وعندهم: يضم أحد النقدين إلى الآخر ويحكم بكمال النصاب إلا أن أبا حنيفة قال: يضم بالقيمة.
وعند أبي يوسف ومحمد يضم بالأجزاء.
[ ٢ / ٩٥ ]
لنا:
إنهما مالان من جنسين مختلفين فلا يضم أحدهما إلى الآخر في نصاب الزكاة، دليله البقر والغنم.
والدليل على أنهما مالان من جنسين مختلفين، لأن أحدهما ذهب والآخر فضة، وكل واحد من الاسمين اسم للعين، فإذا تغايرا اسمًا تغايرًا عينًا، لأنا نعلم قطعًا أن الذهب غير الفضة والفضة غير الذهب، بدليل الصورة والمالية، فإنهما اختلفا صورة ومالية، ولئن جاز أن يقال إنهما مال واحد جاز أن يقال إن البقر والغنم واحد أيضًا. وإذا ثبت هذا الاختلاف عينًا ثبت الاختلاف جنسًا، واستمرت العلة وصحت.
ويدل عليه: من حيث الحكم أن الربا لا يجرى بينهما ولو كان من جنس واحد يجرى بينهما الربا، وحين لم يجر الربا دل أنهما جنسا مختلفان، وقد تأيد الاستدلال بهذا الحكم بنص الرسول - ﷺ - وهو قوله ﵇: «فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدًا بيد».
ونقول من حيث التحقيق: إن الضم محسوس غير معتبر بدليل ضم البقر إلى الغنم والغنم على البقر لا يعتبر، وإنما اعتبر الضم حكمًا فلابد من دليل ولم يوجد.
[ ٢ / ٩٦ ]
وأما حجتهم:
قالوا: الذهب والفضة في حق الزكاة في حكم مال واحد فيكمل نصاب بعضه بالبعض كالكسور والصحاح والمعز والضأن.
وإنما قلنا ذلك، لأن الزكاة تجب في الأموال بوصف النماء على ما عرف، والنماء في الذهب والفضة بصفة الثمنية، وصفة الثمنية صفة منمية لأنها صفة التجارة وطريق التوصل إلى الأشياء، والذهب والفضة من حيث الثمنية في حكم مال واحد، لأنهما خلقا ثمنًا للأشياء فوجب ضم بعضه إلى البعض كما وجب ضم أموال التجارة بعضها إلى بعض.
يبينه: أنها باعتبار الثمنية صار مالًا للتجارة فصار كالعروض التي يعدها للتجارة.
ولهذا قال أبو حنيفة: إنه يضم باعتبار القيمة/ لأنهما إذا صارا مالي التجارة فكان الضم بالقيمة كسائر أموال التجارة.
وريما يتعلقون باتفاق الواجب فيهما، فإنه ربع العشر بكل حال، وكذلك اتفاق النصاب فإن كل دينار يعدل بعشرة دراهم، وعلى هذا يكون نصاب الدنانير مثل نصاب الدراهم.
قالوا: ولأن كل واحد منهما يضم إلى سلع التجارة فإذا ضممناها إلى سلع التجارة حضم الضم بينهما ضرورة.
[ ٢ / ٩٧ ]
الجواب:
أنا دللنا على أنهما مالان مختلفان جنسًا وتعلقنا بالحكم والحقيقة.
وأما قولهم: «إنما خلقًا للثمنية فيكونا مالًا واحدًا في المعنى».
قلنا: ولم لا يجوز أن يختلفا جنسًا، وإن كان خلقا لشيء واحد، لأنه غير مستنكر ولا مستبدع أن يخلق الله تعالى أشياء كثيرة لمعنى واحد، وهذا لأنه إذا خلق شيئًا واحدًا لمعنى واحد ضاق الأمر على الناس، وإذا خلق أشياء كثيرة لمعنى واحد اتسع الأمر على الناس وزال الضيق حتى إذا تعذر وصوله إلى واحد في ذلك المعنى وصل إلى غيره.
والدليل على جواز ما قلناه أن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾.
فقد أخبر أنه تعالى خلق هذه الأشياء لمعنى واحد، ومع ذلك لم يجعل الجميع كمال واحد، وليس كمال التجارة.
ولأن نصاب أموال التجارة من قيمتها، وإذا كان النصاب من قيمتها صار الجنس واحدًا، لأنه يقومها إما بالدنانير أو بالدراهم أو بالدراهم وينظر إلى ما اشترى من العروض بها من هذين النقدين فإذا قوم بأحدهما فهو مال واحد وتكميل النصاب جرى في مال واحد لا في مالين مختلفين بخلاف مسألتنا، فإن نصاب الدراهم والدنانير من أعيانها. ألا ترى أن كل جنس لو انفرد لم تجب الزكاة حتى يكمل نصابًا من عينه، قلت القيمة أو كثرت كالسوائم سواء بخلاف الثياب وسائر العروض إذا كانت للتجارة، فإن ثوبًا لو بلغت قيمته ألفًا كان نصابًا، وثياب كثيرة إذا لم تبلغ قيمتها
[ ٢ / ٩٨ ]
نصابًا لم يكن نصابًا. فإن قيل: إنما كن كذلك، لأن الجودة من كل واحد منهما غير متقومة إذا انفرد، وإذا لم يتقوم، فلهذا اعتبر كمال النصاب عينًا فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب عينًا فأما عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب بالقيمة، وعند الانفراد لم تظهر قيمته فأكمل النصاب بالعين.
قالوا: (وهذا كما قلنا فيمن غصب قلبًا فقسمه ثم رد على صاحبه فأخره صاحب القلب وأراد أن يضمنه قيمة الجودة لم يكن له ذلك، لأنه أراد أن يضمن الجودة بانفرادها، ولو أراد أن يترك الأصل عليه ويضمنه بخلاف جنسه جيدًا كان له ذلك) بخلاف مسألتنا.
والجواب:
إن الجودة مال متقوم، وإنما سقط اعتبارها في موضع مخصوص بالنص ففيما وراء ذلك الموضع هي معتبرة متقومة، ومسألة القلب المقسوم على أصولهم، وعلى الأصح من الوجوه لأصحابنا له أن يضمنه الجودة من جنس الفضة، لأن الربا إنا يعتبر في المعاقدات، فأما في ضمان الإتلاف فلا.
وأما قولهم: «إن الواجب واحد وهو ربع العشر».
قلنا: هذا لا يدل على اتفاق الجنسين بدليل العشر في الأجناس الخارجة من الأرض، وكذلك الخمس في الغنائم المشتملة على الأجناس المختلفة.
وأما قولهم: «إن النصاب واحد».
فليس كذلك، لأن الدنانير عندنا غير معدلة بعشرة دراهم
[ ٢ / ٩٩ ]
بل هو معدل بإثني عشر درهما فلم يتفق النصاب والنصاب.
وأما قولهم: «إن كل واحد منهما يضم إلى السلعة».
فهذه الصورة كل صورة يوردونها على مذهبهم، وعندنا ينظر إلى الذي اشترى به السلعة فإن كان دراهمًا تقوم السلعة بها ويضم إليها الدراهم ولا يضم الدنانير وكذا على العكس فلا ضم عندنا على ما زعموا. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٠٠ ]
(مسألة)