وعندهم: ليست بآية من الفاتحة يخفيها عند القراءة.
وقال أبو بكر الرازي من أصحابهم: إنها مفردة أنزلت للفصل بين
[ ١ / ٢١٠ ]
السورتين. والمعتمد من الدليل لنا: أن التسمية مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، والصحابة ما أثبتوا في المصاحف إلا القرآن، وكان مقصودهم بذلك صيانته عن الزيادة والنقصان.
ولهذا كرهوا التفاسير، وقالوا: جردوا القرآن، وإذا كانت التسمية مثبتة في المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، دل أنهم إنما أثبتوها في مواضعها لأنها من القرآن في موضعها المثبتة فصارت مثبتة كسائر آيات القرآن.
يبينه أنه إذا لم تكن من القرآن في موضعها المثبتة فيه يؤدي إلى أن يكونوا خلطوا القرآن بغير القرآن، وهذا لا يجوز.
ويمكن أن يقال: إن ما بين الدفتين قرآن بإجماع الصحابة.
وقد اشتملت الدفتان على التسمية في مواضعها.
دل أنها من القرن في مواضعها وهذا هو المعتمد من الدليل.
وقد تعلق الأصحاب بحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي ﵇ عند الفاتحة آية آية للأعرابي، وعد/ بسم الله الرحمن الرحيم آية منها».
[ ١ / ٢١١ ]
وبحديث ابن أبي بريدة عن أبيه أن النبي ﵇ قال: «لا أخرج من المسجد حتى أعلمك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري» قال: ثم خرج وأخرج إحدى رجليه من المسجد فقلت في نفسي: لعله نسى فالتفت إلي وقال: «بم تفتتح القراءة في الصلاة»؟ فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: «هي هي». والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: يقول الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى على عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل». والاستدلال من وجهين:
[ ١ / ٢١٢ ]
أنه صلى الله عليه لم يذكر التسمية ولو كانت آية منها لم يتركها بل كان ينبغي أن يبتدئ بها.
الثاني: أنه قال «بيني وبين عبدي نصفين»، وإنما يكون نصفين إذا قلنا إن التسمية ليست بآية من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات بإجماع الأمة، والذي لله ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾.
والذي للعهد ثلاث آيات ونصف من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إلى آخر السورة.
فأما إذا عددنا التسمية آية منها كان الذي لله أربع آيات ونصف، والذي للعبد ثلاث ونصف فلم يستقم قوله: «بيني وبين عبدي نصفين».
[ ١ / ٢١٣ ]
وتعلقوا بحديث عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقرأة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وبحديث أنس قال: صليت خلف النبي ﵇ وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون القراءة ﴿بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وفي رواية أخرى فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. وبحديث عبد الله بن مغفل الذي ذكره في جامع أبي عيسى والأخبار كلها ثابتة صحيحة.
[ ١ / ٢١٤ ]
وتعلقوا أيضًا بنوع من الاستدلال وهو أنه لو كان التسمية من القرآن في كل موضع أثبتت، لنقل إلينا بطريق يوجب العمل بذلك، لأن القرآن لا يجوز إثباته إلا بمثل هذا الطريق، فأما الطريق الآحاد فلا سبيل إلى إثبات القرآن بمثله.
قالوا: ولا يجوز أن يعكس هذا، فيقال لهم: لو لم يكن من القرآن لنقل كونه غير القرآن بطريق مقطوع به موجب العلم، لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من القرآن لأن ذلك أمر يطول ولا ينحصر.
فأما ما هو من القرآن فعليهم أن ينقلوه إلينا ولو نقلوا لوقع لنا العلم به.
قالوا: وأما الإجماع الذي تعلقتم به فهو ضعيف لأنه لو ثبت كونه من القرآن بالإجماع لوقع لنا العلم به، ولكان يكفر جاحد ذلك ويفسق تاركه.
وحين اختلفت الأئمة في ذلك اختلافًا ظاهرًا وساغ الاجتهاد فيه علمنا أنه لا إجماع.
الجواب:
أما الاستدلال الذي تعلقنا به فمعتمد، وهو في الحقيقة إجماع استدلالي والإجماع على وجهين:
إجماع نص وهو إجماع المجمعين على الشيء صريحًا.
وإجماع استدلالي مثل ما بينا.
فالأول يوجب العلم القطعي، والثاني لا يفيد العلم القطعي لكنه يوجب العمل بأبلغ الدلائل الموجب له، ونظيره «الحجر» فإنه من البيت بدليل لا يوجب العلم بل يوجب العمل وهو الطواف عليه وسائر الكعبة قبلة الناس بدليل مقطوع به يفيد العلم ويقطع العذر، وظهر بهذا الجواب عن قولهم: «إنه لو كان من القرآن لنقل كونه من القرآن بدليل يفيد العلم»، فإنا نقول: هو من القرآن في رأس كل سورة عملًا لا علمًا ونظيره ما بينا.
[ ١ / ٢١٥ ]
وكذلك على أصلهم قراءة ابن مسعود في قوله: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» فهو من القرآن عملًا لا علمًا.
وأما الأخبار التي رووها ففي معارضتها أخبار لنا بعضها وقد ذكر الدارقطني الجهر بالتسمية عن النبي ﵇ برواية على، وابن عباس وأبي هريرة، وابن عمر، والنعمان بن بشير وغيرهم.
وأسانيدها وإن كان فيها مقال لكن يثبت بمجموعها ورود الجهر بالتسمية.
وقال عبد الله الحافظ قد صح الجهر عن النبي - ﷺ - ونقل ذلك عن الصحابة: عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة/ وجماعة من التابعين.
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إن المصلي بالخيار، إن شاء جهر
[ ١ / ٢١٦ ]
وإن شاء أسر، فتعارض الأخبار في ذلك.
ونحن نقول: إن أخبارنا أولى لتضمنها زيادة لم تتضمنها أخباركم.
ولأن الراوي للإسرار يجوز أن يكون بعيدًا عن النبي ﵇ فلم يسمع، ولأن الأثبت من أخبارهم هو رواية من روى أنهم يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويحتمل أن يكون ذلك اسمًا للسورة، وقد كان افتتحها بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.
وروى عن أنس أنه سئل: هل كان رسول الله يجهر أو يسر بالتسمية؟ فقال للسائل: «ما سألني عن هذا أحد قبلك وإني لا أحفظ».
وهذا يوهن ما رووا من خبر أنس، ولهذا لم يخرجه البخاري بذلك اللفظ، وإنما خرجه مسلم وحده، لأنه متساهل في الأخبار ما لم يتساهل فيه البخاري.
وأما الخبر الأول فيحتمل أنه لم يبتدأ بالتسمية، لأنه قد ذكر ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من بعد فاكتفي به عن الأول.
وأما قوله: «نصفين».
قلنا: يجوز أن يكون معنى «نصفين» أي البعض لله تعالى والبعض للعبد، كقول الشاعر:
[ ١ / ٢١٧ ]
إذا مت كان الناس نصفين شامت بموتي ومثن بالذي كنت أفعل
وقال شريح: أصبحت ونصف الناس على غضاب. والله تعالى أعلم.
* * *
[ ١ / ٢١٨ ]