وعندهم: إنها طاهرة.
لنا:
إنه جزء من الميتة فيكون نجسًا كسائر أجزاءها.
وفقه المسألة: وهو أن الأصل أن الميت نجس لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وتحريمها يدل على تنجيسها بدليل قرينتها من الدم والخنزير، ولأن معنى النجاسة في المحل وجوب التباعد منه وترك الانتفاع وتحريمه قد دل على هذين المعنيين فثبت أنه نجس.
وأما الآدمي الميت فلئن قلنا إنه طاهر فهو لاحترامه فيكون مستثنى من هذا الأصل إما بالنص، أو لمعنى الاحترام.
[ ١ / ١٣٠ ]
وإذا ثبت نجاسة الميت فنقول: إن الموت إذا حل بالحيوان يحله بجميع أجزائه فكما أنه حي بجميع أجزائه وأعضائه وأبعاضه فكذلك إذا مات فهو ميت بجميع أجزائه وأبعاضه وهذا لأن الحيوان ذات تركيب مخصوص يستمد بقاءه من معنى مخصوص فما دام على تركيبه باستمداده فهو حي، فإذا فنى الاستمداد مات وخرب التركيب، وكل جزء من الحيوان له قوة الاستمداد وصفة البقاء وفيه الصلاح صفة الحياة وعند انقطاع الاستمداد واتصافه إلى الفناء والفساد فله صفة الممات.
وهذا ثابت لجميع أجزائه لا يختص بجزء دون جزء، فثبت أن الحياة ثابتة لجميع أجزائه ما دام حيًا فإذا مات بجميع أجزائه ولئن تكلمنا في العظام فالكلام فيه أظهر نصًا ومعنى.
أما النص قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحيِي العِظام وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْييها الّذي أَنْشَأَها أَوّلَ مَرّةٍ ﴾.
وأما المعنى فلأن قوام التركيب بالعظام أكثر من قوامه باللحم والذات حي بتركيبه فإذا كان اللحم محلًا للحياة فلئن يكون العظام محل الحياة أولى.
ونستدل من حيث الحكم بالخنزير فإن الإجماع انعقد على نجاسته بعظامه وشعوره، والاعتماد على ما سبق.
وأما حجتهم:
قالوا: الشعور والعظام ليست بمحل الحياة فلا يكون محل الموت، ودليل أنها ليست بمحل الحياة أنها لا تحس بشيء ما، بدليل أن الشعر يقطع فلا يحس الحيوان والعظم يبرد بالمبرد من القرن والسن وغيره فلا يحس به، ويستحيل وجود الحياة في محل لا حاسة له.
[ ١ / ١٣١ ]
وحرفهم أن علامة الحياة الحس والتألم فلا يوجد مع فقد علامتها وصار الشعر كجزء من الجلد يموت ويذهب منه الحس والتألم، فإنه لا يكون محل الحياة، فكذلك الشعر في أصل خلقته.
قالوا: وأما النماء فلا يدل على الحياة بدليل النبات والأشجار، وعلى أنه إنما تنمو الحياة في محل نباته لا بحياة فيه بخلاف سائر الأعضاء، فإن النماء فيها بمعنى لا في المحل بل لمعنى في أعيانها.
قالوا: ولا جائز أن يقال إن للعظم حاسة بدليل وجع الضرس وذلك لأن الوجع وجع اللثة واللحم المتصل بالسن ويظن الإنسان أنه وجع الضرس، وكيف يتصور أن ذلك من وجع الضرس حقيقة، ولو قطع قطعًا أو برد بالمبرد لم يألم.
واستدلوا من حيث الحكم في أنه لا حياة في الشعر والعظم بأنه إذا أبين من الحيوان في حالة يجوز/ الانتفاع به ولو كان محل الحياة لمات بإبانته منه بدليل قوله ﵇: «ما أبين من حي فهو ميت». وبدليل سائر الأجزاء.
وقد قال أبو زيد في هذه المسألة: إن الموت ليس بمنجس في نفسه وإنما
[ ١ / ١٣٢ ]
النجاسة بأحد شيئين إما بتحريم متعلق به وهو تحريم الأكل، وهذه الأشياء غير مأكولة فلا نجاسة بهذا المعنى أو باتصال من الرطوبات النجسة والدماء السيالة بالجامد منها.
والعظم والعصب شيء صقيل لا يتعلق به منها شيء فلم ينجس لعدم العلة وصار كالجلد بعد الدبغ بخلاف ما قبل الدبغ فإنه يتصل به الرطوبات النجسة.
قالوا: ولهذا تعاين الشعر والقرن لا يتعلق بهما شيء من الرطوبات، واستدل على أن الموت ليس بمنجس في نفسه، بما ذكرنا من مسألة موت الحيوان الذي ليس له دم سائل، وذلك مذكور في الأوساط وقد ذكرنا الطريقة الأولى أيضًا، ثم زعم أنها لا تأتي في العصب. وذكر أن الطريقة الأولى أقرب إلى النفقة وأولى بالصواب.
الجواب:
إنا دللنا على وجود الحياة في الشعر والعظم، والحرف المعتمد للأصحاب أن النمو بحياة الحي دليل الحياة في الشعر والعظم، ويمكن أن يقال: جزء نامي بحياة الأصل فينجس بالموت.
دليله الأذن، وليس كالبيضة، لأنا قلنا: وجب أن ينجس بالموت وموت البيضة ليس بموت الأصل بل بأن لا ينمي فلا ينقلب فرخًا وذلك أن يصير مذرة فينجس حينئذ، وأما حياتها فبعاقبتها.
[ ١ / ١٣٣ ]
ألا ترى أن المحرم إذا أخذ بيض الصيد ضمن الجزاء لأنه في حكم الحي. وعلى أن المذهب في البيض أنه إن كان غير متصلب فهو كاللبن ينجس وإن كان متصلبًا فلا ينجس لأنه ليس بجزء متصل بالأصل بل هو شيء مخلوق في جوفه بمنزلة الولد فلم يعمل فيه موت الأصل، وليس كما لو جز الصوف أو قطع القرن حيث لا ينجس. لأن الجز من الشعر بمنزلة الذكاة شرعًا كما جعل موت السمك ذكاة شرعيًا، وإنما كان كذلك، لأن الناس بحاجة إلى الشعور والأوبار، وفي تركها ضرر بالحيوانات فجعل الشرع أخذها بالجز بمنزلة الذكاة من جملة الحيوان نفعًا للعباد، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء فصارت إبانتها إماتة لها.
وأما الذي اعتمدوا عليه في هذه الطريقة من التعلق بعدم الحس وفقد التألم فإن استقام لهم هذا في الشعر فلا يستقيم لهم في العصب والعظم.
وقولهم: «إن وجع الضرس وجع اللثة».
فليس بشيء بدليل أن الضرس إذا قلع يسكن الوجع، دل أن الوجع كان له، وعلى إنه لا ينكر أحد حياة العظام في داخل البدن ومنكر هذا مثل منكر وجود الحياة في اللحوم والأعصاب.
وقد قال الأصحاب: إنه إن فقد الحس للشعر فإنما فقد أحد علامات الحياة، وقد وجدت علامة أخرى، وهو ما ذكرنا من النمو بحياة الحي فإذا كان فوات علامة بإخلاء علامة أخرى لم يدل على فقد الحياة مثل البصر للعين والسمع للأذن والنطق للسان، فإنه إن فقد البصر للعين وهو علامة حياة العين، ولكن وجدت علامة أخرى وهو السمع، والكلام بدون هذا الاستشهاد صحيح مقنع، وهذا الاستشهاد ضعيف على الأصل الذي أصلوه.
[ ١ / ١٣٤ ]
وأما الأشجار فقد قال بعضهم: إن لها حياة وهي المغذية والمنمية والمولدة. وللحيوان هذه الحياة والحياة السياسية أيضًا، وللآدمي هذه الأنواع كلها من الحياة، والحياة الناطقة أيضًا اختص بها من بين سائر الحيوانات وهذا كلام الحكماء الأوائل، ولا ينبغي أن نشتغل به.
والجواب المعتمد بالتخريج وهو أنا استدللنا على حياة الشعر بنمه بحياة الشخص الحي مثل سائر الأجزاء، وهذا لا يوجد في النبات والأشجار. وقولهم: «إن نموه لمعنى في المحل».
قلنا: لا، بل لمعنى في نفسه، ولمعنى في المحل من الاستمداد منه مثل سائر الأعضاء سواء.
وأما الطريقة الثانية التي اعتمدها أبو زيد، فقد ذكرنا أن الموت منجس بنفسه ودللنا عليه.
وقولهم: «إن النجاسة تكون باتصال الرطوبات والأشياء السيالة إليه».
فليس بشيء، لأن الجلد نجس بكل حال، ورب جلد لا يتلوث بشيء من الرطوبات بعد الموت ويكون في جفافه ونظافته مثل ما كان في حال الحياة.
فثبت أن الموت منجس بنفسه، وقد ذكرنا في تلك المسألة. والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٣٥ ]