وفي الآخر يجب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقد روى عن جماعة من الصحابة القول بنفي الزكاة على الحلي منهم:
[ ٢ / ١٠١ ]
ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر، وأنس بن مالك، نقل عنهم بأسانيد معروفة.
وروى مثل ذلك عن التابعين: عن القاسم بن محمد، والشعبي، ومن الأئمة عن مالك، وأمد، وإسحاق.
وقد ذهب من أوجب الزكاة فيها إلى أخبار رووها في الباب منها:
ما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت النبي - ﷺ - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن
[ ٢ / ١٠٢ ]
يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار؟ قال: فخعلتهما وألقتهما إلى النبي - ﷺ - فقالت: هما لله ورسوله».
وذكر أبو عيسى هذا الخبر في جامعه وقال: «إن امرأتين أتتا النبي ﵇ في أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاتهما؟ قالتا: لا، فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من النار؟ قالتا: لا/ قال: فأديا زكاته».
[ ٢ / ١٠٣ ]
وروى أبو داود أيضًا برواية عبد الله بن شداد عن عائشة قالت: «دخل على رسول الله - ﷺ - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتها؟، قلت: لا، قال: هو حسبك من النار».
وروى الدارقطني بإسناده من عطاء عن أم سلمة: «أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فسألت النبي ﵇ عن ذلك، فقلت: أكنز هو؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنز.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وروى الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس قالت: «أتيت رسول الله - ﷺ - بطوق فيه سبعون مثقالًا من ذهب، قلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالًا وثلاثة أرباع مثقال».
وفي رواية أخرى عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي ﵇ قال: «في الحلي الزكاة».
وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: «قلت للنبي - ﷺ - إن لامرأتي حليًا من عشرين مثقالًا، قال: فأد زكاته نصف مثقال».
ونحن نقول: هذه الأخبار ضعيفة في الإسناد:
فالخبر الأول: رواه عمرو بن شعيب، والحسين المعلم،
[ ٢ / ١٠٥ ]
وابن ربيعة، والمثنى بن الصباح، والحجاج بن أرطأة، وهؤلاء كلهم ضعفاء في الرواية.
والخبر الثاني: رواه محمد بن عطاء عن عبد الله بن شداد، قال الدارقطني: «ومحمد بن عطاء هذا مجهول».
والخبر الثالث: رواه أبو حميد الحمصي عن عثمان بن سعيد
[ ٢ / ١٠٦ ]
الحمصي عن محمد بن مهاجر عن ثابت بن عجلان، وهذا إسناد مظلم، وأكثر الرواة ضعفاء مجاهيل.
والخبر الرابع: رواه أبو بكر الهذلي عن شعيب بن الحبحباب عن الشعبي، وأبو بكر الهذلي متروك لا يحتج بحديثه.
والخبر الخامس: رواه صالح بن عمرو عن أبي حمزة ميمون عن الشعبي.
[ ٢ / ١٠٧ ]
قال الدارقطني: أبو حمزة هذا ضعيف الحديث.
والخبر السادس: رواه عن حماد: يحيى بن أبي أنيسة.
قال الدارقطني: يحيى بن أبي أنيسة، متروك الإسناد، وهم، والصواب أنه مرسل موقوف.
وإذا ضعفت الأخبار من هذا الوجه فنصير إلى المعنى فنقول: مال مصروف عن جهة النماء إلى ابتذال مباح فلم تجب فيه الزكاة.
دليله: مال التجارة إذا جعلها للبذلة.
وتحقيقه: أن نقول: فقد محل الزكاة فلا تجب فيه الزكاة.
والدليل على أنه فقد محل الزكاة أن محل الزكاة هو المال النامي، لأنها واجبة بوصف اليسر، وعلى جهة المواساة ولا يتحقق هذا الوصف وهذه الجهة إلا أن يكون المال مالًا ناميًا، ولهذا المعنى لا تجب الزكاة، فيما دون النصاب، ولهذا يشترط الحول، لأن المال إنما يكثر ببلوغه نصابًا، والنماء يطلب في المال الكثير، والحول مشروط لتحقيق النماء.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول:
وصف النماء في الذهب والفضة بالتقلب والتصرف فإن هذه الجهة جهة منمية مثل التجارة في سائر الأموال، ولما اتخذ الحلي من الذهب والفضة
[ ٢ / ١٠٨ ]
فقد فاتت هذه الجهة، لأنه جعله ليلبسه ويتحلى به ويتزين به مثل ثوب يجعله للبسه وللتجمل به عند الناس، وهذه جهة صحيحة مطلقة شرعًا مثل اللبس في الثياب فيفوت بها جهة النماء، لأن التقلب والتصرف لا يكون إلا بإخراجه عن يده، واللبس والتحلي لا يكون إلا بإمساكه في يده فحصلت مضادة ومنافاة بين الجهتين، ولم يتصور اجتماعهما، فإذا تحقق الثاني فات الأول قطعًا، وإذا فات سقطت الزكاة لفوات محلها على ما سبق فهذا الذي قلناه معتمد المسألة، وسنبين كلامهم عليه، والجواب عنه، ويمكن أن يقال في الابتداء أن الحلي مشغول بحاجته، والزكاة لا تجب إلا في المال الذي يفضل عن حاجته مثل ثياب اللبس والعبيد للخدمة، والدواب للركوب، وهذا الكلام يصلح تقريرًا للأول والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم:
قالوا: (الزكاة حكم شرعي يتعلق بالذهب والفضة فيتعلق با لحلي. دليله: الربا).
ودليل تعلقها بالذهب والفضة أنها تجب بملك العين من غير شرط زائد، بدليل وجوبها في التبر والسبائك والدراهم المعدة للإنفاق.
والحرف أن الزكاة تجب في الذهب والفضة كيف ملكها وعلى أي جهة أمسكها فصارت متعلقة بنفس الملك من غير اعتبار معنى زائد عليه، فثبت أنه حكم متعلق بعينها مثل الربا سواء.
وقد قال بعضهم: إن الذهب والفضة مال التجارة بعينها لأنهما خلقا لذلك فبقيا مالين للتجارة ببقاء عينهما، والزكاة واجبة في مال التجارة.
[ ٢ / ١٠٩ ]
والدليل على أنهما خلقا للتجارة أنههما خلقا للتقلب والتصرف والتوصل بهما إلى الفوائد المالية، وهذا هو التجارة.
قالوا: وأما قولكم: «إنه فاتت جهة النماء باتخاذ الحلي».
فليس كذلك، لأنهما لما خلقا للتجارة فلم يفت ذلك بفعل من العباد.
وتحقيقه: أن الذهب والفضة صارا للتجارة بعينهما وعينهما باقي.
وربما يقولون: صارا للتجارة لقبولهما جهة التقلب والتصرف، وهذا المعنى قائم/ بعد اتخاذ الحلي للتجارة، وهذا لأن التزين والتحلي بالذهب والفضة ليس بمضاد لجهة التجارة بالوجه الذي قدمنا.
قالوا: وخرج على هذا عروض التجارة، لأنها صارت للتجارة بمعنى عارض وقد ترك العارض فخرجت عن جهة التجارة، أما ههنا إنما صار هذا المال مال التجارة لا مال بعارض بعينه وباتخاذ الحلي ما فاتت العين فبقى مالًا للتجارة.
يبينه: أن نهاية ما في الباب أن الحلي يعد للإمساك فإذا لم يكن صار الذهب والفضة للتجارة بالإعداد للتقلب والتصرف، والإعداد للتقلب والتصرف لا يفوت بالإمساك.
ألا ترى أنه لو لم يعده للتقلب والتصرف بل أعده للنفقة أو دفنه في موضع ليكون ذخيرة له وجبت الزكاة، بل صار للتجارة بمجرد وجود العين، فكذلك ههنا بالإعداد والإمساك للتحلي والتزين لا يخرج عن كونه مال التجارة وهذا فصل معتمد.
قالوا: ولأن التحلي والتزين جهة دون جهة التقلب والتصرف لأن التقلب والتصرف بهما قيام المعاملات وبالمعاملات بقاء العالم.
وأما التخلي والتزين فلا يتعلق به القوام إنما هو من فضول الحاجات،
[ ٢ / ١١٠ ]
فإذا ثبت أن هذه الجهة دون تلك الجهة، فالشيء لا يرتفع بما دونه كما لا ينسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد.
قالوا: وبهذا فارق عروض التجارة إذا جعلها للبذلة والمهنة، لأنه جهة مثل جهة الأولى، لأن القوام متعلق بالجهتين فاستويا فجاز أن ترتفع الأولى بجهة مثلها، وعلى هذا خرجت الجواهر إذا اتجر فيها حيث تصير للتجارة، لأنها خلقت لجهة التزين، وإذا صرفها إلى جهة التجارة فقد صرفها إلى جهة فوقها فجاز أن ترتفع الأولى بها.
وقد تعلق كثير منهم بالحلي إذا كانت للرجال، فإن الزكاة فيها واجبة بالاتفاق.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذه الجهة محظورة على الرجال، لأن الصرف عن جهة النماء إذا حصل سقط الزكاة سواء أكان بجهة محظورة أو بجهة مباحة.
ألا ترى أن السائمة من الإبل إذا علفها بعلف مغصوب سقطت زكاتها، وكذلك ثياب التجارة من الحرير إذا اتخذها الرجل للبسه سقطت زكوتها، وكذلك البقر السائمة إذا جعلها عوامل لنقل الخمر فإنه تسقط زكاتها.
الجواب:
أما قولهم: «إن الزكاة تتعلق بعين الذهب والفضة».
قلنا: إن عنيتم أنها تعلقت بعينهما لا لمعنى، فلا نسلم، وإن عنيتم لمعنى فمسلم، وهذا كالسوائم تتعلق الزكاة بأعيانها لمعنى، كذلك ههنا.
فإن قالوا: «فأيش ذلك المعنى».
قلنا: وصف النماء وقد فات في مسألتنا على ما سبق.
[ ٢ / ١١١ ]
وأما الربا يتعلق بعينها بنص الشارع وعينهما باقي.
قالوا: «إن عندكم علة الربا الثمنية وقد زالت باتخاذ الحلي».
قلنا: نحن نقول إن جريان الربا حكم متعلق بعين الذهب والفضة، وأما العلة بالثمنية لم يكن لأنه غير متعلق بعين الذهب والفضة بل لمنع إلحاق غير الذهب والفضة بالذهب والفضة.
وقد قال بعض أصحابنا: إن العلة كونهما جوهري الأثمان وهذا المعنى باقي بعد الصنعة.
ومنهم من قال: إن لم يبق حقيقة الثمنية بعد صنعة الحلي فقد بقيت شبهة الثمنية، والتحريم يثبت بشبهة الربا، وأما الزكاة لا تجب بشبهة النماء بل تجب بحقيقة النماء.
وأما قولهم: «إن وصف النماء أو صفة التجارة قائمة بعد صنعة الحلي».
قلنا: قد دللنا على الفوات ثم يتبين وجه ذلك على ما يمكن الاعتماد عليه فنقول: إن الله تعالى خلق الذهب والفضة لمنافع العباد فكل منفعة يجوز حصولها من الذهب والفضة، فهما مخلوقان لذلك، فعلى هذا خلق الله تعالى الذهب والفضة لمنفعة التقلب والتصرف، ولمنفعة التحلي والتزين وغير ذلك، إلا أن في الابتداء تعين جهة التقلب والتصرف ويجعل الذهب والفضة كأنهما خلقا لذلك، لأن هذه المنفعة أعم من منفعة التحلي والتزين.
ألا ترى أنها تعم الرجال والنساء، ومنفعة التحلي والتزين تختص بالنساء، وإنما يجوز للرجال في الفضة على الخصوص في شيء معين من خاتم وما يشبهه، وهو شيء يسير لا يقع الالتفات إليه فتعين جهة التجارة بهذا الرجحان، إلا أنه مع ذلك يقبل أن يجعل للمنفعة الأخرى، ويصرف
[ ٢ / ١١٢ ]
إليها بعارض من صنعة مباحة مشروعة لذلك النوع من المنفعة على الخصوص، فإذا صرف وصنع انصراف عن تلك الجهة إلى هذه الجهة، وفات صفة النماء، وهي شرط وجوب الزكاة فسقطت لفقدان شرطها، وهذا كالثياب والدواب خلقت لمنافع فيها، وتعينت في الابتداء لجهة البذلة بنوع دليل ثم إذا صرفها عنها بفعل التجارة انصرف ووجبت الزكاة، فإذا عرفنا هذا الأصل فيخرج عليه ما ذكروا من المعنى، وما تعلقوا به من الأحكام.
وأما قولهم: «إن جهة التجارة/ تبقى بعد صنعة الحلي».
قلنا: جهة التجارة وجهة البذلة جهتان مختلفتان، والشرع قد علق بكل جهة حكمًا يخالف الجهة الأخرى، ولا يجوز أن يحكم باجتماعهما، بل إذا ثبتت إحداهما انتفت الأخرى، كما لو جعل ثياب البذلة للتجارة.
وقولهم: «إنه تصور فيه التقلب والتصرف بعد اتخاذه حليا».
قلنا: هذا كمن يقول إن الثياب والدواب يتصور فيهما اللبس والركوب بعد جعلهما للتجارة، ثم ذلك الزعم باطل، كذلك ههنا، وعلى أنا بينا وجود ضدية ومنافاة بين الجنسين محسوسًا ومشروعًا.
وأما قولهم: «إنه صار للتجارة بعينه من غير اعتبار معنى وراء العين».
قلنا: بلى، ولكن بنوع دليل مرجح لهذه الجهة على غيرها مع قبول العين جعلها مشروعًا ومحسوسًا لجهة أخرى، فإذا جعل لتلك الجهة وصرف عن هذه الجهة صار لها، وفاتت هذه الجهة مثل الثياب والدواب.
وأما قولهم: «إن جهة التحلي والتزين دون جهة التجارة».
[ ٢ / ١١٣ ]
قلنا: وجهة التجارة دون جهة اللبس والأكل والشرب في الدواب والثياب، لأن قوام الحياة يتعلق بعين هذه الأشياء.
وأما التجارة فلا يتعلق قوام الحياة بها، إنما هي طريق التوصل إلى ما يتعلق به القوام فيكون دون الأول قطعًا، ومع ذلك ينصرف إليها بالصرف، وعلى أن جهة التحلي والتزين جهة مقصودة مطلوبة بدليل قوله تعالى: ﴿واَلْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِيِنَةً﴾.
فقد أخبر أنه خلقهما لهذين وجعلهما بمنزلة واحدة، ولأنه تعالى خلق الجواهر سوى الفضة والذهب في الابتداء للتحلي والتزين وإن قبل الانصراف عنه على غيره مثل ما خلق الذهب والفضة في الابتداء للتجارة، وقبل الانصراف إلى غيره، فاستويا منفعة التجارة ومنفعة التزين من هذا الوجه، لأنه ما يفوته الإنسان باختياره لا يفرق بين أن يفوته إلى شيء مثله أو فوقه أو دونه مثل الاعتياض عن المالية في الأشياء يجوز أن ينقل إلى ما هو مثله أو فوقه أو دونه.
أما المسائل التي تعلقوا بها فنقول:
إذا عرف الأصل الذي ذكرنا سهل التخريج عليها، لأن جهة التجارة إنما تفوت وتزول بفعل محقق للصرف والإزالة، وذلك لا يوجد إلا بعد اتخاذه حليًا بالصنعة المعروفة، ولا يوجد هذا إلا بالسبك ولا بإعداده للنفقة، ونية الإنفاق لا يلتفت إليها، لأنه لم يكن للتجارة بالنية حتى تفوت بنية أخرى، وإنما كان ببقائه على أصل الخلقة من غير أن يوجد عارض صنعة مغيرة، وفي الذهب والفضة المضروبة إن وجد عارض صنعة، فإنما وجد عارض صنعة محققة لجهة التجارة لا عارض صنعة مغيرة مفوتة بخلاف صنعة الحلي على ما سبق.
[ ٢ / ١١٤ ]
وأما الحلي للرجال فالصرف لم يوجد لحظرية الصنعة فكأن الشرع لحظرية الصنعة جعل الصنعة كالمعدومة، وصار كأنها باقية على الجهة التي كانت عليها من قبل.
وأما المسائل التي أوردوها على هذا العذر:
ليس يلزم، لأن تلك الأفعال وإن كانت محظورة لكن تضمنت ترك جهة التجارة، أو جهة السوم، فلذلك سقطت الزكاة، وهذا الترك لا يوصف بالحظر والحرمة، وقد كانت جهة السوم والتجارة بفعله فتزول بتركه.
وههنا أيضًا يمكن أن يقال إنه باتخاذ الحلي وإن كان محظورًا ترك جهة التجارة لكن لم تكن جهة التجارة بفعله حتى يزول بتركه، بل كان بنوع دليل قام عليه من الشرع فينصرف عنها بشرع مثله وقد صرفه عنها بشرع صحيح، وابتذال مشروع وصنعة مباحة مطلقة فانصرف وسقط الوجوب. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١١٥ ]