(مسألة)
إذا تمضمض الصائم واستنشق ولم يبالغ وسبق الماء إلى حلقه لم يفسد صومه عندنا.
وعندهم: يفسد.
وكذلك لو أكره على الأكل والشرب أو صب الماء في حلقه لم يفسد عندنا.
وعندهم: يفسد.
لنا:
أنه لو فسد صومه لكان يفسد بوجود المناقض لصومه ولم يوجد، لأن العبادة فعل الكف عن الأكل والشرب ولم يوجد ما ينافي الكف، لأنه كاف عن الأكل والشرب على ما أمر به وإنما وجد سبق الماء إلى حلقه بغير
[ ٢ / ١٨٠ ]
فعله أو وجد صب الماء في حلقه ولا فعل له في هذا بل يتصور فيما كان نائمًا فصب الماء في حلقه.
وعندهم: يبطل صومه في هذه الصورة أيضًا.
وأما إذا أكره على الأكل والشرب فنقول:
فعله وإن وجد لكن جعل فعله كالمعدوم مثلما صار فعله كالمعدوم في حق لحوق الإثم، وصار فعله كالمعدوم فيما لو أكره على إتلاف مال الغير حتى وجب الضمان على المكره دون المكره، فثبت أنه لم يوجد ترك فعل العبادة أصلًا في هذه الصورة كلها، وإذا ثبت أنه لم يوجد ترك فعل الكف، لم يبطل صومه لأنه لو بطل بطل بما قلناه ولم يوجد فلا يبطل ونستدل بالناسي فإنه لا يبطل صومه.
والعذر في هذه المسائل أظهر منه في الناسي، لأن في صورة الناسي قد وجد منه فعل ما يضاد الكف إلا أنه مع نسيان العبادة.
وأما ههنا فلم يوجد منه فعل ما ينافي الكف أصلًا فإذا لم يبطل في الصورة الأولى كذلك في هذه الصورة.
ونظير مسألتنا: إذا طارت الذباب فدخلت حلقه لم يفسد صومه لما بينا.
وأما حجتهم:
قالوا: وصل المغذى إلى جوفه مع ذكره للصوم فوجب أن يبطل صومه.
دليله: المخطئ، وصورة الخطأ في المسألتين المعروفتين وهي أنه لو
[ ٢ / ١٨١ ]
تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه طلع، أو أفطر على ظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب.
وأما الفقه لهم:
هو أنه فات معنى الصوم في هذه المسائل فيفوت الصوم، وهذا لأن قيام الصوم بقيام معناه، فإذا مات معناه لم يتصور بقاءه.
يبينه: أنه لو فاتت صورة الصوم بأن تناول حصاة أو نواة لم يبق الصوم فإذا فات معناه في مسألتنا أولى أن لا يبقى، لأن قيامه بمعناه أكثر من قيامه بصورته.
وإنما قلنا: «إن معناه فات، لأن معنى الصوم هو الكف عن قضاء الشهوة فإذا حصل قضاء الشهوة وجد الفوات معنى»، وفي هذه المسائل وجد قضاء الشهوة وفات معنى الصوم.
فإن قلتم: ربما كان الفعل تناول لقمة أو تناول حبة حنطة وبهذا لا يحصل قضاء الشهوة.
قلنا: قد وجد من جنس ما يقضي به الشهوة، والمعتبر وجود جنس ما يقضي به الشهوة وإذا وجد يفعله وجد فوات الصوم صورة ومعنى، وإذا وجد لا بفعله وجد فوات الصوم معنى، وإن لم يوجد صورة وفي الموضعين يبطل الصوم.
قالوا: (وأما إذا أكل أو شرب ناسيًا فقد وجد ما ينافي الصوم صورة ومعنى إلا أنه بقى الصوم بالنص، وههنا لا نص). فلو بقي بقي بمجرد الصورة مع فوات المعنى وهذا لا يجوز.
[ ٢ / ١٨٢ ]
قالوا: وليس كما لو طارت ذبابة إلى حلقه، لأنه لم يوجد فوات الصوم لا صورة ولا معنى، أما الصورة فلأن الحاصل حاصل بغير فعله، وأما المعنى فلأن قضاء الشهوة لم يوجد لأن الذبابة ليست من جنس ما تقضي به الشهوة.
الجواب:
إن قولهم: فات/ الصوم معنى لا نسلم، لأن معنى الصوم وصورته في فعله حتى إن من جاع أو عطش من غير نية منه للصوم لا يقال وجد له معنى الصوم، وكذلك إذا صام ولم يجع ولم يعطش لا يقال لم يوجد له معنى الصوم.
فدل أن معنى الصوم وصورته في فعله، وذلك الفعل هو فعل الكف، وفوات المعنى والصورة في فوات فعل الكف ولم يوجد فوات فعل الكف في المسائل التي اختلفنا فيها فلم يفت الصوم لا صورة ولا معنى على ما ذكرنا.
والحرف إن وجود قضاء الشهوة لا بفعله ساقط ومجعول كالعدم، لأن الصوم لم يكن حصوله لا بفعله بل حصوله بفعله فيكون فواته بفعله.
فإن قالوا: إذا تمضمض واستنشق فقد وجد فعله في سبب سبق الماء إلى حلقه السبق كأنه حصل بفعله مثل ما لو قبل أو أنزل.
قلنا: المضمضة والاستنشاق فعلان مطلقان شرعًا فما يؤديان إليه مما لا فعل له فيه لا يجعل كالحاصل بفعله، كما لو حفر بئرًا في ملكه فوقع فيه إنسان، هذا إذا لم يبالغ، أما إذا بالغ فهو فعل محظور فيجعل ما يؤدي إليه كأنه حصل بفعله كما لو حفر بئرًا في ملك غيره ثم وقع فيه إنسان.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وأما فصل الناسي فهو لازم على ما سبق.
وقولهم: «إنه لم يفسد الصوم بالنص».
قلنا: قد ذكر في النص: «أن الله تعالى أطعمه وسقاه»، ولما كان الواصل بفعل غيره لم يفسد صومه، فكذلك ههنا وصل الواصل بفعل غيره فلا يفسد أيضًا، وهذا كلام حسن مستخرج من النص فإن قوله ﵇: «فإن الله أطعمه وسقاه».
يبينه: أن كل ما يحصل من هذا الجنس بفعل غير الصائم لا يفسد صومه.
وقد تعلق الأصحاب بقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
[ ٢ / ١٨٤ ]
ووجه التعلق به ما سبق.
وهم حملوا هذا على الإثم وادعوا أن المقتضى لا عموم له.
ونحن نقول: إن الخبر يقتضي رفع عين ما وقع فيه الخطأ والنسيان فإذا لم يرتفع مشاهدة يرتفع حكمًا، وإذا ارتفع حكمًا لم يبق له حكم.
وأما فصل الخاطئ فهو خ ارج على ما قلناه، لأنه قد وجد منه فعل ينافي الصوم. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ١٨٥ ]