وهل يحتاج إلى إذن الولي، فيه وجهان.
وإذا صح لزم حتى لا يجوز له الخروج عنه ولو خرج لا يصير خارجًا عنه ويكون حجة في هذا المعنى مثل حج البالغ ولو ارتكب محظور الإحرام لزمته الكفارة.
وعندهم: حجة غير لازم، ولا تلزمه الكفارة بارتكاب المحظور.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وبعضهم قال: حجه غير صحيح أصلًا.
لنا: حديث أبي معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رفعت امرأة صبيًا لها إلى رسول الله - ﷺ - وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر».
ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وروى بإسناده عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: «حج بن أبي مع رسول الله - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين».
فثبت بهذين الخبرين صحة حجه فصح على ما شرع وقد شرع لازمًا فوجب أن يصح لازمًا، وهذا كالإسلام على أصلهم فإنه لما صح منه صح على ما شرع وهو أن يكون بوصف اللزوم.
والجمل أنه إذا صح من الصبي يصح على ما يصح من البالغ.
والأولى أن يقال: يصح على الوضع الشرعي، وهذا لأنه لا يتصور حج صحيح يمكن الصبي عليه غير لازم في الشرع، والحج قد صح من الصبي، وأمكنه الضمي عليه فوجب أن يصح بوصفه.
وأما وجوب الكفارة عندنا بارتكاب المحظور، فلأنه حق مالي فصار كسائر حقوق المال وكما تجب على الصبي سائر حقوق المال يجب عليه هذا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الحق أيضًا، ولأن سببه قد وجد في حقه وهو ارتكاب المحظور في حج صحيح، فصار هذا الحق مثل غرامات المتلفات وأروش الجنايات.
ويستدل بكفارة الصيد إذا قتل في الحرم، وقد سلموا في هذا الموضع أنه يجب على الصبي، فكذلك إذا قتل وهو محرم وجب أن يكون مثله، لأنه لا فرق بينهما معنى وكل واد حق لله تعالى.
وأما حجتهم:
قالوا: لزوم الحج حق من حقوق الله تعالى يحتمل السقوط بالأعذار بعد البلوغ بدليل أنه يسقط بعذر الإحصار وعذر الرق فسقط بعذر الصبا. لأن رأس الأعذار الصبا قياسًا على أصل الوجوب، وإنما قلنا: «إن اللزوم حق الله تعالى» لأن الإحرام عبادة خالصة لله تعالى، واللزوم صفته فيكون أيضًا لله تعالى، وإذا سقط اللزوم في حق الصبي صار الإحرام بالحج كإحرام الصلاة، وإذا ثبت أنه لا يلزمه شيء بترك الإحرام، فكذلك لا يلزمه شيء بارتكاب المحظور الذي هو جناية عليه بطريق الأولى لأنه لو وجب بالإدخال نقيضه فيه فإذا لم يجب عليه شيء بتركه أصلًا فلئن لا يجب بإدخال نقيضه فيه أولى، ولأن هذه الكفارات حقوق الله تعالى على الشخص يحتمل النسخ والتبديل فيسقط بعذر الصبا.
دليله: أصل الصوم والصلاة.
والدليل على أنه يحتمل النسخ أنه لم يكن في الأصل مشروعًا، وإنما شرع في شرعنا، وما احتمل إن لم يكن ثم كان احتمل أن لا يكون أصلًا، ولأن الكفارة دون الصلاة في الوجوب فلما سقطت الصلاة بعذر الصبا في
[ ٢ / ٢٩١ ]
حقه والسبب في حقه قد تحقق وذلك بمجئ الوقت فكذلك الكفارة جاز أن تسقط وإن تحقق السبب في حقه.
قالوا: وقولكم: «إن الكفارة حق مالي».
قلنا: بلى، ولكن وجبت لله تعالى على طريق الابتلاء ولا يتصور الابتلاء إلا باعتبار فعل العبد، ولو وجبت الكفارة لكان أداؤها بفعل الولي بولاية جبرية قهرية/ فلا يتحقق معنى الابتلاء، وقد ذكرنا هذا على الشرح في مسألة زكاة الصبي فلا معنى لإعادته.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب للصيد لا لله تعالى، لأنه إذا أمر بالإحرام فصار أمنه حقًا له، وإذا قتله وجب الجزاء حقًا له وما يجب لغير الله لا يجب على نهج العبادات فلا يتعلق أداؤه بفعل من عليه على سبيل الاختيار فصح أخذه قهرًا وجبرًا، وصار بمنزلة غرامات المتلفات فصح تأديه لولي يثبت ولايته شرعًا لا باختيار المولى عليه.
فأما ما يجب لله تعالى فإنما يجب على سبيل العبادة فلا يتأدى إلا بفعل من عليه عن اختيار وتمييز إما به أو بنائب عنه باختياره وتمييزه، لأن المطلوب من الاستعباد امتياز العاصي من المطيع، وذلك لا يحصل بالاستيفاء جبرًا كما بينا في الزكاة.
والحرق أنهم يقولون: كفارة الإحرام محض حق الله تعالى وجب على وجه الابتلاء ولا يمكن إيجابها على الصبي كما ذكروا في الزكاة، وكفارة الحرم وجبت حقًا للصيد لا حقًا لله تعالى.
الجواب:
أما قولهم: «إن اللزوم مسقط بالعذر بعد البلوغ».
[ ٢ / ٢٩٢ ]
قلنا: أولًا هذا يبطل بالصحة، فإن صحة الحج أيضًا تفوت بأسباب بعد البلوغ، فقولوا إنها تفوت بسبب الصبا، وسؤالهم على هذا أن الصبا صار عذرًا بطريق النظر ولا نظر في منع الصحة، فأما في منع اللزوم نظر حتى إذا تركه لا يجب عليه شيء، فلهذا لم تنتف الصحة وانتفى اللزوم، وهذا يدخل عليه الإسلام فإنه يقع لازمًا وإن وجد من الصبي على أصلهم، ولا يقال: يصح نظرًا ولا يلزم نظرًا، بل قيل: لما صح على ما وضعه الشرع، كذلك الإحرام لما صح صح على ما وضعه الشرع من صفة الفريضة.
فإن قالوا: أليس إن الظهر يصح منه ومع ذلك لم يصح على ما وضعه الشرع من صفة الفرضية؟
قلنا: الصلاة تنقسم إلى لازم وغير لازم، فلم تكن غير لازم في حق الصبي ويجعل في حقه بمنزلة النوافل، وأما في الحج لما لم ينقسم في اللزوم وغير اللزوم، بل كان لازمًا بكل حال، استوى وجوده من البالغ والصبي.
وجواب آخر:
إن اللزوم مع إمكان المضي لا يسقط بعذر ما، والصبي متمكن من المضي على إحرامه فوجب ألا يسقط اللزوم في حقه.
وخرج على هذا المحصر والعبد، لأنهما لا يقدران على المضي، وهذا لمكان المنع الحسي والآخر لمكان المنع الشرعي، وأما الصبي فقادر على المضي.
والمسألة معين في هذه الصورة والحج في هذه الصورة ولا يتصور سقوطها بعذر ما.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وإن قالوا: إن الصبا سبب للنظر والمرحمة، وليس من النظر والمرحمة إثبات الإلزام في حقه من النظر.
قلنا: الصبي لا ينافي اللزوم، لأن له ذمة صحيحة قابلة للزوم والنظر والمرحمة قد وجد بمنع وجوب الحج عليه ابتداء من قبل الشرع وإنما هذا شيء جاء من قبله.
قالوا: وأما قولكم: «إذا أفسد الحج بالوطء».
قلنا: يجب عليه قضاءه على أصح القولين، وإذا فعله في حال الصبا صح على أصح الوجهين.
وأما الكفارات فوجه وجوبها ما ذكرنا أنها حقوق مالية فجاز إيجابها على الصبيان.
دليله: سائر حقوق المال.
وقولهم: «إنها وجبت لله تعالى».
قلنا: لا، بل وجبت للفقراء، وقد ذكرنا أن الزكاة واجبة حقًا للفقراء، فإذا قلنا هذا في الزكاة فكيف لا نقوله في الكفارات؟ وقد سبق إثبات هذا الأصل.
وقولهم: «إنها وجبت على طريق الابتلاء».
قلنا: لا ننكر أن الأوامر بأجمعها فيها معنى الابتلاء، ولكن ما كان فيها من حقوق المال يستقيم إيجابها على الصبيان ويقوم النائب المعين من
[ ٢ / ٢٩٤ ]
قبل الشرع بمنزلة النائب من قبله بعد البلوغ وهذا أيضًا قد ذكرناه في كتاب الزكاة.
وأما فصل صيد الحرم ففي نهاية الإلزام.
وقولهم: «إن الواجب في جزاء الصيد حق الصيد».
قلنا: هذا مما لا يفهم وإيجاب الحق للصيد مثل إيجاب الحق للجدار وما يشبهه من سائر الجمادات ومن دخل مثل هذه الترهات كفى خصمه أمره.
وقولهم: «إن الأمر لحق الصيد».
قلنا: هذا مثل الأول، ولا يجوز إثبات الحق على أي وجه كان إلا لمن هو من أهل الحقوق، وإنما منع الإنسان من قتل الصيد في الحرم وإطلاقه له في الحل نوع اختبار وابتلاء مثل منعه من قتله في حال الإحرام دون حال الإحلال.
والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢٩٥ ]