(مسألة)
إذا جامع المحرم امرأته بعد الوقوف بعرفة فسد حجه عندنا، كما يفسد إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، وعليه بدنه.
وعندهم: يفسد قبل الوقوف وعليه شاة ولا يفسد بعد الوقوف وعليه بدنة.
لنا:
إن الوطء مفسد للإحرام بالإجماع، الإحرام بتمامه وكمال قائم بعد الوقوف فإذا وجد العامل في الإفساد في محل العمل وجب أن يعمل ويفسد حجه.
دليله: إذا كان قبل الوقوف ويستشهد على هذا بالحسيات، فإن السيف إذا كان عاملًا في القطع والنار في الإحراق فإذا وجدا في محل العمل عملًا، كذلك ههنا.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وأما حجتهم:
تعلقوا بما روى عن ابن عباس ﵄ مثل مذهبهم في الصورتين جميعًا على حسب ما قالوا، ولا مخالف له فوجب تقليده، ولأنه بالوقوف أمن حجه من الفوات فوجب أن يأمن من الفساد.
دليله: إذا وقف ورمى، قالوا: وبفصل ما بعد الرمي يبطل قولكم إن الإحرام فائم أيضًا بعد الرمي ومع ذلك لا يفسد حجه.
فإن قلتم: «إن الإحرام ليس على تمامه».
قلنا: ليس كذلك، بل هو على تمامه بدليل بقاء المحظورات عليه إلى أن يحلق، وعلى أنه إذا كان الإحرام ضعف بالرمي فيكون الحكم بفساده أولى، لأنه إذا فسد الإحرام مع قوته وتمامه بالوطء فلأن يفسد عند ضعفه واختلاله أولى.
وأما أبو زيد قال: أفعال الحج ينفصل بعضها عن البعض مكانًا وزمانًا فلا يتأدى فساد بعضه إلى الباقي كالصلوات المختلفة بل هذا أولى، لأن الصلاة والصلاة تختلف زمانًا ولا تختلف مكانًا، وهذه الأفعال تختلف
[ ٢ / ٣٣١ ]
زمانًا ومكانًا ثم هناك لا يتعدى الفساد من البعض إلى البعض فههنا أولى، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا جامع قبل الوقوف فقد فسد إحرامه، والإحرام شرط لأداء الأفعال وإذا فسد قبل أداء شيء من الأفعال لم يجز أداء شيء من الأفعال بإحرام فاسد ففسد الحج بلا إشكال، فأما إذا جامع بعد الوقوف، فالوقوف قد صح بإحرام صحيح فإذا جامع فسد إحرامه وفسد الطواف وقد بينا أنه لا يتعدى الفساد من فعل إلى فعل فبقى الوقوف عل الصحة وفسد الطواف فصحة الوقوف توجب صحة الحج وفساد الطواف يوجب فساد الحج فقد تعارض الموجب للصحة والموجب للفساد فلابد من الترجيح، والترجيح للوقوف على الطواف بدليل قوله ﵇: «الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه» ولأنه يؤتى به في إحرام كامل.
وأما الطواف يؤتى به وقد حصل بعض التحلل فيكون الوقوف في حصول الحج به فوق الطواف، ألا ترى أنه أبيح بعض التحلل بعد وجوده قبل وجود الطواف ولا يباح شيء من التحلل قبل وجوده، وإذا ثبت أن
[ ٢ / ٣٣٢ ]
جانبه أرجح قلنا إنه يبقى حجه على الصحة لصحته ولا يفسد بفساد الطواف ثم إذا لم يفسد وجبت بدنه لتغليظ الوطء وزيادته في التحريم على سائر المحظورات وقبل الوقوف لما فسد فقد وجب القضاء فسقطت البدنة ووجبت شاة لتقديم الوطء على وقته الذي أحل فيه.
الجواب:
أما أثر ابن عباس فلا تعرف صحته وإن ثبت فلا يترك القياس به.
وأما قولهم: «إنه حج وقع الأمن عن فواته فيقع الأمن عن فساده».
قلنا: ولم؟ ثم يجوز أن يفسد ما لا يفوت.
دليله: العمرة، وهذا لأن الطواف غير مؤقت فلا يفوت وإذا لم يفت فلو فات الحج فات بفواته فإذا لم يفت هو لم يفت الحج، وأما الوقوف مؤقت بوقت مخصوص فيفوت بمضي الوقت من غير وقوف فيفوت الحج بفواته فافترقا لهذا المعنى.
وأما الفساد فإنما كان للجناية على الإحرام بفعل الوطء وهو موجود سواء أكان قبل الوقوف أو بعد الوقوف.
وأما قياسهم على ما بعد الرمي.
قلنا: الإحرام قد وقع التحلل عن الإحرام عندنا بالرمي، ولهذا المعنى أبيح له الحلق ولم يكن مباحًا من قبل وإذا وقع به التحلل لم يبق إحرامًا تامًا ومحل العمل إحرام تام.
قلنا: هذا دعوى، وجب أن يبطل الإحرام سواء أكان تامًا أو لم يكن تامًا على ما سبق.
قلنا: الإحرام إذا وقع عنه التحلل من وجه ضعف وإذا ضعف في نفسه
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ضعفت الحرمة المتعلقة به فلم تكمل الجناية بارتكابه بل خفت وإذا خفت لم يعمل في إفساد الإحرام.
أما في مسألتنا فالإحرام على تمامه وكماله فكملت أيضًا حرمة الوطء وإذا كلمت حرمة الوطء عظمت الجناية بارتكابه فأفسد الحج كما يفسد قبل الوقوف.
وأما طريقة أبي زيد: فليست بشيء، لأن أفعال الحج وإن انفصل بعضها عن البعض مكانًا وزمانًا ولكن عند الحج جمع الكل فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض، وتحقيق هذا هو أن هذه الأفعال ليست بعبادات بأنفسها وإنما صارت عبادات لأنها أفعال الحج، ألا ترى أنه لو وقف أو سعى أو رمى لا في الحج لا يكون فعله شيئًا. فثبت أن هذه الأفعال إنما صارت عبادة لأجل أنها من الحج وإذا كانت صحتها عبادة لأجل أنها من الحج فيكون عند الحج جامعًا للكل وتصير جميع الأحوال كأنها شيء واحد في العبادة فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض كما يتعدى في الصلاة والتعدي قد يكون في فعل لاحق وقد يكون في فعل سابق ففسد الوقوف والطواف جميعًا/ ففسد حجه.
وأما ما قالوا: من الترجيح.
فهوس، لأنههم إذا سلموا فساد الطواف بفساد الإحرام لأجل الوطء لا يمكن القول بعد ذلك بصحة الحج.
لأن الحج لا يتأدى بطواف فاسد، وإن قالوا: يفسد الإحرام بالوطء فقد منعوا عمل الوطء مع كونه عاملًا في الإفساد ومع وجود محل العمل وهذا لا يجوز، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٣٣٤ ]
(مسألة)