وعندهم: يجب إلا في الخمس الفواسق وألحقوا الذئب، وإن لم يرد بها الخبر.
لنا: حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﵇ قال: «خمس من الدواب لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحرم: العقرب، والفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور».
[ ٢ / ٣٥١ ]
(قال ابن عيينة: الكلب العقور: كل سبع يعقر وقد دعا رسول الله - ﷺ - على عتبة بن أبي لهب: اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك، فافترسه الأسد).
وروى ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري هذا الحديث وزاد فيه أن النبي ﵇ قال: «والكلب العقور والسبع العادي».
رواه أبو داود في سننه، وروى هذا الحديث (أبو عيسى) في جامعه، واللفظ: «يقتل المحرم السبع العادي ثم قال: وهو حديث حسن».
والخبر الثاني نص.
والاستدلال بالخبر الأول حسن.
وقول ابن عيينة في نهاية الحسن.
فإن حملوا الحديث على حال الاعتداء فهو باطل، لأنه إذا كان المراد من الحديث هذه الحالة لم يكن لتخصيص الذكر معنى، لأن غير السبع يكون بمثابته وذلك مثل جمل الصائل وحمار الوحش إذا عدى أو أشباه ذلك.
ومن جهة المعنى نقول: سبع مؤذي بطبعه فيجوز للمحرم قتله ولا شيء عليه.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
دليله: الذئب، والقياس في الذئب في غاية القوة، لأن النص لم يأت به في خبر ما، وإنما أبيح قتله لأنه سبع عادي وكذلك في سائر الحيوانات، وهذا لأن هذا الحيوان إذا كان مؤذيًا بطبعه عاديًا بجبلته فيكون قتله في الحقيقة دفعًا لأذاه فصار كما لو قصد المحرم فقتله المحرم فإنه لا يكون عليه شيء، فكذلك ههنا.
ويدل عليه: أن طبيعته باعثة له على الأذى فصار كما لو تحقق منه الأذى، وهذا كالكفار المحاربين يجوز قتلهم لمحاربتهم فلو لم يحاربوا يجوز قتلهم ابتداء، لأن كفرهم حامل إياهم على الحراب والقتال، فصار كما لو تحقق منهم الحراب والقتال.
وأما حجتهم:
تعلقوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذه الحيوانات صيود، لأن كل مستوحش ممتنع صيد، ولأن كل حيوان جاز اصطياده لنوع منفعة فهو صيد، فهذه الحيوانات وإن كانت لحومها لا تؤكل فيجوز اصطيادها لجلودها أو للإنتفاع بعظامها وشعورها، وإذا جاز الاصطياد لمنفعة مطلوبة كان صيدًا.
قال الشاعر:
صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدك الأبطال
فقد جمع بين الأرانب والثعالب لا تؤكل)، فدل أن الصيد لا يختص بما يؤكل لحمه.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قالوا: وأما الأذى فلا يوجد من هذه السباع سوى خمس الفواسق إلا على الندور فلأنها تبعد في العادة عن الناس وليست بحيوان يساكن الناس ولا هي تكون بقرب من العمرانات فيقل منها الأذى ولا يكثر بخلاف الخمس الفواسق، لأن الحية والعقرب والفأرة مما يساكن الناس في بيوتهم، وكذلك الكلب يكون فيما بين الناس ويؤذيهم والغراب والحدأة والذئب تطوف حول العمرانات فيوجد منها أدى الاستلاب، ولأن الذئب في العادة يكون يقصد أغنام الناس وأطفالهم فيكثر الأذى من هذه الحيوانات، وأما ما سواها من السباع فلا يكثر عادة، وإنما يوجد نادرًا فلا يلحق بالخمس الفواسق، وهذا إنما يلحق بها إذاكان في معناها فإذا لم يكن في معناها فلا، وقد بينا أنها ليست في معناها، وأما الذئب فإنها في معنى الخمس الفواسق فألحقت بها.
الجواب:
أما دعواهم أن هذه الحيوانات صيود.
فلا نسلك ذلك، وعندنا الصيد كل حيوان يؤكل لحمه، فأما ما لا يؤكل لحمه فلا يؤكل صيدًا بحال.
قالوا: فقد كانت هذه الحيوانات مأكولة عند العرب، لأنهم كانوا يأكلون كل ما دب ودرج إلا أم حبين فكانت صيودًا عندهم ثم جاء الشرع بالتحريم بعد ذلك فكان الشرع مغيرًا للأحكام دون الأسامي فبقى اسم الصيد على ما كان من قبل.
قلنا: العرب لا تعرف الصيد إلا مأكول اللحم، وقد روي عن ابن
[ ٢ / ٣٥٤ ]
أبي عمار أنه قال لجابر في الضبع: أصيد هو؟ قال: نعم، قال: عن رسول الله؟ قال: نعم. وإنما كان السؤال كان عن حل الأكل وذكره باسم الصيد، وإذا كان اسم الصيد عندهم لمأكول اللحم فإذا لم يكن مأكولًا لا يكون صيدًا.
وقولهم: «إن الشرع غير الحكم دون الاسم».
قلنا: الإسلام التي يبني عليها الأحكام إنما يعتبر فيها مورد الشرع لا مورد اللغة.
وأما قولهم: «إنه حيوان متوحش ممتنع».
قلنا: قد تركتم وصفًا آخر وهو أن يكون مستوحشًا ممتنعًا مأكول اللحم.
وقولهم: «إن كان ما يصطاد فهو صيد».
قلنا: الناس لا يقصدون بالصيد إلا مأكول اللحم/ فأما غيرهم فإن قصدوها فإنا يقصدونها لا لاصطياد لكن لدفع الأذى، وأما المنافع التي ذكروها من الانتفاع بالجلود والشعور وغير ذلك فهو اتباع اللحوم ولا يعتبر ذلك على الانفراد وقد ذركنا هذا في كتاب الطهارة في الأوساط.
وأما الذي قالوا: «إن الأدى لا يكثر من هذه الحيوانات عادة».
قلنا: نحن نعمل قطعًا أن الأسود والنمور يقصدون من يقدر عليه من
[ ٢ / ٣٥٥ ]
بني آدم فإن تركت القصد مع القدرة فذلك نادر، ولهذا المعنى تسمى سباعًا عادية يعني أنها تعدو على الناس ويقصدونها بالأذى.
يبينه: أن قصد الحيات ربما يكون أقل من قصد الأسود والنمور وما يشببهها ومع ذلك يباح قتلها.
وقولهم: «إنها تبعد من الناس».
قلنا: هذا أمر يختلف، فإنها قد تقرب وقد تبعد فلا يجوز بناء الحكم على هذا الدنا فإنها تبعد تارة وتقرب أخرى فلا يعتبر ذلك وإنما يعتبر قصده من يقدر عليه وهذا موجود في السباع، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٣٥٦ ]