قالوا: لا يجوز الإتمام بحال ولو أتم يكون فرضه ركعتان، والباقي نافلة.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
ورفع الحرج عبارة عن الإباحة، والمباح ما تخير الإنسان بين تركه وفعله. فإن قالوا: أليس الله تعالى قال في السعي: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ومع ذلك هو واجب.
[ ١ / ٣٠٦ ]
قلنا: ظاهر قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ يقتضي ما قلنا، إلا أن الدليل قام هاهنا على وجوب السعي، وكونه ركنًا بخلاف مسألتنا.
وقد قيل: إن السبب إن الصفا والمروة كان موضع الصنمين في الجاهلية يقال لإحداهما إساف والآخر نائلة، فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين فأنزل الله هذه الآية.
ومن جهة يبينه حديث لعلي بن أمية أنه قال لعمر ﵁: ما بالنا نقصر وقد أمنا، فقال: تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي ﵇ فقال: «صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته».
فسمى القصر صدقة، والرخصة والصدقة يتقارب معناهما.
وأما الاستدلال من حيث المعنى فظاهر جدًا، وذلك لأن القصر ثابت بنص الكتاب وطلب المعنى واجب إذا أمكن فلا يعرف معنى في إطلاق القصر إلا/ التخفيف فإن السفر حال مشقة والمشقة سبب للتخفيف لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ والتخفيف بإطلاق
[ ١ / ٣٠٧ ]
القصر، وقد حصل كمال التخفيف بإباحته ولا معنى للإيجاب والتحتيم، وهو مثل إباحة الفطر سواء فنقول: تخفيف ربط بالسفر فلا يكون حتمًا، ودليله الفطر.
ومما يستدل الأصحاب بمسألة على أصولهم وهو أنه لو اقتدى مسافر بمقيم يلزمه الإتمام، فلو كان فرضه ركعتان لم يتغير بالاقتداء، وهذا في نهاية الإشكال عليهم، لأن الإقتداء لم يوضع لتغير الفرائض.
يبينه أنه لو كان المقتدى مقيمًا بمسافر لا يعود فرضه إلى ركعتين فكذلك إذا كان الاقتداء من مسافر بمقيم وجب ألا يصير فرضه إلى الأربع فإن الزيادة على الفرض المحدود مثل النقصان فيه، فإذا لم يجز أحدهما لم يجز الآخر، وليس لهم على هذا سؤال سوى أنهم يقولون: اجتمع في هذه الصلاة حكم السفر والإقامة.
وبيان ذلك: أنا بينا أن صلاة المقتدى منوطة بصلاة الإمام وقد جعلت الصلاتان كصلاة واحدة على ما سبق.
وإذا اجتمع فيها حكم السفر وحكم الإقامة غلب حكم الإقامة، وهذا ليس بشيء، لأن الأصل الذي ادعوه قد أجبنا عنه وبينا بطلانه.
ولأنه إذا اختلف الفرضان لا يمكن جعل الصلاتين كصلاة واحدة فينبغي أن يفسد الإقتداء على أصلهم، وأيضًا فإنهم يطالبون بإقامة الدليل على تغلب فرض الإقامة على فرض السفر وعلى هذا ينقطع كلامهم.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث عائشة ﵁ أنها قالت: فرضت الصلاة في الأصل ركعتان ركعتان فأقرت في السفر وزيدت في الحضر».
[ ١ / ٣٠٨ ]
وبحديث ابن عباس قال: «فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة».
وبحديث عمر ﵁ قال: «صلاة الصبح ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ -».
والأخبار نصوص:
وأما المعنى قالوا: ما زاد على الركعتين صلاة يجوز تركها على الإطلاق فلا تكون واجبة كالنوافل، وهذا لأن الواجب ما لا يسع تركه، وإذا جاز ترك الركعتين الأخراوين على الإطلاق دل أنهما ليستا بواجبتين.
قالوا: ونعني بالإطلاق أنه يجوز تركها لا إلى بدل.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وحرفهم أن السفر سبب لسقوط الركعتين بدليل ما بينا من جواز الترك وإذا سقط لم يبق شيء منه وصار كالدين الساقط.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن سقوطهما معلق باختيار العبد، لأن هذا يؤدي إلى تفويض الشرع إلى رأي العباد، وهذا لا يجوز فيقال: إنه إذا رأى يجب كذا وإذا لم ير لم يجب.
يبينه أن الشرائع مصالح وتفويض المصالح إلى رأي العباد غير جائز، لأنه لا يعرفون ما يصلحهم.
قالوا: ولأن المقبول إنما يعتبر في التملكيات، فأما ما كان يوجب الإسقاط فلا معنى لاعتبار القبول فيه بدليل الطلاق والعتاق.
وخرجوا الإفطار في الصوم على هذا الأصل، لأنه ليس بإسقاط بل هو تأجيل وتأخير.
وأما لفظ الصدقة المذكورة في الخبر فهو عبارة عن الإسقاط ويجوز أن يسمى الإسقاط صدقة كما لو قال لمديونه: تصدقت بديني عليك، يكون إسقاطًا.
الجواب:
أما الخبر الأول، قلنا: قد عرف إعداد الركعات على ما نصليها بالإجماع والدلائل القطعية، فإثباتها في الأصل ركعتين ركعتين ثم الزيادة من بعد لابد فيه من نقل تواتر، والخبر واحد كيف ؟ وقد دل الكتاب على تأصيل الأربع فإن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ومعناه من الصلاة المعهودة وهي الأربع، فدلت الآية على
[ ١ / ٣١٠ ]
أنها الأصل، وأيضًا فإن «من» للتبعيض، وقد قال: «من الصلاة» فدل أن المفعول بعض الصلاة، ولأنا إذا قلنا على ما رويتم لا يتحقق معنى القصر، لأن القصر عبارة عن الحط فلا تكون صلاة السفر مقصورة بل تكون صلاة الإقامة مزادة ثم يجوز أن يكون المراد من الخبر إباحة القصر، ويكون قوله: «فأقرت في السفر» إذا اختاره العبد.
وكذلك قوله في الخبر الثاني: «فرض الله تعالى صلاة الحضر أربعًا وصلاة السفر ركعتين» يعني إذا اختاره العبد، وقد قلنا ما قلناه على وجه النقل والتوقي من كلام في الأخبار على الوجه الاعتراض.
والذي يوهم الرد وترك القبول/ واجب، والتأويل المذكور محتمل.
ويؤيده ما ثبت عن عائشة ﵂ «أنها أتمت في السفر».
وهذا يدل على أنه كان المراد ما بيناه.
وأما الحديث الثالث وهو حديث عمر.
قلنا: معنى قوله: «تمام غير قصر» أي تمام في الثواب، وكذلك نقول بل نزعم أن السنة هي القصر في الأسفار، كما أن السنة هي المسح على الخفين بل هذا آكد، لأن النبي ﵇ لم يتم في شيء من أسفاره وكذا أبو بكر وعمر.
وقد روى الأصحاب أخبارًا في إتمام النبي ﵇، ولم نر الاعتماد عليها لضعف أسانيدها.
وأما المعنى، قولهم: «يجوز له ترك ما زاد على الركعتين».
[ ١ / ٣١١ ]
قلنا: نعم، ولكن قبولًا لا رخصة مثل ما يجوز ترك غسل الرجلين بالمسح قبولًا للرخصة، وهذا لا يدل على أنه لو كان أتم لا يكون فاعلًا للواجب مثل مسح الخف سواء فإنه لو تركه وغسل الرجلين يكون فاعلًا للواجب مثل مسح الخف سواء ولم يدل جواز تركه على سقوطه أصلًا.
وأما قولهم: «إن السفر سبب لسقوط الركعتين».
قلنا: لا، بل هو سبب للرخصة، يبينه أن النبي ﵇ سمي القصر صدقة فنجعل العدد الأربع من الركعات كأربعة دراهم وجبت لإنسان على إنسان فتصدق باثنين من ذلك عليه. فإن قبل سقطتا عنه، وإن لم يقبل وجب عليه قضاء الأربع، فكان قضاؤه إياهن على أن جميع ذلك واجب عليه.
وقولهم: «إن ذلك ليس بتمليك».
قلنا: ولكنه صدقة بنص الشارع فكان حكمها ما بينا، ويمكن ينزله على ما ذكرنا فنزل ذلك منزلة مسح الخفين وغسل الرجل.
وقولهم: «إن هذا تفويض الشرع إلى رأي العباد».
قلنا: قد ورد مثل هذا في تفاصيل العبادات والجزئيات منها، وإن لم يرد في الكليات، ألا ترى أن الله تعالى ذكر ثلاث أشياء في كفارة اليمين وجعل تعيينها إلى رأي العبد، وأيضًا فإن من أتى بالركوع بأدنى ما ينطلق عليه الاسم فعل الواجب على أصولهم، ولو أطال كان الكل واجبًا.
وكذلك قالوا في قيام الصلاة: إذا قام بقدر آية أو ثلاثة آيات يكون هو الواجب عندهم، وإذا قام وقرأ الفاتحة يكون جميعه واجبًا، وهذا أيضًا تفويض بقدر الواجب إلى رأي العبد. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٣١٢ ]