(مسألة)
الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا. وهو قول أبي شجاع الثلجي من أصحابهم، وقد اختاره أبو زيد في أصوله.
وذهب الكرخي وجماعة من أصحابهم أنها تجب بآخر الوقت.
[ ١ / ١٦٥ ]
واختلفوا في المؤدى في أول الوقت:
فقال بعضهم: هو نفل يسقط به الفرض الواجب في آخر الوقت مثل الزكاة المعجلة. ومنهم ن قال: هو موقوف إن أدرك آخر الوقت وهو من أهل الوجوب كان المؤدى واجبًا وإن لم يدرك كان المؤدى نفلًا.
ومنهم من قال: المؤدى واجب، فعلى هذا يكون الوجوب بأحد المعنيين إما بإدراك آخر الوقت أو باختيار المكلف فعل الصلاة في آخر الوقت.
لنا:
إن الأمر يفيد الوجوب باتفاق مننا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت لأن الخلاف في أمر مؤقت معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون متناولًا جميع الوقت وإلا فلا يكون الأمر مؤقتًا، وإذا تناول جميع الوقت ثبت الوجوب في جميع الوقت فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة. ونظير ما قلناه قول السيد لغلامه: افعل كذا غدًا أو افعله وقت الظهر، يكون الخطاب متناولًا جميع الوقت المذكور حتى يكون فاعلًا بأمر إذا فعله.
يبينه أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر أول الوقت فإن كان الأمر فقد وجد في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل فلابد من الحكم بالوجوب على كل واحد من السببين.
ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء المأمور أو ينوي المفروض، وإذا أدى الواجب وأداء الواجب في وقت دليل على وجود وقت الواجب لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته.
[ ١ / ١٦٦ ]
وأما حجتهم:
قالوا: مخير في أول الوقت بين فعل الصلاة وتركها فلا تكون واجبة فيه. دليله النافلة، وهذا لأن حد الواجب ما لا يسع تركه فإذا وسع الترك ل على أنه ليس بواجب.
وربما يقولون: لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره، لأن الواجب مرة لا يجب ثانيًا فلما وجب في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن واجبًا في أوله.
قالوا: ولأنه وجب في أول الوقت وجب أن يأثم إذا/ مات قبل فعله وحين لم يأثم إذا مات في أول الوقت قبل فعله، لما أنه لم يكن واجبًا، وأيضًا لو وجب لاستقر بإدراك وقت فعله ولو استقر لم يتغير بالسفر، وحين أجمعنا على أنه لو سافر في آخر الوقت يجوز له القصر علمنا أنه لم يجب أصلًا.
الجواب:
أما قولهم: «إنه مخير بين فعل الصلاة وتركها»، لا نسلم إطلاق الترك على ما زعموا، بل إنما نطلق له الترك بشريطة وهو العز على فعلها في آخر الوقت وما لم يكن على هذا العزم لا يجوز له تركها في أول الوقت.
فإن قالوا: أتقولون إن العزم بدل عن الواجب من الفعل؟
فإن قلتم: ليس ببدل فقد أطلقتهم الترك، لأنه إذا ترك لا إلى بدل تحقق الترك، وإن قلتم: هو بدل فأقمتموه مقام الأصل في سقوط الأمر عنه وتأدى المصلحة به. يدل عليه أن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت فكيف يتصور أن يكون بدلًا؟
[ ١ / ١٦٧ ]
قلنا: لسنا ندعي أن العزم بدل عن الواجب ولكن أردنا بما قلنا أن نبين أن الترك على الوجه الذي ظنوه من مذهبنا لا مطلقه.
وتبين بهذا الشرط وقوع الفرقان بينه وبين النافلة.
وإن قلنا: بدل، فهو بدل من وجه لا من وجه، وإنما يقوم البدل مقام الأصل في سقوط الواجب إذا كان بدلًا من كل وجه.
ونعني بقولنا: «بدل من وجه لا من وجه» أنه بدل تركه في أول الوقت لا بدل تركه أصلًا وهذا جواب.
وجواب آخر: وهو الأولى، قولكم «مخير في أول الوقت بين الصلاة وتركها» لا نسلم أن الموجود ترك الصلاة بل هو تأخير من وقت لها إلى وقت مثله ليؤديها فيه على ما كان يؤديها في أول الوقت، وإنما جاز هذا التأخير، لأن الوجوب تعلق بأول الوقت على وصف التوسع، ومعنى قولنا: «وجب موسعًا» هو هذا فإن الشارع كلفه أداء الصلاة في أول هذا الوقت المسمى وهو وقت يسع للمأمور ويفضل عنه فضلات كثيرة فقيل: وجب وجوبًا موسعًا على معنى أن المكلف يتخير في الواجب إن شاء فعله في أول الوقت وإن شاء فعله في أوسطه وإن شاء فعله في آخره مثل الأمر المطلق في الكفارات وقضاء الصلوات والحج على أصلنا، ويلزمه مع هذا ألا يخلي الوقت عنه فصار التأخير الذي تعلقوا به فائدة الوجوب على وصف التوسع فلم يدل على سقوط أصل الوجوب، وعلى هذا صار الواجب على وصفين: واجب مضيق، وواجب موسع، فالمضيق ما لا يسع تأخيره كالإيمان إذ لا يفضل وقته عنه وكالصوم، والموسع ما يفضل الوقت عنه ويسع تأخيره، والوجوب موجود في الصورتين فهذا هو الموضع الذي خفى على القوم بلوغه ولم يدركوا حقيقته.
وأما قولهم: «إنه لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره».
[ ١ / ١٦٨ ]
فهوس، فإنه لا يتجدد الوجوب عندنا بآخر الوقت إنما يمتد الوجوب إليه على التوسع.
وقولهم: «لو مات بعد التأخير لم يأثم»، فقد منع ذلك بعض من لم يعرف حقيقة المسألة، وقال: لا تتم المسألة إلا بمنع هذا والمنع بعيد، وهو يخرج على ما قلنا، لأن عدم الإثم إنما هو لقولنا إنه وجب وجوبًا موسعًا مطلق التأخير إلى وقت مثله وكذلك جواز القصر بالسفر، وهذا لأن عندنا جميع الوقت لهذه الصلاة كشيء واحد، والموجود في أوله وآخره كوجود واحد فيكون حكم الكل واحد، وخص هذه المسألة من الأصول. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٦٩ ]