مسألة
إذا تكلم في صلاته ناسيًا أو مخطئًا أو مكرهًا لم تبطل صلاته عندنا.
وعندهم تبطل صلاته.
لنا: ما رواه مالك عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﵇ صلى إحدى صلاتي العشى أو الظهر أو العصر
[ ١ / ٢٤٨ ]
فسلم على اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟ فقال النبي ﵇: «أصدق ذو اليدين»؟ قالوا: نعم، فعاد وأتم صلاته ثم سجد سجدتي السهو. والخبر نص.
قالوا: كان هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة، وقيل:/ إن القوم تكلموا عامدين ومع ذلك لم يعيدوا الصلاة.
قلنا: هذا حمل الحديث على النسخ بلا دليل، ولأن أبا هريرة متأخر
[ ١ / ٢٤٩ ]
الإسلام فإنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وقد كان الكلام حرم قبل هذا بزمان مدريد.
وأما قوله: «إن القوم قد تكلموا عامدين ولم يأمرهم بإعادة الصلاة».
قلنا: قد كان الكلام واجبًا عليهم بخطاب النبي ﵇، وإذا وجب الكلام لا تبطل به الصلاة.
وأما الكلام من حيث المعنى فنقول:
الكلام محظور الصلاة فعمله في إبطال الصلاة من حيث ارتكاب الحظر وفي حال النسيان زال الحظر فزال عمله كما لو أكل ناسيًا في الصوم.
وإنما قلنا: إنه محظور الصلاة، لأن الصلاة مجموع أفعال يؤديها مثل الحج سواء وليس ترك الكلام من أفعال الصلاة إلا أن الشرع حظر عليه الكلام. لأن الصلاة عبادة وقيام في موضع المناجاة وإقبال على الله تعالى بالكلية، فكان من قضيتها ترك الكلام لتحقيق الإقبال على الله بالكلية، واحترام موضع النجوى، وتعظيم المعبود مثل الحج فإنه مهاجرة إلى الله تعالى وزيارة لبيته فاقتضى تحريم ما يشبه من أحوال المرفهين المتنعمين مثل لبس المخيط والتطيب والتجمل ليكون أشبه بالمهاجرين إلى الله تعالى، وإذا ثبت أن الكلام محظور الصلاة، وليس تركه فعلًا يؤدي به الصلاة فمتى زالت الحظرية زال عمله.
أما حجتهم:
قالوا: ترك الكلام شرط صحة الصلاة، وشروط الصلاة لا تسقط بالنسيان كالطهارة، واستقبال القبلة وسائر الشرائط.
[ ١ / ٢٥٠ ]
يدل عليه أن أصل الصلاة لا يسقط بالنسيان فكذلك شروطها.
والدليل على أنه شرط الصلاة أن النبي ﵇ قال لمعاوية بن الحكم السلمي: «إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». وإخراج ما لا يصلح في الصلاة يكون شرط الصلاة، كالتطهير من الحدث.
يبينه أنه إذا كان لا يصلح في الصلاة بالنص يكون منافيًا للصلاة لعينه فمتى وجد سواء كان عامدًا أو ناسيًا تبطل به الصلاة بمنزلة الحدث سواء.
قالوا: وأما الأكل ناسيًا في الصوم فإنما لم يبطل به الصوم بالنص فهو حكم ثبت بالنص غير معقول المعنى فلا يقاس عليه غيره، ولأنه لو أكل ناسيًا في الصلاة تبطل به الصلاة، كذلك الكلام، لأن كل واحد منهما فعل غير صالح في الصلاة.
قالوا: وليس يدخل على ما قلنا إذا سلم في الصلاة ناسيًا، لأن جنسه مشروع في الصلاة فلم يكن مبطلًا للصلاة بعينه بل بقصد الخروج، فإذا وجد لا في حين الخروج بطل قصده، ونفى مجرد السلام وهو بعينه غير قادح في الصلاة وأما الكلام فإنه مفسد للصلاة بعينه على ما سبق.
[ ١ / ٢٥١ ]
الجواب:
أما قولهم: «إن إخلاء الصلاة من الكلام شرط الصلاة».
قلنا: قد بينا أنه محظور الصلاة، ودللنا عليه.
أما الخبر فإنه قد أخبر من أنه لا يصلح في الصلاة، ويجوز أن يكون المعنى لا يصلح للحظرية.
يبينه أن جنس الكلام مشروع في الصلاة، ولو كان مبطلًا للصلاة لعينه لم يشرع جنسه كالحدث، فدل أنه مبطل للصلاة لمعنى ارتكاب المحظور، وهذا لا يوجد في حال النسيان، وخرج على هذا الحدث فإنه منافي للطهارة لعينه ثم إذا ارتفعت الطهارة فات شرط الصلاة فلم تجز الصلاة.
فإن قالوا: لا عمل للنسيان إلا في رفع الحرج ففيما وراءه يجعل بمنزلة العدم. قلنا: هذا دعوى بلا دليل بل عمل النسيان إزالة الحظر، فإذا زال الحظر كان الحكم على ما قدمنا، ويبطل هذا الكلام أيضًا بما لو أكل ناسيًا في الصوم فإنه قد عمل النسيان فيما وراء رفع الإثم حين لم يبطل به الصوم.
وأما الذي قالوا: «إنه بالنص غي معقول المعنى».
قلنا: قد ذكرنا معنى صحيحًا يمكن التعويل عليه فلا يترك له.
وأما إذا أكل ناسيًا في الصلاة فلا نسلمه بل نقول: إذا أكل ناسيًا وإن كان في الصلاة لا تبطل صلاته كما لو تكلم، اللهم إلا أن يكثر الأكل حتى يخرج به عن هيئات المصلين، وكذلك إذا أكثر الكلام في مسألتنا فدل أنه يبطل الصلاة أيضًا، لما ذكرنا.
أما إذا سلم ناسيًا فهو لازم، وعذره ضعيف، لأن السلام الذي يخرج به عن الصلاة هو ما كان خطابًا لقوم حاضرين، وهذا غير مشروع جنسه في الصلاة بحال.
وعلى أنا قد بينا أن مسألتنا قد شرع جنس الكلام في الصلاة، فتستوي الصورتان بلا فرق والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٢٥٢ ]