(مسألة)
إذا انفرد الواحد برؤية هلال رمضان لزمه الصوم عندنا.
وإذا أفطر فيه بالوطء لزمته الكفارة.
وعندهم: لا يلزمه.
لنا:
أنه أفطر في يوم من رمضان بالوطء فتلزمه الكفارة.
دليله: إذا كان في اليوم الثاني، والدليل على أن هذا اليوم من رمضان أنه يلزمه أن يصومه من رمضان مثل ما يلزمه الثاني.
والمعتمد في المسألة أن الكفارة واجب بينه وبين ربه فيعتبر فيه ما ألزمه ربه، وما يعتقده فيما بينه وبين ربه، والله تعالى قد ألزمه أن يصوم في هذا اليوم من رمضان وهو يعتقد في نفسه أنه من رمضان فلو سقطت الكفارة لسقطت لأن هذا اليوم ليس من رمضان عند سائر الناس،
[ ٢ / ١٧٤ ]
وما عند الناس لا يعتبر في الواجب الذي سبيله هذا، بدليل ما لو اجتمع قوم على شراب فيشربونه وأحدهم يعلم أنه خمر يلزمه الحد، وكذلك إذا زفت إليه امرأة وهو يعلم أنها أجنبية، وسائر الناس يظنون أنها امرأته، وكذلك إذا رأى الصبح وحده وأفطر بالوطء وعند سائر الناس أنه ليل.
وأما حجتهم:
قالوا: (إنه مفطر بشبهة فلا تلزمه الكفارة، كمسألة الغالط في السحر والإفطار).
والدليل على أنه مفطر بشبهة دلائل:
منها: قوله ﷺ: «صومكم يوم تصومون » وهذا يقتضي أن لا يصح صومه إلا مع الجماعة إلا أنه قدم عليه قوله ﵇: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، لأنه إذا
[ ٢ / ١٧٥ ]
تعارض دليلان أحدهما يوجب الصوم، والآخر لا يوجب، فالموجب أولى احتياطًا للعبادة فنفي ظاهرًا بخبر شبهة في درء الكفرة، مثل قوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك»، قدم عليه قوله ﵇: «:ل امرئ أحق بماله من ولده ووالده وسائر الناس أجمعين» ولكن بقى ظاهره شبهة في درء الحد.
فإن قلتم: إن معنى قوله: «صومكم يوم تصومون » يعني صوم كل إنسان يوم صومه، ويكون هذا تعطيلًا للخبر، لأن هذا لا يخفي على أحد، ولأن المراد من الخبر ذكر الأحكام التي تتعلق بالجماعة مثل قوله: «أضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون» وإن ادعيتم النسخ، فليس عليه
[ ٢ / ١٧٦ ]
دليل، وإنما يكون بالنقل، بل تقابل ظاهران فقدمنا أحدهما في إلزام الصوم، لما ذكرنا واعتبرنا الآخر وأسقطنا ما يسقط بالشبهة.
ومنها: أن اليوم من شعبان في حق سائر الناس فلم يكن من رمضان مطلقًا بل كان من رمضان من وجه لا من وجه فتقاصرت حرمته فتقاصرت الجناية بالوطء فيه أيضًا، وهذا لأن ما يجب بالجناية الكاملة لا يجب بالجناية المتقاصرة.
يبينه: إنه لما لم يكن من رمضان في حق سائر الناس لخلل في الدليل أنه من رمضان، لأنه لما انفرد بدعوى الرؤية مع مساواة الناس إياه في النظر وموقفه، وحدة النظر وموضع المنظور إليه، دل أنه لم يكن لرؤيته حقيقة بل كان نوع خيال، كما روى في حديث عمر ﵁ أنه مسح حاجب من كان يدعى رؤية الهلال ثم قال: أين الهلال؟ فقال: فقدته، فقال: «تلك شعره قامت من حاجبك».
قالوا: وبهذا فارق المسائل التي قلتم واستشهدتم بها، لأنه لا خلل في الدليل في تلك المسائل فاعتبر ما عنده من الدليل، وما يزعم في اعتقاده.
ومنها: أن القاضي قضى يكون هذا اليوم من شعبان، لأن الرد يدخل تحت القضاء بدليل أنه لو شهد لإنسان في حادثة فرد لفسق ظهر منه ثم تاب وأعاد لا يقبل لجريان القضاء برده وإذا دخل الرد تحت القضاء دخل موجبه أيضًا، وهو كون اليوم من شعبان فصار القضاء شبهة، لأنه يقضي بدليل شرعي يقوم له فأشبه قضاء برد من الشرع.
[ ٢ / ١٧٧ ]
الجواب:
أما الخبر، قلنا: هو ضعيف في الإسناد فإن مداره على الواقدي وهو ضعيف.
وقد روى أبو داود فلم يذكر قوله: «صومكم يوم تصومون»، ولأنه ترك لقوله ﵇: «صوموا لرؤيته»، وإذا ترك بدليل آخر فلا يصير صورته شبهة، لأن الصورة لا تصير شبهة عندنا بحال. وأما سقوط الحد عن الأب لم يكن بقوله: «أنت ومال لأبيك» وهذا أيضًا خبر مرسل، وإنما كان ثبوت حقه في مال ولده على ما ذكرنا في النكاح، ولأن قوله: «أنت ومالك لأبيك» لم يصير شبهة في سقوط الحد إذا زنا بالبنت.
فإن قالوا: «الإضافة/ إلى الوالد إضافة كرامة».
قلنا: صورة اللام للملك، وقد قيل: إن معنى الخبر هو النهي عن صوم يوم الشك.
وأما دليلهم الثاني:
قلنا: هو في حقه من رمضان على الإطلاق من كل وجه، وهذا لأنه تيقن برؤيته قطعًا، ونقول له: إن تيقنت فعليك الكفارة.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وقوله: «إنه تفرد من بين سائر الناس».
قلنا: تفرده جائز بالإجماع، ولهذا المعنى جاز للقاضي أن يقبل وإذا قبل لزم جميع الناس صوم اليوم فصارت هذه المسألة مثل سائر المسائل التي قلناها.
ودعوى الخلل في الدليل باطل، لأن تشكيك المتيقن لا معنى له.
وأما دليلهم الثالث فنقول:
أولًا: لا قضاء، إنا وجد ترك قبول فحسب، ومسألة الرد كذا نقول، وإنما لم تقبل شهادته بعد توبته لمعنى آخر ثم يبطل بما لو شهد أربعة من الشهود على رجل بالزنا ورجم الإمام المشهود عليه، ثم رجع أحدهم فإنه يحد مع قيام القضاء بزناه، بدليل أنه لو قذفه إنسان لا يحد، لأنه محكوم بزناه ولا محيص لهم عن هذا، لأن ما قالوه: إن القضاء انفسخ في حق الراجع وإن كان انفسخ في حق الراجع في تلك المسألة فلم يوجد ههنا في حق الزاني أصلًا، فنقول: لو أن هذا الرائي صام ثلاثين يومًا ولم ير الناس الهلال يجوز له أن يفطر على أصح الوجهين، لكن يفطر في مكان لا يراه الناس، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ١٧٩ ]