(مسألة)
إذا دل المحرم محرمًا آخر أو حلالًا على صيد فقتله المدلول لم يجب الجزاء على الدال عندنا.
وعندهم: يجب.
لنا:
ما روى عن ابن عمر مثل مذهبنا، ولأن الله تعالى علق الجزاء بفعل القتل بقوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
[ ٢ / ٣٤١ ]
والدلالة ليست بقتل، والأولى أن يقال: علق الجزاء والاصطياد والدلالة ليست بقتل ولا هو اصطياد.
ودليل تحريم الاصطياد في ضمن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾.
يبينه: أن الله تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي اصطياد صيد البر.
والدليل على أنه ليس باصطياد أن الصيد لا يكون له بل يكون للمدلول.
ونقول أيضًا: دلالة على إتلاف محل مضمون فلا يكون سببًا لضمان المحل.
دليله: إذا دل على قتل مسلم فإنه لا ينبني عليه سوى الإثم.
يدل عليه: أن نهاية ما في الباب أنه سبب لقتل الصيد والقاتل باشر القتل باختياره فتقطع حكم الدلالة التي هي سبب، مثل ما لو حفر بئرًا فجاء إنسان وردي فيه إنسانًا فإنه لا ضمان على الحافر وإنما يجب على المردي.
فثبت أن المباشرة تقطع حكم السبب وإذا انقطع حكم السبب التحق بالعدم فلم يجب به شيء، والتحرير واجب باسم الكفارة فلا تجب بالدلالة.
دليله: كفارة القتل وتأثيره ما سبق.
وأما حجتهم:
رووا عن ابن عباس: «أنه أوجب على الدال الجزاء».
[ ٢ / ٣٤٢ ]
قالوا: وعن عمر مثله، وكان شاور فيه عبد الرحمن بن عوف.
أما المعنى:
قالوا: الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام فيكون سببًا لوجوب الكفارة في الجملة.
دليله: الأخذ.
دليله: سائر المحظورات، والدليل على أنها من محظورات الإحرام، أن الدلالة محرمة عليه بالإجماع وقد صارت محرمة بالإحرام بدليل أنه إذا حل زالت الحرمة.
ودليل الحرمة أيضًا أن الدال فلا يجوز له الأكل من الصيد، وصورته محرم دل حلالًا على قتل صيد فقتله حرم على الدال أكله، فعرفنا أن الدلالة من محظورات الإحرام فصارت سببًا لوجوب الجزاء، وهذا لأن الكفارة وجبت بجناية على إحرامه بارتكاب محظوره، وقد وجد هذا في مسألتنا فوجب الجزاء.
وأما تحقيقهم في المسألة:
قالوا: تحريم القتل والاصطياد معلول بإزالة أمن ثبت للصيد بالإحرام، والدلالة في إزالة الأمن عن الصيد بمنزلة الرمي والأخذ، لأن أمنه عن الصائد في حالته تلك بتواريه عن عين الصائد، ألا ترى أنه لا يبقى آمنًا
[ ٢ / ٣٤٣ ]
في تلك الحال بعد علمه به، وإنما يكتسب أمنًا آخر بفوته والفرار الذي يحدثه.
يبينه: أن الخلاف في الطير والفرخ والبيض واحد، ولا يأمن البيض عن الصائد بعد علمه به، فثبت أن الأمر يزول بالدلالة وإذا كان وجوب الجزاء معلولًا بإزالة الأمن وقد زال ذلك بالدلالة فوجب بها الضمان، وشبهوًا هذا بالمودع إذا دل السارق على سرقة الوديعة حين سرقها يجب عليه الضمان، وكذلك إذا ترك الحفظ صار جناية في حقه على الخصوص، كذلك المحرم قد التزم هذا الأمر، وإذا تركه صار جناية في حقه على الخصوص.
قالوا: ولا يلزم إذا دل على الصيد فلم يأخذه المدلول حيث لا يجب عليه شيء بنفس الدلالة، لأنه إذا لم يأخذه المدلول عاد الأمن إلى الصيد فصار كما لو أخذ الصيد ثم أرسله سقط عنه الضمان لما ذكرنا.
قالوا: وأما إذا دل/ عليه ثم رجع عن الدلالة ونهاه عن أخذه لا يبرأ عن الضمان لأن زوال الأمن كان بعلم الصائد بمكانه وذلك السبب قائم وإن رجع هو عن دلالته ونهاه عن الأخذ فلم يبرأ عن الضمان.
قالوا: وكذلك نقول في المودع إذا مكن السارق من أخذ الوديعة ثم نهاه باللسان لا يبرأ، وإنما يبرأ إذا حفظه باليد فعجز، لأنه لما أثبت اليد عليه فقد عاد إلى المال ما كان ثابتًا من قبل وهو الحفظ المؤمن للوديعة فبرئ عن الضمان الواجب بإزالة أمن الحفظ فقياس هذا من مسألتنا أن لو ذهب الدال وأخفى الصيد بأن كان بيضًا أو فرخًا فأخفاه من المدلول فإنه يبرأ عن الضمان في هذه الصورة.
دليله: مسألة الوديعة وتقريره وبيان وجه تأثيره ما سبق.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قالوا: وليس كالدلالة على قتل المسلم، لأن دم المسلم وماله غير مضمون أمانه على أحد ولا حفظه حتى يقال يجب الضمان بإزالة الأمن أو ترك الحفظ.
فإن قلتم: «مضمون بعقد الإسلام».
قال: ليس في الإسلام ضمان شيء من هذا الباب إنما يجب عليه بحق الدين أن لا يؤذي مسلمًا، فلا جرم وجب بتركه الجزاء الذي هو بمعصية الله تعالى على الإطلاق، وذلك الإثم وإذا لم يكن فيه ضمان فكان الواجب من الكفارة وغيرها متعلقًا بتعقد يقع على العين، والدلالة ما اتصلت بالعين جناية عليه وإنما يتصل بالعين مباشرة الأخذ أو الإتلاف، وإذا كان المباشرة والأخذ مختارين في الإتلاف والأخذ كانت إضافة السبب مقصورة عليهما ولم تجب على صاحب الدلالة فصار حرفهم في المسالة: أن ترك الحفظ سبب ضمان العين بضمان الحفظ وإزالة الأمن سبب ضمان العين بضمان الأمن فالأول في الوديعة، والثاني في الإحرام، ومثل هذا لا يوجد في عقد الإيمان فبقى مجرد ارتكاب المعصية بالدلالة على المعصية، وأما الضمان فكان مقصورًا على من يوجد منه العدوان المتصل بالعين.
قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب على وجه البدل على المتلف، ولهذا يدخل فيه الصوم، وهذا لأنه لم يوجد عقد ولا التزام أمان حتى يصير بالقتل جانيًا على عقده، وإنما الله حرم هذه الصيود في الحرم لمحض حقه أو لحق الصيد على ما سبق.
وإذا أتلفه كان الواجب عليه بدل المتلف لحق الله تعالى. وفي مسألتنا إنما تجب الكفارة على وجه الجزاء على ارتكاب المحظور ولهذا دخل فيه الصوم، وهذا لأن الواجب إذا كان في مقابلة المحل لا يجوز أن يدخل فيه الصوم، لأنه لا مماثلة بين الصوم والمحل، وأما إذا كان جزاء عن ارتكاب
[ ٢ / ٣٤٥ ]
محظور يجوز أن يدخله الصوم، لأن الصوم يصلح أن يكون واجبًا عن ارتكاب محظور ولأن الصوم حسنة وارتكاب المحظور سيئة، والله تعالى قد شرع الحسنات مذهبة للسيئات، وإذا كان الواجب في صيد الحرم على طريق البدل عن المتلف لم يجز أن يجب ضمانات عن متلف واحد، وإذا وجب على المباشر بارتكاب المحظور بقتله لم يجز أن يجب على الدال.
وفي مسألتنا لما كان الواجب جزاء على ارتكاب محظور يجوز أن يجب على المباشر بارتكاب المحظور بالقتل، ويجب أيضًا على الدال بارتكابه المحظور بدلالته، لأن كل واحد منهما مرتكب محظور.
وقال أبو زيد في «الأمالي» جوابًا عما إذا دل ولم يقتل المدلول: إن الضمان من حيث إنه وجب بارتكاب محظور يكون كفارة وجزاء عن الجناية، ومن حيث إنه لم يجب جزاء عن صيد مضمون يجب بدلًا عنه فيجب بالطريقين جميعًا كفارة وبدل، فمن حيث إنه يدل لم يجز أن يجب إذا كان المبدل سليمًا على حاله ولا يجب إلا بعد فوته، ومن حيث إنه كفارة يجوز أن يجب إذا فات المبدل على القاتل لإتلافه بدلًا عنه، وعلى الدال الكفارة بجنايته على إحرامه.
الجواب:
أما الآثار عن الصحابة:
فقد روينا عن ابن عمر مثل مذهبنا، وعليه يدل القياس الجلي.
وأما قولهم: «إن الدلالة من محظورات الإحرام».
قلنا: أما إذا دل محرمًا على الصيد ليقتله فإنما كان محظورًا لأنه دلالة
[ ٢ / ٣٤٦ ]
على المعصية، والدلالة على المعصية معصية، وهو مثل أن يدل ظالمًا على مسلم ليقتله.
وأما إذا دل حلالًا على صيد ليقتله فإنما كانت الحظرية بالنص وهو حديث أبي قتادة المعروف: «أنه كان في رهط في المحرمين وكان حلالًا فمر به حمار وحشي فشد لعيه وقتله وجاء به إلى أصحابه فأبوا أن يأكلوا حتى يسألوا النبي - ﷺ - فلما سألوه قال: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا».
ولولا هذا النص لا تجب الدلالة ولا يجب الأكل أيضًا، فسلم هذان الحكمان في هذه الصورة/ للنص، فأما في الصورة الأولى فمجرد الدلالة على المعصية، بدليل الدلالة على قتل المسلم ليقتله المدلول.
وأما قولهم: «إنه بعقد الإحرام التزام أمان الصيد».
قلنا: يجوز أن يقال إنه ما التزم شيئًا بعقد الإحرام إنما هو شارع في حج عليه أو حج متنقل به، وإنما الله تعالى حظر عليه أشياء في عقدة
[ ٢ / ٣٤٧ ]
الإحرام فنظرنا إلى المحظور فوجدناه بالقتل ثم نظرنا فوجدنا واجب القتل لا يجب بالدلالة على القتل بحال، وعلى أنا إن سلمنا أنه التزام الأمان في حق الصيود ولكن عن القتل والاصطياد ولم يوجد واحد واحد منهما.
قالوا: «بل التزام كل ما ينافي أمانه».
قلنا: لا، بل القتل متعين، لأن الشارع نص على القتل، وغير القتل لا يحرم تحريم القتل، وأما حظرية الدلالة كانت بالوجه الذي قدمنا ثم نقول: إذا كان الواجب بارتكاب المحظور فأوجبوا الجزاء وإن لم يقتل المدلول.
وقولهم: «إنه إذا لم يقتل المدلول عاد الأمان».
قلنا: هذا أضعف كلام يكون، لأن جنايته على إحرامه قد تحققت من حيث الدلالة وتخويف الصيد قد وجد وهو جناية مستقلة بنفسها فوجد وإن لم يتصل به القتل بدلالة أن الإثم في هذه الصورة على الدال مثل الإثم عند اتصال القتل بالصيد فينبغي أن تجب الكفارة وحين لم تجب عرفنا أن الدلالة غير موجبة للجزاء بحال.
أما عذرهم الأخير في سلوك طريقة الشبهين.
فهذه طريقة يسلكها هذا القائل في كثير من المسائل، وهي بعيدة عن مناهج الفقهاء، لأن حق الفقيه ترجيح أحد الشبهين على الآخر ومداخلة المعاني الصحيحة على أصول الشرع ليتبين له قطع الحادثة عن أحد الشبهين وإلحاقها بالشبة الآخر وإنما سلوك طريقة الشبهين نوع عجز يعدم صاحب المعنى، وعلى أنا نقول: إن الضمان عن الحيوان المضمون يكون بدلًا عنه كضمان الشاة والبقرة ونفس المسلم.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
والدليل عليه: أن الواجب يتقدر بقدر المتلف.
أما عندنا باعتبار المثل خلقة، وعندهم باعتبار القيمة، وأبدال المتلفات يتقدر بقدر، فأما الكفارات فلا.
وأما الحظرية فكانت، لأن المتلف ليس له بحق له مثل مال الغير، وكذلك نفس المسلم فحظر الفعل لهذا المعنى ثم الواجب بدل، لأن المتلف حيوان مضمون، والواجب بإزاء الحيوان المضمون لابد أن يكون بدلًا عنه.
وأما دخول الصوم إنما كان، لأن الواجب لله تعالى، والصوم يكون بدلًا في حق الله تعالى، وأما ضمان المال والنفس فإنما وجب لحق الآدمي فلا يستقيم أن يجب الصوم بدلًا عن حق الآدمي فلهذا افترقا.
وأما فصل الوديعة فنقول: المودع في تلك الصورة لا يضمن بالدلالة بدليل أنه لو رأى سارقًا يسرق الوديعة أو غاصبًا يأخذه فلم يمنعه يجب عليه الضمان ولا دلالة له ههنا.
وفي مسألتنا: لو رأى واحدًا يقتل صيدًا فلم يمنعه لا شيء عليه، وكذلك في الوديعة لو نهى بعد الدلالة يسقط الضمان، وفي مسألتنا قد قلتم: إنه وإن نهى بعد الدلالة لا يسقط الجزاء وقد اعتذروا عن هذا الفصل.
والأول معتمد، وهذا لأن المودع بعقد الوديعة ضمن حفظ الوديعة، لأنه عقد معقود على الحفظ وحين دل أو تركه حتى سرق فقد ترك الحفظ فإنما ضمن لهذا المعنى.
والفقهاء قد سموا الضمان الواجب على المودع بهذا السبب «ضمان تضيع» وجعلوا المودع مضيعًا بما فعله وضمان الحفظ يضاد التضيع فكان التضيع موجبًا للضمان بهذا الوجه.
وأما المحرم لم يلتزم حفظ الصيود حتى يضمن بترك الحفظ.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وقولهم: «إلتزام الأمن».
فقد أجبنا عن هذا.
يبينه: أن التزامه الأمن للصيود مثل التزام المسلم أمن الناس عن أذاه بإسلامه.
وقال النبي ﵇: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
وقولهم: «إن هناك لم يلتزم».
قلنا: إن عنيتم نص الالتزام فلم يوجد في الموضعين، وإن عنيتم دليل الالتزام ووجود الحظرية فقد وجد في الموضعين بلا فرقان ثم نقول: المودع لما أمكنه الحفظ حتى لا يأخذه السارق فصارت قدرة السارق على الأخذ بترك الحفظ، لأنه لو حفظه لم يقدر عليه فصار ترك الحفظ هو السبب في الأخذ، ألا ترى أنه يمكنه أن يحفظ مع أخذه.
فأما الدلالة بعد علم المدلول لا يكون سببًا لأخذ الصائد فإنه بعد دلالته يتوصل الصائد إلى الصيد بقدرته واختياره فلم تبق دلالته جناية على الصيد حين الأخذ، وفي مسألتنا ومسألة المودع بقى ترك الحفظ جناية على الوديعة عند الأخذ فافترقا معنى، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٣٥٠ ]
(مسألة)