وعندهم يجوز إذا لم يكن غالبًا عليه.
وموضع الخلاف إذا تغير بالزعفران أو العصفر وما يشبه ذلك.
وقد قال بعض أصحابنا: إنه إنما لا يجوز إذا تفاحش/ التغير، فأما إذا كان التغير يسيرًا فإنه يجوز.
وقد قال بعض أصحابهم مثل ذلك.
فعلى هذا لا خلاف، وقد ذكر المتقدمون المسألة على الاختلاف الذي ذكرناه وأطلقوها إطلاقًا من غير تقييد وتفصيل فنتكلم عن ذلك فنقول:
[ ١ / ٥٢ ]
الوضوء شرع ورد إقامته بالماء المطلق في الكتاب والسنة فإذا أقامه لا بالماء المطلق لم يجز. لأن المقيد غير المطلق، وهذا لأنه إذا كان غيره فالدليل الوارد في أحدهما لا يكون واردًا في الآخر وإنما قلنا: إن هذا الماء ليس بماء مطلق الاسم والمعنى. أما من حيث الاسم فلأنه يقال له «ماء الزعفران» فيقيد اسمه بالزعفران ولا يطلق إطلاقًا.
وأما من حيث المعنى فلأنه يقصد ويطلب لخلطه لا لعينه وهذا مخيل جدًا لأنه إذا طلب ماء الزعفران فصار هو المقصود، وكان الماء الذي هو محله كالتابع له، وصار هذا كماء الورد والمرق، فإنه لما طلب لرائحته صار المقصود، والمرق لما طلب لدسمه كان هو المقصود أيضًا، كذلك هاهنا.
وأما حجتهم:
قالوا: لم يوجد إلا مجرد التغير، وتغير الماء لا يسلب وصف الطهورية منه- كما لو تغير بطول المكث، وكما لو تغير بالطين أو الطحالب أو الورق.
قالوا: وبهذا نعترض على قولكم: إنه ليس بماء مطلق، لأنه مجرد التغير لا يزيل اسم الماء على الإطلاق بدليل ما قدمنا.
وأما قولكم: «إنه يقال ماء الزعفران» فمعناه الماء الذي وقع فيه الزعفران وعلى أنه كما يقال: ماء الزعفران يقال: ماء الكبريت وماء البير وماء البحر فتقيد بهذه الأشياء ومع ذلك يجوز التوضئ به.
وقولكم: «إنه يقصد لخلطه» فيرد عليه ماء الكبريت، والماء المسخن فإنه يطلب لصفته لا لذاته ومع ذلك كان بمنزلة سائر المياه.
[ ١ / ٥٣ ]
قالوا: وأما ماء الورد والمرق فليس بماء بل هو طيب، وطعام سنة أنه تعمل النار فيه استجد اسمًا آخر.
فدل أن الاسم الأول فات منه بخلاف مسألتنا، فإنه مستبق على الاسم الأول غير أنه تقيد بالزعفران ليدل على الواقع فيه، والمخالط إياه مثل ما قدمنا.
وقال بعضهم: لو كان تغيره بالواقع فيه يمنع جواز الوضوء لكان نفس الوقوع مانعًا أيضًا، كالواقع النجس.
الجواب:
أما قولهم: «لم يوجد إلا مجرد التغير».
قلنا: عندنا نفس التغير غير مانع من التوضئ به إنما المانع زوال اسم الماء على الإطلاق، ويمكن أن يقال: إن السالب للطهورية تغير مزيل لإسم الماء المطلق.
وقولهم: «إن هذا ماء مطلق».
قلنا: كيف يصح هذا واسمه ماء الزعفران لا الماء المجرد، والمعنى المطلوب منه المقصود فيه الزعفران، لا أنه الماء لذاته وعينه على ما سبق.
وقولهم: «إنه يقال ماء الزعفران أي الماء الذي وقع فيه الزعفران».
قلنا: فقولوا مثل هذا في ماء الورد وهو أنه الماء الذي أغلى بالورد.
وأما قولهم: «إن هناك تجدد له اسم آخر».
قلنا: وهاهنا إذا تفاحش التغير فتجدد له اسم آخر فيسمى المتغير بالزعفران صبغًا وبالزاج حبرًا، وعلى أن المانع هو التقييد الذي قلناه.
[ ١ / ٥٤ ]
وقد ذهب الاسم المطلق منه وعرض التقييد، وأما ماء الكبريت وماء الآبار والبحار فهو إضافة له إلى مواضعه، وهذا لا يوجب زوال اسم الماء المطلق منه.
وأما المسخن والأجاج والكدر والعذب فهذه الأشياء صفات الماء المطلق مثل الحسن والقبح والبياض والسواد صفات الآدمي المطلق.
ألا ترى أن الماء في الأصل منوع إلى هذه الأنواع ويوجد على هذه الصفات بخلاف الصفة التي تنازعنا فيها.
وأما التراب والطحلب والورق فهذه الأشياء لا يمكن صون الماء منها على ما عرف فأعرض عن التغير الحاصل بها، أو يقال: يعفى عن التغير بها لعموم البلوى مثل ما يعفى عن دم البراغيث لعموم البلوى.
وقد قيل: إن التراب ليس له مع الماء مخالطة حقيقة، ألا ترى أنه بمضي الزمان ينزل إلى قراره ويصفو الماء الذي هو محله.
وقد قال الأصحاب: إن المخالط للماء على ثلاثة أصناف:
ما هو موافق له في صفتي الطهارة والطهورية كالتراب، ومخالف فيهما كالنجاسة، وموافق في الطهارة مخالف في الطهورية كمواضع الخلاف في مسألتنا، فالمخالف في صفتيه يسلبهما/ والموافق في صفتيه لا يسلبهما، والموافق في إحدى الصفتين دون الأخرى يسلب الصفة المخالفة دون الموافقة والاعتماد على ما سبق.
[ ١ / ٥٥ ]
وقولهم: «إن بنفس الوقوع لا يزول الطهورية».
قلنا: لأنه لا يزيل اسم الماء المطلق بخلاف ما إذا تغير، وعلى أنه ينتقض بالماء الكثير والماء الجاري فإن تغيره بالنجاسة يسلب صفة الطهورية بخلاف نفس الوقوع. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٥٦ ]