(مسألة)
تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة عندنا.
وعندهم: لا تثبت.
وقد ذكر مشايخهم رواية عن أبي حنيفة ﵁ أن الاستطاعة لا تثبت بمجرد المال بحال، وزعموا أن هذه الرواية هي الرواية الظاهرة عنه.
ورووا عن أبي حنيفة رحمة الله عليه رواية أخرى أن الاستطاعة
[ ٢ / ٢٢٩ ]
تثبت بمجرد المال، وزعم المحققون منهم أن هذه الرواية هي الأصح.
وفائدة الروايتين تظهر في المغضوب الموسر، هل يجب الحج عليه أم لا؟
لنا:
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وإنما قلنا إنه يصير مستطيعًا، لأن الاستطاعة ليس إلا الإمكان وقد أمكنه الحج حين بذل له الابن الطاعة وهو أن يكون معضوبًا فقيرًا فيبذل له أن يحج عنه أو يكون فقيرًا صحيحًا فيبذل له المال فقد تحققت الاستطاعة في الصورتين، أما في الصورة الأولى فليس بينه وبين حصول الحج له إلا الأمر به، وهو مما يدخل تحت الأمر وتجرى فيه النيابة، وفي الصورة الثانية، أمكنه الحج بإنفاقه مال الابن في سفر الحج، كما أمكنه إذا كان المال له، لأن الإمكان لا يختلف في الموضعين فإن ركوبه مركوب الغير وركوبه مركوب نفسه واحد، وكذلك لا يختلف في المطعوم والمشروب.
فثبت أن الإمكان موجود وإذا وجد الإمكان وجب عليه الحج، لأنه لا شرط له سواه، وكذلك في المعضوب الموسر وجد الإمكان وهو أن يبذل ماله ليحج عنه غيره فوجب أيضًا.
وهذه المسالة مبنية على أن النيابة جارية في الحج، وسنبين من بعد.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
ويدل عليه: أنه لو كان مستطيعًا للحج بنفسه فطرأ عليه العجز بقى الوجوب عليه، وكذلك إذا وجد المال وهو معضوب جاز أن يجب عليه أيضًا، لأن الباقي هو الواجب عليه ابتداء، والواجب عليه ابتداء هو الباقي فإذا جاز أن يبقى عليه وجوب الحج وهو عاجز ببدنه ليؤدي بماله، فكذلك في الابتداء جاز أن يجب عليه أيضًا.
وأما حجتهم:
قالوا: غير مستطيع للحج فلا يجب عليه الحج، كما إذا كان الباذل أجنبيًا، وإنما قلنا: «إنه غير مستطيع»، لأن الاستطاعة بملك الزاد والراحلة بالنص وهو الإجماع بيننا وبينكم ولم يوجد.
ثم قالوا: لو صار مستطيعًا لصار مستطيعًا ببذل الابن المال له وهذا لا يجوز شبهًا ولا معنى.
أما الشبه فالدليل عليه: أن العبد لو أذن له مولاه في الحج وبذل له المال فإنه لا يجب عليه الحج، ولو ثبتت الاستطاعة بالبذل والإباحة وجب أن يثبت ويجب الحج في هذه الصورة، لأن العبد من أهل الحج والإمكان قد وجد.
يبينه: أنه إنما لم يجب لعدم الإمكان مثل العسر لا يجب عليه لعدم الإمكان والسيد بذل له المال فقد تحقق الإمكان، وهذا شبه معتمد.
ويدل عليه: أن الابن إذا بذل المال في كفارة اليمين والظهار جميعًا فكذلك ههنا لا يحكم بالاستطاعة.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وأما المعنى:
قالوا: الاستطاعة بالزاد والراحلة شرط لوجوب الحج بالإجماع، وهو استطاعة بمال لا يوجد مباح الأصل في العادة فوجب أن يكون الملك شرطًا لوجوب الحكم المبتنى عليه، لأن أصل القدرة على ما والأفعال هو بالملك/ وأما القدرة بالإباحة عارضة، والأحكام إنما تتعلق بالأصول لا بالأعراض، ألا ترى أن الصلاة قائمًا إنما تتعلق بالاستطاعة ينالها الإنسان بسلامة أحواله، ولا تحجب بما يحدها بمعين بعينه من ولده أو غيره للمعنى الذي بينا، وهو أن الأصل أن الاستطاعة مبنية على سلامة الحال، والأخرى عارض، ولا يلزم على هذا الماء في الطهارة، لأن الماء على العادات موجود مستعمل على الإباحة فصار الإمكان بالإباحة في حق الماء أصلًا فقام مقام الملك، وأما الزاد والراحلة قل ما يوجد على أصل الإباحة وإنما يتمكن الإنسان من استعمالها على العادات الجارية بالملك، والإباحة عارضية فبني الحكم على الملك ولم يعتبر العارض.
قالوا: وأما المعضوب الموسر فيجب عليه الحج على الصحيح من المذهب لأن ملك الزاد والراحلة قد وجد.
وقد نص مشايخهم إحدى الروايتين عن صاحبهم.
وقالوا: تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال، لأنه يؤدي بالبدن وإنما المال وصلة، ثم إذا كان عاجزًا بماله لم يجب عليه الحج وهو الفقير الصحيح فإذا كان عاجزًا ببدنه أولى أن لا يجب.
قالوا: وأما قولكم: «أنه لو كان صحيحًا موسرًا فعرض العجز يبقى عليه وجوب الحج».
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قال: هذا لا يدل على أنه يجب عليه ابتداء كالميت يبقى عليه وجوب الحج ولا يجوز أن يجب عليه ابتداء.
الجواب:
أما قولهم: «إنه لا يجوز أن يصير مستطيعًا ببذل الابن له الطاعة بدليل الأجنبي».
قلنا: قد منع بعضهم.
والصحيح على المذهب أنه لا يصير مستطيعًا إلا ببذل الابن على الخصوص، وإنما كان كذلك، لأن الإمكان قد وجد صورة ومعنى ببذل الابن ماله، أما الصورة معلومة، وأما المعنى فلأنه لا منة تلحقه ببذل الابن وإباحته ماله له ليحج به، لأن هذا وإن كان إحسانًا لكن إحسان الأب إليه أكثر فيكون هذا على معنى المجازاة والشكر لإحسانه إليه لا على معنى الامتنان به عليه، لأن الشرع أضافه ماله إليه إضافة الملك إلى مالكه، ولأنه سمى الولد كسبًا له مثل ما يكون العبد كسبًا لسيده فيكون حجه بماله مثل حجه بسائر أكسابه فثبت أنه لا منة تلحقه في بذل الابن فتحقق الإمكان بصورة ومعنى. وهذا لا يوجد في غير الابن فلم يوجد الإمكان معنى، لأن تحمل المنة في غاية الشدة وهي دقاقة لأعناق الرجال.
* * *
·
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وأما فصل العبد الذي تعلقوا به:
قلنا: وإنما لم يجب، لأنه ليس من أهل وجوب الحج عليه والدليل عليه النص والحكم:
أما النص: قوله ﵇: «أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة الإسلام».
وأما الحكم: فإنه لو حضر بعرفات مع سيده لم يجب عليه الحج ولو كان عدم الوجوب لعدم الإمكان فإذا حضر بعرفات وجب أن يجب عليه الحج كالفقير، خصوصًا إذا كان السيد قد أذن له في فعل في فعل الحج، وحين أجمعنا على أنه إذا فعل الحج في هذه الصورة لم يكن فاعلًا واجب الحج عليه بخلاف الفقير، وبخلاف العبد الذي حضر الجمعة مع سيده ويؤديها، دل أنه إنما لم يكن لأجل أنه ليس من أهل فرض الحج عليه أصلًا.
* * *
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وأما فصل الكفَّارة:
فلا نسلم، ونقول: إذا بذل الابن الرقبة أو الطعام لأبيه لم يجز له أن يعدل إلى الصوم، وعلى أن الكفارات حق مالي فلا يتأدى إلا بماله أو بما يصل إليه بماله.
وأما الحج بدني فلا يحصل إلا ببدنه أو ببدن يصل إليه بأي سبب كان ويقوم بدن ذلك الغير مقام بدنه ولم يعتبر أن يكون الوصول بالمال لأنه ليس بواجب مالي فاعتبر أصل الوجوب فحسب، والأصح المنع في الطعام خاصة، وفي العتق إذا وهب الرقبة له أنه يجب عليه قبولها، وعلى هذا في مسألتنا لو وهب الزاد والراحلة له يجب عليه قبولها أيضًا.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب القبول، لأن المنة تكثر في ذلك ما لا يكثر في مجرد البذل.
وأما دعواهم ببيان المعنى، وقولهم: «إن الأصل هو القدرة بالمال الذي يكون له».
قلنا: لا نسلم، بل الأصل هو القدرة بأي وجه كان، لأن الشرط تيسير الوصول إلى الحج بالإمكان الذي يوجد إما بماله ولده، فأما اعتبار ماله فلا معنى له، كما نقول في الوضوء، فإنه لا فرق بين أن يكون إمكانه بماله أو بمال غيره وقد بذل ذلك الغير له.
وقولهم: «إن الماء يوجد مباحًا والزاد والراحلة لا يوجدان مباحان».
[ ٢ / ٢٣٥ ]
قلنا: وبأن كان يوجد الماء مباحًا في الأصل بخلاف الزاد والراحلة لم ينبغي أن يفترقا في مسألتنا، والماء مملوك للغير إباحة له، وكذا الزاد والراحلة إلا أن التعلق بفصل الماء في الوضوء يقتضي أن لا يفترق الحكم بين أن يكون الباذل أجنبيًا أو غيره.
وقد بينا أن الأصح التفريق/ وحرف الجواب ما قدمنا، ونقول: إن الإمكان أمر حسي لا يتصور أن يختلف بماله ومال غيره، والموجود بمال غيره هو الموجود بماله ولا يتصور أيضًا أن يجعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا.
وأما تعلق مشايخهم بالمعضوب الموسر، فقولهم: «إن تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال».
فليس بشيء، لأنا إن سلمنا لهم ذلك لكن القدرة على الحج بدنًا قد وجد، لأن بدن غيره يقوم مقام بدنه على ما عرف، لأن الحج يجب بمجرد القدرة بدليل أن الفقير إذا حصل بعرفات فوجب أن يجب بمجرد المال، والاعتماد على ما سبق.
وأما فصل الميت الذي ذكروه، فليس بشيء، لأنه ليس من أهل التكليف ابتداء بخلاف المعضوب فإنه من أهل التكليف ابتداء، وإنما بقى الحج على الميت بقاء الديون فكما تبقى سائر الديون عليه بقى الحج عليه أيضًا. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢٣٦ ]