وعندهم يجوز من غير نية.
لنا:
إن الوضوء طهارة شرعية فيتبع فيها مورد الشرع، والشرع ورد بالوضوء للصلاة بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ الآية، والمعنى: فاغسلوا هذه الأعضاء للصلاة مثل قول القائل: «إذا جاء الشتا فتأهب» أي فتأهب للشتاء، و«إذا لقيت الأسد فاحذر» أي فاحذر من الأسد، والوضوء للصلاة هو النية التي وقع الخلاف فيها، فإذا توضأ لتعليم الغير أو للتنظيف أو اغتسل للتبرد فلم توجد الطهارة الشرعية، والطهارة بغير طهارة لا تجوز، ونظير
[ ١ / ٦٤ ]
هذا التيمم، فإن التيمم لما كانت طهارة شرعية والشرع أمر به للصلاة لم يكن طهارة في غير مورد الشرع كذلك هاهنا.
فإن قالوا: عندكم لو توضأ لا للصلاة لكن لمس المصحف أو سجود التلاوة يجوز وضوءه.
قلنا: الأصل هو الوضوء للصلاة إلا أن النية ما لا يستباح شرعًا إلا بالوضوء ألحق بالصلاة من حيث المعنى وحصلت الطهارة الشرعية بها، وذلك لمعنى وهو إنه نوى بوضوءه ما لا يستباح شرعًا إلا به فصار كما لو نوى الصلاة، وإنما قلنا إن الوضوء طهارة شرعية لأنه لا تعرف طهارة الأعضاء الأربعة عن الحدث باستعمال الماء إلا شرعًا، يبينه أن عمل الحدث في الأعضاء لما كان محض شرع فكذلك رفعه، وتحصيل الطهارة في محله يكون محض شرع.
وقد قال الأصحاب في هذه المسألة: إن الوضوء عبادة فلا يتأدى إلا بالنية لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
والإخلاص عمل القلب وذلك بالنية.
واستدلوا على أنه عبادة بقوله ﵇: «الوضوء شطر الإيمان».
[ ١ / ٦٥ ]
فإذا كان الإيمان عبادة فشطره عبادة، لأن النبي ﵇ قال: «أمتي غر محجلون من آثار الوضوء»، وأثر العبادة يبقى إلى الآخرة، فأما أثر غيرها فلا، والخبران صحيحان، ولأن العبادة فعل يأتي به العبد على جهة التقرب إلى الله تعالى بأمره لثواب الآخرة، وهذا الحد موجود في الوضوء، وإذا ثبت أنه عبادة لم يتصور بغير نية، لأن النية شريطة العبادات فلا يحصل بدون شرطها، وهذه الطريقة وإن كانت حسنة لكن الأولى أحسن وأدل على حقيقة المسألة، وهي داخلة في الطريقة الأولى معنى على ما يتبين من الجواب عن كلامهم.
وأما حجتهم:
تعلقوا بالآية، وزعموا أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء الأربعة فلا يجب شيء سوى الغسل.
يدل عليه أن شرط النية زيادة على الغسل لا يدل عليه ذكر الغسل فيكونه زيادة على النص الوارد في الكتاب، والزيادة على النص نسخ، لأنه يتضمن تغيير حكمه وبيان التغيير في مسألتنا أن نص الآية اقتضى إطلاق الصلاة عند غسل الأعضاء الأربعة، فإن تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وصلوا، كما يقال: إذا دخلت على الأمر تلبس وتطيب، أي افعل ذلك وادخل عليه.
وعند شرط النية يتغير هذه الحكم لأنه لا يطلق له الصلاة لما لم ينو.
[ ١ / ٦٦ ]
وهذا أمر وراء الغسل الذي ورد به نص الكتاب فيكون إثباتًا بتغير حكم الكتاب على ما سبق.
وأما من حيث المعنى قالوا: الطهارة شرط الصلاة، والوضوء وجب بحصول الطهارة وقد حصلت الطهارة/ وإن لم ينو فسقط عنه الأمر بالوضوء كما لو توضأ مرة سقط عنه فعله مرة أخرى.
والدليل على حصول الطهارة وإن لم ينو أن الله تعالى خلق الماء طهورًا كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي خلقنا.
والطهور اسم لما يحصل به الطهارة كالقطوع اسم لم يحصل به القطع فإذا استعمله في الأعضاء طهرها، لأنه عمل له بذاته وعينه ولا يتبدل ذلك لقصد المستعمل وعدم قصده، وصار هذا نظير إزالة النجاسة فإن استعمال الماء في المحل النجس أوجب تطهير المحل سواء قصده أو لم يقصده.
ونظيره من الحسيات الماء المروي إذا شربه الإنسان روى بذاته لا بقصد الشارب والطعام المشبع إذا أكله حصل الشبع بذاته لا بقصده قالوا: فإن قلتم هذا الكلام صحيح في الحسيات، فأما في الحكميات فلا، والطهارة في مسألتنا طهارة حكمية لا حسية.
فنقول: إن طهارة المحل باستعمال الطهور في محل النجاسة أمر حقيقي بحصول الري بشرب الماء.
فإن قلتم: «لا نجاسة في أعضاء الوضوء».
[ ١ / ٦٧ ]
نقول: هي في حكم النجس إلا أن النجاسة عرفت شرعًا، فإن النجاسة في حق الصلاة ما يمنع من الصلاة، وإذا كانت الأعضاء نجسة حكمًا فما يرجع إلى الصلاة صار الزوال إلى الطهارة باستعمال الطهور عملًا لذات الماء وحكمًا له خلقة وطبعًا.
قالوا: وإنما لم يجز الوضوء بغير الماء (لأن الخل طهور لا لعينه، فإن الله تعالى لم يخلقه طهورًا بل هو طهور لمعناه، وهو إزالة عين النجاسة ولم يثبت ذلك في أعضاء المحدث)، فلم يكن طهورًا في حقه لهذا المعنى.
قالوا: وعلى هذا نسلم أن الوضوء عبادة لكن ليست مقصودة لعينها بل المقصود منه التمكن من الصلاة لحصول الطهارة فإذا حصلت الطهارة بأي وجه كان سقط، كالسعي إلى الجمعة يسقط بسعي لا للجمعة، بأن يكون لطلب غريم أو لقاء إنسان، لأن المقصود منه التمكن من الجمعة بالحصول في المسجد فعلى أي وجه حصل سقط الأمر، كذلك هاهنا.
وحرفهم في هذا أن العبادة متى لم تكن مقصودة سقط بحصول المقصود دون العبادة كالسعي إلى الجمعة والجهاد وغير ذلك.
قالوا: «وإذا عرفت هذا ظهر الفرق بين الوضوء والتيمم، فإن التراب ما خلق طهورًا ليطهر أعضاء المحدث بطبعه، وكان القياس أن لا يحصل بالتراب الطهارة وإن نوى إلا أن الشرع جعل التراب طهورًا للصلاة إذا عدم الماء فما لم يرد الصلاة عند المسح لا يكون التراب طهورًا، كما لم يعدم الماء، وإذا لم يصر طهورًا لم يفد استعماله طهارة، وإذا أراد الصلاة فالآن صار التراب طهورًا ثم الطهارة تحصل باستعماله بغير نية الطهارة،
[ ١ / ٦٨ ]
فصارت الطهارتان غير معتبرتين في حق النية بل الماء والتراب افترقا في صفة الطهورية فالماء طهور بنفسه، والتراب طهور بشرط إرادة الصلاة».
قالوا: وأما تعلقكم بالآية فلا معنى له، لأن الآية قوله تعالى: ﴿فاغْسِلُوا﴾ أي فاغسلوا لتحصل لكم الطهارة وتتمكنوا من أداء الصلاة وقد حصلت الطهارة الممكنة من أداء الصلاة وإن لم يتوضأ للصلاة فهذا مجموع كلامهم تحقيقًا ذكرناه على الاختصار.
الجواب:
أما التعلق بالآية فقد بينا أنها دليل عليهم.
وأما قولهم: «إن الآية لا تقتضي إلا الغسل».
قلنا: قد ذكرنا أن مقتضى الآية غسل الأعضاء للصلاة، وهذا هو معنى النية.
وأما قولهم: «إن شرط النية زيادة على نص الكتاب، والزيادة نسخ».
قلنا: قد ذكرنا أن بالكتاب عرفنا شرط النية، وعلى أن النسخ هو تغيير الحكم، وحكم الآية غسل الأعضاء الأربعة، وليس في الآية تعرض النية لا بنفي ولا بإيجاب، فإيجابها لا يكون تغييرًا لحكم الآية، لأن حكم الآية على ما كان من قبل، وإنما القياس دليل آخر تعرض لشيء لم يتعرض له الكتاب أصلًا فلم يكن تغييرًا لحكم الكتاب.
وقولهم: «إن الآية اقتضت إطلاق الصلاة بغسل الأعضاء الأربعة».
[ ١ / ٦٩ ]
قلنا: ذلك عند عدم الدليل على وجوب شرط زائد من نية أو ترتيب أو غير ذلك، فأما مع قيام الدليل على النية أو الترتيب فلا، وقد قام الدليل لنا على/ النية وغير ذلك من الشرائط، وبهذا نقول: إن إيجاب طهارة البدن والثوب والغسل من الحيض وغير ذلك لا يكون نسخًا بل هو ضم شريطة إلى شريطة، كذلك هاهنا.
وأما المعنى الذي قالوه فضعيف جدًا، لأن عمدتهم هو أن الطهارة قد حصلت بدون النية ولا نسلم ذلك وهل وقع النزاع إلا في هذا.
فأما قولهم: «إن الماء طهور بذاته وعينه».
قلنا: هذا الأصل لا يمكن القول به في الطهارة عن النجاسة، لأنها طهارة حسية والماء مطهر للمحال من حيث الحس.
فأما الطهارة عن الحدث فلا يمكن إثباتها بهذا الطريق بحال، لأنها طهارة حكمية، ومعنى قولنا: «طهارة حكمية» أنها إثبات طهارة في محل شرعًا لا يعقل له معنى سوى التعبد.
والحرف إن الماء طهور حسًا، والواجب طهارة حكمًا، فكونه طهورًا حسًا لا يفيد الطهارة الحكمية، نعم يجوز أن يقال: يفيد الطهارة الحسية فلا جرم نقول لا تعتبر النية في الطهارة عن النجاسة للمعنى الذي قالوه. فأما الطهارة الحكمية فلا تثبت إلا بالشرع، لأن الأحكام لا تثبت إلا شرعًا ولا تنفى إلا شرعًا، والشرع ورد بالوضوء للصلاة على ما سبق فلا تثبت الطهارة في غير هذا الموضع، ويمكن أن يقال: إن محز الكلام في المسألة هو (إن الطهارة باستعمال الماء يحكم إنه عبادة أم بنفس الماء، فعندنا باستعمال الماء يحكم إنه عبادة، وعندكم بنفس الماء وطبعه، فنقول ما قلناه أولًا، لأنه لا نجاسة بالأعضاء حتى يزيلها الماء بطبعه)
[ ١ / ٧٠ ]
فكان ثبوت الطهارة لإقامته عبادة باستعمال الماء وإقامته العبادة باستعمال الماء هو نيته وإرادته فإذا لم توجد لم يكن عبادة، وإذا لم يكن عبادة لم تحصل الطهارة.
وقولهم: إن «أعضاء المحدث نجسة حكمًا».
قلنا: «إنه مانع من الصلاة».
قلنا: بلى ولكن من حيث الحدث لا من حيث النجس، والمانع من الصلاة يكونه من وجهين: حدثًا تارة، ونجاسة أخرى، والطهارة من كل واحد غير الطهارة من الآخر، والدليل على المغاير بين الحدث وبين النجاسة أن قليل النجاسة معفو عنها ولا يعفى عن قليل الحدث، ولأن المسح يدخل في طهارة الحدث ولا مدخل له في طهارة النجاسة بحال.
وأما السعي إلى الجمعة فمعنى حسي فإذا حصل في مكان الجمعة سقط السعي عنه، لأنه لا معنى في إيجاب السعي إلى الجمعة عليه وهو حاضر في مكانها وعند إقامتها. وأما في مسألتنا فقد بينا أن الطهارة حكمية فلا تثبت إلا بدليل الشرع وقد انتفى طريق الشرع عند عدم النية فانتفت الطهارة.
وفي المسألة كلام كثير للمشايخ تركناه واقتصرنا على هذا.
وخرج بعض أصحابنا إزالة النجاسة على قولنا: إن الوضوء عبادة.
وقال: إن إزالة النجاسة إنما هو تنزه وتنظف وذلك محض مرؤة.
وربما يقولون: طريقها طريق التروك، لا طريق العبادات، ويدخل عليه الصوم، والاعتماد على ما سبق من التخريج، والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٧١ ]