وعندهم: تلزمها، وهو أحد قولي الشافعي ﵁. والمناظرة على القول الأول.
لنا:
حديث أبي هريرة أن أعرابيًا أتى النبي ﵇ وقال: «هلكت وأهلكت يا رسول الله، قال: ماذا صنعت؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان قال: أعتق رقبة » الخبر إلى آخره.
[ ٢ / ١٥١ ]
فالنبي ﵇ أمره بعتق رقبة ولم يأمر في جانبها بشئ مع أنه كان أخبر عن وقاعها، والوقاع وطء لا يكون إلا من رجل وامرأة، فلو كان تجب الكفارة لما يسعه السكوت عن ذكرها لوجهين:
أحدهما: أنه يوهم السكوت أن لا شيء عليها، وهذا الإيهام من صاحب الشرع غير واسع، لأنه بعث لبيان الواجبات فلا يسعه ما يوهم سقوط واجب مع تحقق سببه.
الثاني: أنه أخبر بفعل مشترك من شخصين فوجب جوابه على وفق السؤال، فلو كانت وجوب الكفارة على الاشتراك لم يسع إفراده ببيان الواجب عليه، لأنه يكون السؤال عن فعلين، والجواب عن واجب أحد الفعلين، وهذا تقصير في البيان، وقد بعث النبي - ﷺ - لبيان الكامل لا لبيان القاصر، ألا ترى أن في قصة العسيف لما وجب الحد عليها لم يسكت عن بيانه بل قال: «فاغد يا أنيس إلى امرأة فإن اعترفت فارجمها»، والخبر معتمد في الحجة.
وقد قالوا على تعلقنا بهذا الخبر بوجود/ من الأسولة:
[ ٢ / ١٥٢ ]
أحدها: أنهم قالوا: إن المرأة كانت مكرهة بدليل ما روى في رواية:
«أنه قال: هلكت وأهلكت» فإنما يكون مهلكًا لها إذا كانت مكرهة من قبله، وعندنا إذا كانت مكرهة فلا كفارة عليها.
والثاني: قال إنه صدقه على نفسه، ولم يصدقه عليها، ولو جاءت وسألت كان تبين الواجب، ألا ترى أنه لم يذكر القضاء، وبالإجماع هو واجب.
والثالث: أن بيان إيجاب الكفارة عليه كان بيانًا للواجب عليها، لأن الفعل واحد من الجانبين، والبيان في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني.
قالوا: وأما خبر العسيف، فقد كان حكمها مخالفًا لحكمه فلم يكن بد من البيان.
وأما ههنا فحكمهما واحد لا يختلف فذكره في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني.
وعلى السؤال الثاني قالوا: لما لم يصدقه عليها كان في بيان الحكم في جانبها متبرعًا فكان مفوضًا إلى اختياره، فاختار البيان في حادثة الزنا، واختار ترك الذكر في حادثة الكفارة.
الجواب:
أما الأول: قلنا: قوله «هلكت وأهلكت»، مذكور في رواية غريبة،
[ ٢ / ١٥٣ ]
والثابت قوله: «هلكت»، ونحن نتعلق به، وعلى أن اللفظ لا يدل على أنها كانت مكرهة، لأنه سماها هالكة ولا تكون هالكة إذا كانت مكرهة، بل إنها كانت مطاوعة إلا أنه أضاف الهلاك إلى نفسه، لأن الغالب أن الزوج يدعو المرأة إلى الوطء، فلأجل غالب الأمر أضاف هلاكها إلى نفسه.
وأما الذي قالوه: «أنه لم يصدقه عليها».
قلنا: استدلالنا بترك إخباره عن وجوب الكفارة عليها مع إخباره عن فعله وفعلها، وجواب الفتوى لا يحتاج إلى التصديق مثل جواب المفتين في سائر الأعصار، وإنما الإلزام يحتاج إلى التصديق.
وأما الثالث الذي قالوه في غاية الضعف، لأن بيان الوجوب عليه لا يكون بيان الوجوب عليها كيف هذا؟ وقد اختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها مع اتفاق الكل على وجوب الكفارة عليه.
وكيف يجوز أن يحال أعرابي جاهل على مثل هذا البيان؟ ولابد من نظر واجتهاد وقياس معنوي، وقد خفى على كثير من العلماء فيكف يتنبه عليه مثل ذلك الأعرابي ويقنع في حقه بمثل هذا البيان؟
وأما القضاء، فإنما لم يذكره من الجانبين، لأنه سأل عن واجب الهلاك، والقضاء إنما يجب بمجرد فوات الصوم، بدليل المريض.
وأما المعنى فسيتبين في الجواب عن كلماتهم.
[ ٢ / ١٥٤ ]
أما حجتهم:
قالوا: الواجب كفارة الفطر على وجه التعدي الكامل وقد وجد هذا المعنى في جانبها، كما وجد في جانبه.
أما الفطر فلا إشكال، أما كمال التعدي فلأن كل جناية تحصل من الرجل بفعل الوطء تحصل من المرأة بالتمكين من الوطء بدليل الحد، ولأنه لا يتوهم منها جناية على الصوم تفعل بحرمة الصوم فوق هذه الجناية.
قالوا: ولهذا سوى الشرع بين الجانبين في واجب الوطء والإحرام فإن القضاء وفساد الحج مثل الكفارة ههنا، وقد استوى الجانبان فيه بحيث لم يقع فرقان بوجه ما.
قالوا: وأما المهر فهو بإزاء ملك البضع، وملك البضع للرجل دون المرأة، وأما الكفارة واجب جناية، والجناية منها حسب الجناية منه، وقد نزل الشرع التمكين منها بمنزلة الإيلاج منه قطعًا في الأحكام المتعلقة بالجناية بدليل الحد، وأيضًا فإن منفعة بضعها قومها الشرع على خلاف الأصل، وأما منفعة بضعه فلم يقومها بوجه ما.
وأما ثمن ماء الاغتسال فهو من مؤن الزوجية كالنفقة فيكون عليه لا عليها.
قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم: أنها أفطرت بغير الوطء، لأن بتغييب طرف الذكر في فرجها قبل غيبوبة الحشفة يفطر ولا يكون الفعل وطء إلا بعد غيبوبة الحشفة، فسهو عظيم، وهو هرب من المسألة، لأن هذه المسألة رويت منذ زمان الشافعي: أنه هل تجب الكفارة بطواعيتها في الوطء؟ واختلفت أقوال الشافعي في ذلك على ما عرف.
وإذا كان الأمر على ما ذكرتم فيكون الخلاف في صورة الفطر: فإن
[ ٢ / ١٥٥ ]
عندنا بذلك لا يفطر وقد ادعيتم أنه يفطر مثل ما لو غيب أصبغًا أو خشبة فتذهب هذه المسألة أصلًا، فإن المسألة في فطر يقع من الجانبين، هل تجب الكفارة عليها كما تجب عليه؟ وإذا قال هذا القائل الذي ضعفت خبرته في النظر في هذه المسألة أنها تفطر قبل وجود الوطء، فأين صورة المسألة التي اشتهرت في العالم، ودونت في الكتب، واختلف فيها أقوال الشافعي؟ فدل ما ذكرنا أنه وقع سهو عظيم لقائل هذا المقال.
وأيضًا فإن الآلة آلة الوطء والمحل محل الوطء بإدخال ودخول فإذا لم يعتبر هذا الفعل أعني تغييب رأس/ الحشفة في الفعل المخصوص بهذه الآلة في هذا المحل وجعل في حقه كالعدم، فكيف تعتبر في شيء آخر؟ ويلحق بفعل يوجد باستعمال أصبع أو خشبة؟ والمذهب الصحيح أن المرأة لا تفطر حتى تغيب الحشفة ويصير الفعل وطء فيقع حينئذ الفطر من الجانبين.
قالوا: وأما قول مشايخكم: «إن فرضية الصوم في حقها ناقصة، لأنه ما من يوم يمضي إلا ويجوز أن يعرض عارض فيسقط الصوم عنها مع بقاء التكليف، وذلك بالحيض».
وهذا أيضًا ليس بشيء، لأنه إن كان هذا يوجب وهاء فرضية الصوم وجب أن يوجب وهاء فرضية الصلاة، بل تأثير الحيض في الصلاة أكثر من تأثيره في الصوم فينبغي إذا تركت الصلاة لا تقتل، وعندكم تقتل كالرجل إذا ترك الصلاة يقتل، ولأن المرأة إذا صامت في أول زمان طهرها فوطئها الزوج فوجب على مؤدى هذا الكلام أن تجب عليها الكفارة، لأنه لا يتوهم ما قالوه إلا بعد مضي خمسة عشر يومًا، وأيضًا اعتبار موهم
[ ٢ / ١٥٦ ]
في تنقيص فرض محال، ولو جاز أن يعتبر توهم الحيض في حق المرأة وجب أن يعتبر توهم الجنون في حق الرجل، وتأثيره أكثر، لأنه يسقط أصل الخطاب، بخلاف الحيض، لأنه لا يسقط أصل الخطاب حتى تؤمر بالقضاء عند الطهر.
الجواب:
وهو أن نبين ما يمكن الاعتماد عليه من حيث المعنى فنقول:
الكفارة طريق وجوبها التوقيف لا غير، فإن الجناية وإن تحققت فلا يمكن معرفة وجوب الكفارة على الوجه الذي ورد بهذه الجناية رأيًا ومعقولًا وإنما يمكن بالنص المجرد، والنص ورد في فعل الوطء وفعل الوطء حقيقة إنما يكون من الرجل، فأما الموجود من المرأة فهو التمكين من الفعل، والتمكين من الفعل لا يكون ذلك الفعل كالتمكين من القتل لا يكون قتلًا، وكذا في كل موضع.
ولهذا يقال: جامع الرجل فهي مجامعة، ووطئ الرجل فهي موطوءة فالأمر المحسوس المعقول الوطء من الرجال، فأما النساء لا يكون منهن وطء بحال، وإنما النساء محال الوطء كالأرض التي توطأ بالأقدام، وكذا الإنسان الذي يطأه الإنسان بقدمه لا يكون منه فعل في الوطء بالقدم، وهذا مثل ذلك سواء.
ألا ترى أن الفعل الحسي وطء لا يمكن تصويره بوجه ما إلا أن الشرع نزل التمكين من الوطء في الحد نصًا، وفي قضاء الحج بإجماع الصحابة فسلم الموضعان للنص والإجماع.
وفي مسألتنا لا نص ولا إجماع في جانبها، وإنما النص والإجماع في جانبه، وقد علق الوجوب عليه بالوطء من غير أن يهتدي إليه رأي
[ ٢ / ١٥٧ ]
أو يتصرف فيه بمعقول، بل بالنص المحض فإذا لم يكن جانبها مشابهًا لجانبه، فإن التمكين من الفعل دون حقيقة ذلك الفعل معنى، وغيره صورة فلم يلحق به نصًا، لأنه غيره صورة، واستدلالًا، ولأنه دونه معنى فسقط وجوب الكفارة في جانبها بهذا الطريق.
يبينه: أن في الخبر ذكر المواقعة، والمواقعة لا تكون إلا من الرجل، فأما من المرأة فلا تتصور ولا يقال أصلًا، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ١٥٨ ]