(مسألة)
تبييت النية واجبة في صوم الفرض عندنا.
وعندهم: ليس بواجب إذا كان الفرض في وقت بعينه، وإن كان لا في وقت بعينه وجب.
لنا:
حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» ذكره أبو داود في سننه.
[ ٢ / ١٢٧ ]
(والإجماع: إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعته بمعنى واحد).
فإن قالوا: (إن هذا الخبر ليس بمسند، لأن سفيان، ومعمرًا وقفاه على حفصة).
قلنا: (قد أسنده عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، وروايات الثقات مقبولة).
ووجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - نفى الصوم إذا لم ينوه من الليل، فيقتضى نفيه من كل وجه، وذلك نحمله على نفي الجواز.
فإن قالوا: يوجد الصوم مع فقد النية من الليل محسوسًا، فكيف ينتفي؟
[ ٢ / ١٢٨ ]
قلنا: الصوم الفرض مشروعًا لا يوجد قط مع فقد النية من الليل، ومطلق الصوم في الشرع يحلم على الصوم الشرعي، لا على الصوم اللغوي، وليس لهم تعلق صحيح من حيث الأخبار، لأن الخبر الذي يروونه بطريق عكرمة عن ابن عباس، لا يعرف.
وقيل: إنه عن عكرمة.
والذي يروونه في صوم عاشوراء فلم يثبت وجوب صوم عاشوراء.
وقد روى معاوية أن النبي ﵇ قال: «صوم عاشوراء لم يكتب عليكم، فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم».
وعلى أنه قد نسخ فصارت أحكامه منسوخة أيضًا.
وأما المعنى:
نقول: المفروض عليه صوم كل اليوم، وقد صام بعض اليوم ولا يخرج عن المفروض عليه.
دليله: إذا نوى بعد الزوال، والكلام مستغن عن القياس، لأن من وجب عليه جملة شيء فيفعل بعضه لا يكون فاعلًا لكله.
يبينه: أنه إذا وجب عليه صوم يوم كامل فبعض اليوم لا يتسع لصوم يوم كامل فلم يتصور أداء الواجب عليه في هذا الوقت الذي نواه بالصوم،
[ ٢ / ١٢٩ ]
وما لا يتصور محسوسًا لا مشروعًا إلا بدليل قاطع، ثم إن الدليل على أنه لم يصم كل اليوم أن النية شرط لأداء الصوم فإن/ الصوم لا يكون صومًا إلا بالنية، والنية عزيمة على الشيء في المستقبل.
وأما العزم على فعل شيء في الماضي فلا يعقل، وهذا لأن ما مضى يتأسف عليه وما يوجد في المستقبل يعزم عليه.
ولأن الفعل في الزمان الماضي إذا لم يتصور فكذلك العزم على الفعل في الزمان الماضي لا يتصور، وهذا لا يحتاج إلى كثير إطناب، لأنه أمر قطعي ببدهية الرأي وأول النظر، بل لا يحتاج على نظر أصلًا.
فثبت بما قلناه أنه لم يصم كل اليوم فلا يسقط عنه المفروض عليه في كل اليوم، ويمكن القياس على القضاء، وكل واجب من الصوم لا في زمان متعين.
ووجه إلحاق الأداء بالقضاء أيضًا في غاية الوضوح، لأن القضاء مثل الأداء من غير زيادة ولا نقصان، ولم يعهد الأمر بزيادة في القضاء لا تجب في الأداء مثل قضاء الصلاة، والحج، وغيرها.
وهذا القياس بهذا التقدير وإن كان في نهاية الحسن غير أن المعنى الذي قلناه كاف وهو مستغن عن كل شبه وعماد فعليه الاعتماد.
وأما حجتهم:
فاعلم أن معتمدهم النفل فإنه جاز بنية من النهار قبل الزوال بالإجماع.
فمشايخهم قالوا: صوم عين فجاز أداؤه بنية من النهار قبل الزوال.
[ ٢ / ١٣٠ ]
دليله: النفل.
قالوا: ومعنى قولنا: «إنه صوم عين» أن الوقت متعين له شرعًا، وقرروا النفل، وقالوا: النفل والفرض مستويان في أصل النية ولا يختلفان فيها بحال، ألا ترى أنهما يستويان في أصل النية، ولأن النية هي الإخلاص في العمل وجعله لله تعالى فلا يجوز أن يختلف فيها الفرض والنفل، لأن الإخلاص فيهما واجب، ولابد أن يكونا لله تعالى ليصحا.
قالوا: وقولكم: «إن مبنى النفل على المسامحة والمساهلة بدليل جواز صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وجوازه راكبًا مع القدرة على النزول»، لا ننكر هذا الافتراق، لكن مع هذا استويا في النية أصلًا ومحلًا على ما سبق.
وعلى أن ما استشهدتم به دليل عليكم، لأنه لما جازت الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام بكل حال إذا كانت نفلًا جازت أيضًا إذا كان فرضًا بحال، وعندكم لا يجوز.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه يصير صائمًا في النفل من وقت النية، لأنه لو كان كذلك لم يضره الأكل من قبل كما لا يضره الأكل في السحر لمن يصوم من وقت الفجر.
ولأنه لو نوى أن يصوم نصف النهار لا يجوز، ولو كان كافرًا في أول النهار أو المرأة إذا كانت حائضًا لم يجز لهما أن يصوما.
ولو نذر أن يصوم بعض اليوم لا يصح نذره، ولو صام بدل الطعام في جزاء الصيد في الحج، فإنه يصوم عن كل مد يومًا فلو بقي نصف مد
[ ٢ / ١٣١ ]
لم يصح صوم نصف اليوم، وهذا لأن الصوم عبادة فلا يعرف أصله ولا مقداره إلا بالشرع والتوقيف ولم يرد الشرع بصوم بعض اليوم بحال، ولو جاز أن يجعل إمساك بعض اليوم صومًا بالرأي جاز أن يجعل السجدة الواحدة والركوع والقومة بانفرادها صلاة بالرأي، وهذا اعتراض معتمد.
فهذا وجه تعلقهم بالنفل، وإيرادهم لإظهار إشكاله.
وأما أبو زيد قال: تعلق بالنفل أيضًا، وادعى نوعًا من المعنى وتحريره «يوم صوم» فالإمساك في أوله لا يتعين للفطر بل يوقف على صيرورته صومًا بوجود النية في معظمه، دليله النفل.
وربما يقولون: ركن واحد ممتد فتجعل النية في أكثره كالموجود في كله، قال: «وإنما فعلناه ذلك لعذر خوف فوت العبادة فإن العبادة إذا فاتت عن وقتها حكم بفواتها على الإطلاق والقضاء يجب بأمر جديد، ولأن الاستدراك بفعل القضاء استدراك فيما يرجع إلى تبعات الآخرة، فأما في درك الثواب وجعل الفوات كلا فوات فلا، بدليل قوله ﵇: «من ترك صوم يوم من رمضان لم يقضه صوم الدهر كله».
[ ٢ / ١٣٢ ]
ولأن القضاء إن كان مثل الأول فعلًا فلا يكون مثل الأول وقتًا، وإذا لم يكن القضاء مثل الأول من كل وجه فلم يتحقق الاستدراك والحكم بعدم الفوات.
فثبت أن القول بعدم جواز النية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة، فلأجل خوف الفوات جوز بنية من النهار وحكم بوقوف الإمساك ليصير صومًا بنية توجد في أكثر النهار فيصير كالموجود في كل النهار حكمًا مثل النفل سواء.
فأما إذا لم يجز بنية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة أصلًا فلخوف فوتها حكم بما ذكرنا كذا ههنا.
قالوا: وأما إذا نوى بعد الزوال فلا يمكن كما في النفل، لأنه لم يغلب وجود النية بل غلب عدمها، وههنا غلب وجودها وإقامة عذر في عذر عند غلبة وجود النية لا يدل على إقامة ذلك العذر عند غلبة العدم.
وربما تعلقوا بالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يصير مدركًا للركعة لغلبة الإدراك.
وأحسن استشهاده لهم في التعلق بالعذر الذي قالوه، هو أنه إذا نذر أن يصوم شهرًا بعينه متتابعًا فأفطر في ومن منه لا يؤمر بالاستئناف بخلاف ما إذا أطلق الشهر، لأنا إذا أمرناه/ بالاستئناف في شهر بعينه أدى إلى
[ ٢ / ١٣٣ ]
فوات العبادة عن وقتها الذي سمى له بخلاف المسألة الثانية فهذا نهاية ما يمكن من إبراز المعنى.
وقد تعلق أبو زيد أيضًا بالحرج وقال: «إذا لم يجوز بنية من النهار أدى إلى حرج عظيم يلحق الناس، لأنه يجوز أن ينسئ الصوم حتى يصبح والنسيان عذر عام في الناس وقد يكون يوم شك لم يظهر أنه من رمضان بعد ارتفاع النهار، وكذلك ربما يحتلم الصبي في بعض الليل ولا يعلم إلا بعد أن يصبح، أو تطهر الحائض ولا تعلم إلا بعد أن تصبح فجوز الشرع التأخير في النية لدفع الحرج، كما جوز تقديم النية لدفع الحرج، وحصول الحرج في المنع من تقديم النية شيء معلوم لا يخفى، فإنه يتعذر على أكثر الناس فعل النية عند الشروع، لأنه وقت نوم وغفلة، ولأنه لا يعلم وقت طلوع الفجر إلا الخواص من الناس فالحرج ظاهر في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى بينا وجوده أيضًا فليتفق الجانبان في الجواز أعني التقديم والتأخير).
قالوا: وأما بعد الزوال فلا حرج، لأن الأعذار التي قلناها ترتفع غالبًا قبل الزوال ولا تدوم إلى أن تزول بحال، وأوردوا تقديم النية على فصل العزم الذي قلناه.
وقالوا: كما لا يتصور محسوسًا انعطاف العزم على زمان ماض فلا يتصور أيضًا أن يقدم العزم إلى عارض في المستقبل خصوصًا إذا عزم من أول الليل ثم ينام إلى الصبح فأين العزم عند الشروع وهو لا يشعر بشيء ما؟ بل قيل: وجد العزم حكمًا وإن لم يتصور محسوسًا، كذلك
[ ٢ / ١٣٤ ]
ههنا إذا أخر، نقول: وجد العزم من أول اليوم حكمًا وإن لم يتصور محسوسًا.
الجواب:
أما الأصل الذي ادعيناه فهو في نهاية القوة.
والحرف الوجيز: أن الصوم لا يكون إلا بالنية، والنية لا تتصور إلا في المستقبل فصار صائمًا بعض اليوم وصوم كل اليوم لا يتأدى ببعضه.
وأما النفل فعندنا يصير صائمًا من وقت النية، لأن إثبات الصوم قبل وجود النية لا مطمع فيه.
وقد ورد النص الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يدخل عليها ويقول: «هل عندكم من طعام؟ فإذا قالت: لا، قال: فإني إذًا لصائم».
فلا يمكن إبطال الصوم لوجود النية بالنهار بهذا النص، ولا يمكن إثباته من أول النهار لما بينا من الحقيقة فجعلناه صائمًا من حين ما نوى ضرورة.
وقد أيد هذا النص كون الصائم متبرعًا، والمتبرع يتبرع بقدر ما يختاره
[ ٢ / ١٣٥ ]
فإن شاء صام كل اليوم وإن شاء صام بعض اليوم، كما أنه بالخيار إن شاء تصدق بحبة وإن شاء بمائة دينار، والاعتماد على الخبر.
وأما الذي قالوا: «إنا عرفنا أصل الصوم وقدره بالشرع، ولم يرد الشرع بالصوم فيما دون ما ذكرنا».
وأما الأحكام فنحن نجوز صوم بعض اليوم بشرط أن لا يكون أكل من أول النهار، لأن النص كذلك ورد فجعلنا ترك الأكل في أول النهار شرطًا لئلا يقع العدول عن مورد النص، ولأنه إذا أكل فيكون الصوم على وفاق العادة وإذا لم يأكل يكون على خلاف العادة والعبادة ما يكون على خلاف العادة.
وأما الحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في غير رمضان فنوى صوم باقي اليوم يجوز، وأما إذا نوى أن يصوم إلى نصف النهار فقد منع بعضهم، وليس بشيء، والصحيح التسليم وهو مشكل جدًا.
ووجه الصواب من هذا الفصل أن نقول:
إنما جوزنا صوم بعض النهار بالنص، والنص ورد بصورة واحدة وهو أن يكون ممسكًا في أول النهار ثم يصوم البقية ويصير إمساكه في أول النهار شرطًا لصومه في آخر النهار، وهذا يمكن إثباته على وفق أصول الشرع، لأن شرط العبادة، قد يسبق العبادة. فأما إذا نوى الصوم إلى نصف النهار ثم يفطر فهو على خلاف صورة النص. ولأنه لو أكل في باقي النهار فيكون إمساكًا على وفاق العادة، وقد بينا أن مثله لا يكون عبادة، وإن لم يكن وجعلناه شرطًا لصومه في أول النهار فيكون هذا شرطًا متراخيًا عن العبادة ولا يوجد لهذا نظري في أصول الشرع فلا يمكن إثباته.
وأما مسألة جزء الصيد فنحن إنما ادعينا ما ادعيناه في النفل لا في
[ ٢ / ١٣٦ ]
الواجبات، والواجب لا يكون في معنى النفل بحال، فهذا الذي قلناه وجه الجواب عن النفل، وقد خبط الأصحاب فيه خبطًا عظيمًا.
وعندي أنه قد انزاح الإشكال عنه بالطريق الذي قلته فليعتمد عليه.
وإذا عرفت هذا الجواب على هذا الوجه، سهل الكلام على باقي ما أوردوه، ونشير إلى وجه الجواب عن بقية كلام على التخليص فنقول:
أما العذر الذي اعتقدوا وجوده لجواز النية من النهار فهو خوف فوات العبادة قلنا: لا فوت بحال، لأن القضاء قد وجب، والقضاء وجب شرعًا لئلا يقع الفوات فإذا وجب القضاء منع الفوات فكيف يجوز/ اعتقاد الفوات مع وجوه؟ وهذا لأنا نقطع أن من فاته صوم في رمضان بعذر فقضى يصير متلافيًا ما فاته من كل وجه، والخبر الذي أوردوه إنما هو فيما إذا ترك صومًا متعمدًا.
ثم نقول: النية شرط، والفوات الذي تحقق فهو فضيلة وقت، وفوات فضيلة الوقت لا يكون عذرًا في ترك شرط الصوم، لأن الشرط واجب، والفضيلة زيادة على واجب.
وأما قولهم: «إن الإمساك ينبغي أن يكون موقوفًا».
قلنا: إيقاف الإمساك في زمان ماض لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه.
وكذلك الجواب عن قولهم: «إنا نقيم وجود النية في الأكثر مقام النية في الكل».
فهذا لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه، وهذا لأن صوم كل اليوم واجب فتكون النية في كل
[ ٢ / ١٣٧ ]
يوم واجبة، فإذا لم يقم صوم الأكثر مقام الكل فلا تقوم نية الأكثر مقام الكل.
وأما مسألة المسبوق، فليس إثبات إدراك الركعة بإقامة أكثر الركعة مقام الكل، لأن ما أدركه ليس هو الأكثر على أصلهم، لأنه لم يدرك إلا الركوع والسجود، وقد فاته الأكثر وهو الافتتاح والقيام والقراءة.
فإن قالوا: قد وجد منه القيام، والافتتاح ليس من الصلاة فأي شيء فاته؟ ولأنه لو كان بإقامة الأكثر قيام الكل لوجب أن يجوز في حال الانفراد أيضًا، فدل أنه إنما جعلناه مدركًا بالنص من غير أن يعقل له معنى.
وأما مسألة نذر صوم شهر بعينه متتابعًا، ومخالفتها في المسألة الثانية، فليس لما ذكروه، بل لأجل أن ذكر التتابع في صوم شهر بعينه لغوًا.
وأما تعلقهم بفصل الحرج، فليس بشيء.
ويقال لهم: أولًا تعبير الشرائع بنوع حرج يلحق المتعبد لا معنى له، لأن الشرائع ثبتت على إيقاع الناس في الحرج والتعب، وهل التكاليف من أولها إلى آخرها إلى محض التعب والنصب؟ نعم، إذا وقعت ضرورة يجوز أن يشرع لها مخرج ومخلص دفعًا للضرورة، فأما اعتقاد المعتقد أنه لا حرج على العباد وأنهم متى حرجوا اتسع الأمر، فهذا مما لا يسوغ اعتقاد ويعود هو إلى أصل وضع الشرع بالهدم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فمعناه
[ ٢ / ١٣٨ ]
أنه ما أدخل عباده في شيء إلا وقد جعل لهم مخلصًا، وهو معنى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وجواب آخر نقول:
إن الحرج الذي قالوه نادر، والشرع العام لا يجوز أن يوضع بحرج نادر، وخرج على هذا تقديم النية، لأنه حرج عام فجاز وضع الشرع العام بالحرج العام، ولئن أمكن تصوير مثل هذه الأعذار النادرة واستخراجها بالمناقيش فيمكن مثل ذلك فيما بعد الزوال، وبالإجماع هو ساقط، ثم نقول تخريجًا لفصل تقديم النية على ما سبق من التحقيق: وهو أن العزيمة على فعل في المستقبل صحيح سواء أكان ذلك الفعل متصلًا بالعزيمة أو متراخيًا عنها، فأما إثبات العزيمة على فعل يفعله في الماضي فلا يجوز بحال، وهذا لأن الفعل لا يتصور في الزمان الماضي، والعزيمة لا تتصور أيضًا على الفعل أيضًا في الزمان الماضي.
وقد قال مشايخهم: إن الصوم مستحق عليه مع فوات النية من الليل بدليل أنه لا تجوز نية التفل، وإنما لم يجز لاستحقاق صوم الفرض عليه، وإذا كان صوم الفرض مستحقًا عليه فإذا فعله وجب أن لا يجوز، لأنه لا يتصور أن يكون الشيء مستحقًا عليه، وإذا فعله لم يجز.
ونحن لا نسلم ذلك، وإنما نقول: أصل الاستحقاق قائم ليقضيه في يوم آخر، فأما أن يستحق عليه الصوم في هذا اليوم وقد فاتته النية من الليل فلا نقول بحال.
وأما قولهم: «إنه لو نوى النفل لا يجوز».
قلنا: لم يكن عدم الجواز لما قلتم، بل، لأنه نوى النفل لا في وقت النفل، والله تعالى قد عين للنفل لوقتًا، وللفرض وقتًا فلا يجوز واحد منهما إلا في وقته، والله تعالى أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٣٩ ]