(مسألة)
إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقر الواجب على الحقاق وبنات اللبون، واستقرت النصب على الخمسينات والأربعينات. وهذا مذهب أكثر أهل العلم، غير أن الشافعي ﵁ قال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة تجب ثلاث بنات لبون ثم الأمر من بعد على ما بينا.
[ ٢ / ٧ ]
وعندهم: يستأنف الواجب بعد المائة والعشرين وتجب الأغنام وبنت المخاض.
لنا:
الأخبار الثابتة برواية أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق ﵁، وبرواية الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﵇ ذكر في كتاب الصدقة الذي كتبه: «فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل
[ ٢ / ٨ ]
خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون»، والكتاب يشتمل على أشياء كثيرة من باب الزكاة ذكره أبو داود وغيره، غير أن الاستدلال في هذه المسألة بهذ القدر وكان ﷺ ختم عليه وقرنه بقراب سيفه.
وعمل بذلك بعده أبو بكر وعمر ﵄.
[ ٢ / ٩ ]
وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري أن سالم بن عبد الله بن عمر قرأ الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لأبي بكر في الصدقات وفيه: (فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون».
ولا يتجه لهم تأويل لهذه الأخبار أصلًا.
وقد تكلفوا أشياء بعيدة أعرضنا عنها لبعدها، فإن صوروا في موضع يجب في كل خمسين حقة وفي الأربعين بنت لبون وذلك في مائة وتسعين.
قالوا: وقد قلنا بهذا الخبر في هذا الموضع.
يقال لهم: أنتم لا تقولون بهذا الخبر بحال، لأن عندكم لا تجب الحقة في الخمسين بحال، ولا بنت اللبون في الأربعين، فإنكم تقولون إن الحقة في ستة وأربعين وبنت لبون في ست وثلاثين على حسب ما كان في الابتداء، فقد تركوا القول بهذه الأخبار جملة من غير دليل.
وأما هم تعلقوا من جهة الخبر بما روى أنه كان في صحيفة عمرو بن حزم الذي كتبها له رسول الله - ﷺ - في فرائض الزكاة: «وما زاد في الإبل على
[ ٢ / ١٠ ]
مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون فما فضل بعد ذلك يعاد إلى أول فريضة الإبل فما كان/ أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس شاة».
ورووا بطريق عاصم بن ضمرة عن علي ﵇: أنه قال «إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة».
وعن ابن مسعود كذلك، وهذا لا يقال قياسًا، دل أنهما قالا ذلك عن النبي ﵇.
والجواب:
أما الخبر الأول فقد رواه حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن صحيفة عند أبي بكر.
[ ٢ / ١١ ]
ابن عبد الله بن عمرو بن حزم فيكون مرسلًا، والمرسل ليس بحجة.
وعلى أن فيه ما يؤيد مذهبنا لأنه قال: «فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون».
وأما حديث عاصم بن ضمرة، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت حديث عاصم ابن ضمرة عن علي ﵁.
وقد روى عن علي ﵁ مثل ما ذهبنا إليه.
وعلى الجملة .. لا يثبت ذكر الغنم وبنت المخاض بعد المائة والعشرين عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الصحيح ما رويناه فلا يعدل عنه.
[ ٢ / ١٢ ]
وإن التفتنا إلى المعنى بعد أن لا حاجة إليه، فهو أيضًا يؤيد ما قلنا. وذلك لأن الأصل الموصل في الشرع أن الواجب في كل جنس من جنسه، لأن الواجب جزء من النصاب، لأن الزكاة واجبة للمواساة مع الفقراء بجزء من النصاب على مال نام، والجزء من الشيء جنسه، وهم يعترفون بهذا الأصل فلا يحتاج إلى كثير دليل، إلا أنه عدل عن هذا الأصل عند قلة الإبل لأنها لا تحتمل المواساة من جنسها، فإذا كثرت احتملت فعدنا إلى الأصل.
فإن قالوا: «لم لا ينتظر إلى أن تبلغ حدًا يحتمل الوجوب من جنسه مثل البقر»؟
قلنا: لأن الخمس من الإبل مال كثير القيمة كثير المنفعة قليل المؤونة فلم يستجز الشرع إخلاء مثل هذا عن حق الفقراء، وعلى أن هذا الذي قالوا اعتراض على الشرع، وعلينا أن نتلقى الشرع بالقبول ثم نطلب له معنى يخرج ذلك الشرع عليه، وقد فعلنا.
وأما البقر .. فقد كان غالب أموال العرب الإبل، وقد كانت الزكاة طهرة لمالهم فلم يرض بإخلائه عن الواجب بعد أن يبلغ الحد الذي قلناه من كثرة المنفعة والقيمة وقلة المؤنة، وأما البقر فقد كان قليلًا فيهم، فإبقاؤها على الأصل المعهود وهو ترك الإيجاب حتى يحتمل الواجب من جنسه هذا في الأغنام. وأما سقوط بنت مخاض فهو يخرج على أصل آخر:
وذلك لأن ما بعد المائة والعشرين حال تقرير النصب والواجبات وما قبل المائة والعشرين قد كان حال اضطرابها واختلافها، فمن الواجب أن يكون الاستقرار على النمط الأعدل، والنمط الأعدل في الأوقاص طرح
[ ٢ / ١٣ ]
وقص الأربع، والأربعة عشر أعلى الذي ورد، الأغنام، وبنت المخاض والجذعة وبنتي اللبون والحقتين قبل المائة والعشرين، وتقرير الوقص على التسع لأنها الوسطى، وطريقة العدل في الوسط، وطرح ما يخرج عنه من الجانبين، كذلك في الواجبات اخترنا النمط الأعدل الأوسط وهو تقرير الواجب على الحقاق وبنات اللبون، وطرحنا ما خرج عنها من الجذعة وبنت المخاض ليكون ذلك لزومًا لجادة العدل، والطريقة الوسطى بين طرفي الترقي والنزول الذي أحدهما يؤدي إلى نوع إجحاف بأرباب الأموال والآخر يؤدي إلى ترك نظر الفقراء، ونزل القرآن على هذا واستمر عليه الشرع.
وأما الذي ذهبوا إليه من إيجاب الغنم والعود إليها مع كثرة الإبل وتقرير وجوب بنت المخاض مع خروجه عن النمط الأوسط ومع طرح قرينته من الجانب الآخر وهو الجذعة فلم يدل عليه نص ولا اهتدى إليه قياس، فكان متروكًا مطروحًا غير مأخوذ به بحال.
وفي المسألة وراء هذه إلزامات كثيرة عليهم في إبطال الاستئناف على مذهبهم:
· من التزامهم القول بالموالاة بين الوقصين، وهذا لا يجوز في الشرع.
·
[ ٢ / ١٤ ]
ومن عدولهم من بنت المخاض إلى الحقة في الخمسين الثالثة من غير إيحاب بنت لبون في الوسط.
· ومن ألزم جعل نصاب الحقة ثلاثين إذا قالوا بالاستئناف بعد المائة والعشرين وأوجبوا في مائة وخمسين ثلاث حقاق، وقد أعرضنا عن شرح هذا كله، لأن فيما قلناه غنية عن الكل، هذا كلامنا.
وأما حجتهم من حيث المعنى:
فقد قال مشايخهم: إن إيجاب ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين يؤدي إلى مخالفة الرسول أو مخالفة الأصول وواحد منهما لا يجوز. أما مخالفة الرسول إذا أوجبتم في كل أربعين وثلث، ومخالفة الأصول إذا أوجبتم في كل أربعين وذلك لأن الواحدة/ لم تجعلوا لها قسطًا من الواجب وغيرتم بها الواجب، وما لا يأخذ قسطًا من الواجب لا يغير الواجب هذا هو الأصل المعهود في الشرع، وقد خالفتم.
قالوا: وليس كما لو ماتت المرأة عن أبوين وأخوين حيث يغير الأخوان فريضة الأم، ولا يرثان، لأنهما بمحل الميراث، وإنما حجبا في هذه الصورة بالأب، وههنا ليست الواحدة بمحل الوجوب بحال، فنظير هذا في مسألة الميراث أن يكون الأخوان عبدين أو كافرين، وقالوا أيضًا: في إيجاب ثلاث بنات لبون إسقاط الحقتين، وقد أوجبنا بدليل مقطوع به فلا يسقط بخبر الواحد.
واستدلوا في تصحيح مذهبهم، والحكم بعود الغنم وبنت المخاض، أن الحقاق وبنت اللبون ينبني وجوبها على الغنم وبنت المخاض في قضية
[ ٢ / ١٥ ]
وجوبها، وربما يقولون: الغنم وبنت المخاض أصل في واجبات الإبل فلابد من عودها، وقولهم: «إن الغنم ليس من جنس الإبل».
بلى، ولكن لما وجبت وبنى عليها سائر ما أوجب صار أصلًا، وخرج على هذا الجذعة، لأنها غير مبنية على الحقاق وبنات اللبون فلا يقتضي وجوب الحقاق وبنات اللبون وجوبها.
وأما الحقاق وبنات اللبون يبتنى وجوبها على الغنم وبنت المخاض فلابد من عودها إذا عادت.
قالوا: وأما قولكم: «إن ما بعد المائة والعشرين زمان الاستقرار».
قلنا: بلى، وقد استقر الواجب على الحقة وبنت اللبون، ولكن بشرط أن يعود ما هو الأصل مثل المسنة استقر عليها الواجب بشرط عود التبعية.
الجواب:
إن كل ما قالوه ضعيف.
أما الأول فنحن نختار أنه يجب في كل أربعين وثلث أو يوجب في كل مائة وإحدى وعشرين من غير تعرض للتقسيم، وهذا بالخبر الذي رويناه في هذا نصًا.
ومثاله: إيجاب الحقتين في إحدى وتسعين في الابتداء، ويكون هذا إيجاب كل حقه في خمس وأربعين ونصف إلا أنه بالخبر، أو يوجب مطلقًا من غير تعرض للتقسيم، ويمكن أن يقال: قد وجد نصاب ثلاث بنات لبون إلا أن فيه أنه انتهاء وقص فلا يمكن إيجابها من غير وجود زيادة، فإذا
[ ٢ / ١٦ ]
وجدت بزيادة ظهر الآن وجوب بنات لبون لوجود نصابها والترقي من انتهاء الوقص إلى زيادة، وهذا الكلام إذا قلنا إن الواجب في كل أربعين، والزيادة ليس لها عمل إلا في التغير فحسب.
وأما الكلام الثاني الذي قالوه ..
قلنا: نعم، وجبت الحقتان في المائة والعشرين بدليل مقطوع به ولكن حين زادت واحدة فات محل وجوب الحقتين وانقطع الإجماع فصلح التعرض لما يدل عليه الخبر الواحد فنوجب ما أوجبه، ولهذا لم يجز الاجتهاد لإيجاب شيء آخر في المائة والعشرين، وصح الاجتهاد لإيجاب ثلاث بنات لبون عند وجود الزيادة.
وأما الكلام الثالث ..
وهو الذي قالوا: إن وجوب الحقاق وبنات اللبون يبتنى على وجوب الغنم وبنت المخاض.
قلنا: إن زعمتم أن المراد بالإبتناء أنها وجبت بعد وجوبهما فهذا مسلم.
وإن زعمتم أن معناه أن ذلك يصير أصلًا وهذا يصير فرعًا له فلا نسلم.
والدليل عليه: أن في الخمسين الثانية للمائة الأولى قد عادت الحقة وثلاث بنات لبون، لم تعد الغنم ولا بنت المخاض، ولو صار ذلك أصلًا وهذا فرع له لم يجز إلا أن يعود الأصل ثم يعود الفرع، وعلى أنا قد دللنا أن وجوب الغنم ضرورة والضرورة تلزم موضعها.
وأما بنت المخاض فقد بينا أنها خارجة عن النمط الأعدل والطريقة الوسطى مثل الجذعة فلم يستقم عودها، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ١٧ ]