبيتين أوجب أحرامًا، وهذا لأنه وجد سبب الإحرامين بدليل حال الانفراد وإذا وجد سبب الإحرامين يصير محرمًا بإحرامين.
قالوا: وأما التلبية فيه عقد على أداء العبادة فهي وإن كانت عبادة متجددة فالحاصل بهما عقدان مثل من باع من إنسان عبدين بلفظ واحد،
[ ٢ / ٣١٥ ]
وباع من رجلين يلفظ واحد فإنه يكون الحاصل عقدان، ولا فرق بين أن يبيع العبدين بلفظ أو يبيعهما بلفظين في موجب العقد، كذلك ههنا لا فرق بين أن يلبي واحدة أو يلبي تلبيتين في موجبهما من الإحرام، فكما أنه لو أتى بكل واحد منهما على الانفراد يكون الحاصل إحرامان، كذلك إذا أتى بهما جميعًا، كذلك أيضًا قالوا: «وقولكم إن العبادتين من جنس واحد فإذا شغل الوقت بأحدهما لا يتصور اشتغاله بالأخرى».
قالوا: هذا في الأداء مسلم، فأما الإحرام الذي هو عقد على الأداء والتزام على ما سبق من قبل فلا، لأن الذمة واسعة للالتزام سواء أكانت في عقدين مختلفين أو في عقدين من جنس واحد.
وكذلك قولنا: «إنه عقد على الأداء»، معناه أنه التزام للأداء.
قالوا: ولهذا قلنا إن الإحرام بحجتين أو عمرتين ينعقد، وإنما يرتفع أحدهما عند الاشتغال بالأداء، لأن التضايق بينهما في الأداء لا في الالتزام لا في الالتزام والعقد على الأداء.
قالوا: وكذلك الحلق موجب التحلل والواجب بالحلق الواحد تحللان مثل ما قلنا: إن الواجب بالتلبية الواحدة إحرامان.
يبينه: أنه يجوز أن يوجب بيعين بلفظ واحد، وكذا يقبلهما بلفظ واحد، كذلك يجوز أن توجب إحرامين بلفظ واحد وتحللين بفعل واحد.
الجواب:
إن قولهم: «محرم بالحج والعمرة».
قلنا: نعم، ولكن بإحرام واحد، وفي الأصل الذي قاسوا عليه محرم بإحرامين.
وأما قولهم: «إن محرم بنية الحج والعمرة».
[ ٢ / ٣١٦ ]
قلنا: نحن نقول بهذا إنه محرم بالحج والعمرة لأجل النية التي ذكروها، ولأنه يصير مؤديًا للحج والعمرة فلابد من نيتها ليصير مؤديًا لهما غير أن الإحرام واحد لما بينا من الدليل، والذي ذكروه بعد هذا كله بناء على أصلهم في أن الإحرام ليس بأداء الحج بل هو عقد على الأداء والتزام محض على ما ذكروا من قبل.
وأما على مذهبنا فالإحرام أداء العبادة والوقت لا يتسع الواحد لا يسع لأداء عبادتين من جنس واحد لا حكمًا ولا حقيقة بدليل ما سبق. وأما بيع العبدين أو البيع من اثنين فهو من باب المعاملات وهذا جائز في المعاملات، لأنها التزامات.
وأما العبادة أداء فعل والوقت الواحد لا يتسع لفعلين اثنين بدليل الوقوفين والطوافين، وكذلك في الصلاتين والصومين فهذا وجه الكلام في هذه المسألة.
وقد قال الأصحاب:
إن الأعمال تتداخل وقد ورد أن النبي ﵇ قال: «دخلت العمرة في الحج إلى قيام الساعة»، ومعنى الدخول دخول الأفعال عى ما/ عرف من مذهبنا، وهم يقولون إن المعنى دخول الوقت أنها جازت في وقت الحج، وهذا مجاز، والحقيقة ما قدمنا من دخول الأعمال لأن الحج هو الأعمال، وقد دخلت العمرة في الحج وليس ذلك إلا ما ذكرناه والاعتماد من حيث الحقيقة على ما ذكرنا من قبل وهو متن المذهب. والله تعالى أعلم.
* * *
[ ٢ / ٣١٧ ]