(مسألة)
إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لا إعادة عليه عندنا.
وعندهم: عليه الإعادة وهو اختيار المزني.
والمسألة في نهاية الإشكال وهي واضحة للمخالفين، لأن المؤدي في أول الوقت نفل فإذا أدرك بالبلوغ آخر الوقت وجب فرض الوقت عليه.
ألا ترى أنه لو لم يكن صلى وجب عليه، ولأنه وقت الوجوب فإذا أدركه الوجوب بالغًا فقد أدرك الوجوب بالغًا فقد أدرك وقت الوجوب فأفاد الوجوب، وإذا ثبت وجود سبب الوجوب فلو سقط بالمفعول في أول الوقت، وقد بينا أنه نفل، والنفل لا يسقط به الواجب. وأما دليل صحة مذهب الشافعي رحمة الله عليه فقد قال بعض أصحابنا: إن فرض الوقت يجب على الصغير
[ ١ / ١٩٣ ]
وجوب مثله بدليل ورود الأمر/ به والضرب عليه عند الامتناع، وبدليل الأمر بالوضوء وهو واجب وإذا وجب عليه وقد فعله فلا يجب ثانيًا.
وهذا ليس بشيء لأن البلوغ شرط التكليف في العبادات البدنية بالإجماع بنص النبي ﵇، ولأن حد الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا لا يوجد في حق الصغير.
وإن قلتم: إن هذا في البالغ، فهو ساقط، لأن حد الشيء لا يختلف لشخص وشخص.
وقول القائل: «يجب عليه وجوب مثله»، كلام لا يفهم، والواجب واحد في جميع المواضع وعلى جميع الأشخاص.
وأما الأمرية والضرب فهو للتأديب والتمرين بفعله ليتخلق ويعاد ذلك وينشأ عليه.
وأما الوضوء فلا نقول إنه واجب لكنه نفل بشرط لنفل.
ومن أصحابنا من قال: إن المؤدي وظيفة الوقت، لأنه طهر، ولهذا يؤم بنية الطهر ولو لم ينو يقال له: أعد، ووظيفة الوقت لا يثنى كما في حق البالغ.
يبينه أن تثنية وظيفة الوقت يؤدي إلى الحرج، والحرج مدفوع ولهذا لهذا لا ندعى الوجوب ونسلم أن المفعول نفل، ولكن نقول: هو وظيفة الوقت مع النفلية، وهذا أمثل من الأول.
وهم يقولون: ليس بوظيفة الوقت حقيقة، ولكن في صورة وظيفة الوقت أمر به للاعتياد والتخلق، لأن وظيفة الوقت في الحقيقة هو الفرض ولا فرض عليه.
[ ١ / ١٩٤ ]
الجواب:
إن منع كونه وظيفة الوقت لا يمكن، لأنها صلاة مأمور بها في وقت محدود معلوم لا يتوجه الأمر بها إلا بالوقت وينتهي بانتهاء الوقت، وهذا معنى قولنا: «وظيفة الوقت». وأما صفة النفل والفرض من وراء ذلك.
والمعتمد في المسألة أن نقول: لم يدرك البلوغ وقت الوجوب فلا تجب عليه الصلاة كما لو بلغ بعد مضي الوقت.
وإنما قلنا ذلك، لأن الوقت غير مراد لعينه، وإنما هو مضروب للصلاة فإذا اتصل به الصلاة المضروب لها الوقت انتهى في حق المصلي، لأنه إذا كان إنما شرع لمعنى فإذا تم ذلك المعنى وانتهى لم يكن لبقاء الوقت معنى.
وهذا لأن وقت الصلاة بعد الفراغ عن الصلاة لا عمل له في معنى ما، فلم يكن وقت الصلاة بل كان زمانًا من الأزمنة مثل سائر الأزمنة.
فأما في حق غير المصلي فيبقى الوقت مشروعًا في حقه بظهور عمله وفائدته.
فإن قالوا: هذا الذي قلتم يستقيم في حق البالغ، لأنه أدى الفرض ولا يستقيم في حق غير البالغ، لأنه لم يؤد فرض الوقت فيبقى الوقت في حقه لطمع الأداء وترتيبه في ثاني الحال.
قلنا: هو قد أدى المشروع له الوقت، وهذا لأن الوقت شرع في حقه لصلاة يؤديها، فإذا أداها انتهى الوقت في حقه مثل ما ينتهي في حق البالغ، وهذا غاية الوسع.
[ ١ / ١٩٥ ]
والإشكال عظيم في المسألة، وقد تعلقوا بالحج إذا فعله الصبي ثم بلغ يلزمه وإنما ألزموه ذلك، لأن الواجب فريضة العمر فعين لفعله أكمل حالات الإنسان شرعًا ليجعل بفعله في هذه الحالة كالمستوعب لجميع عمره بفعله، وهذا لا يوجد في حال الصغر، لأنه حالة ناقصة ولا يمكن أن يجعل بفعله فيه بمنزلة المستوعب لجميع عمره بفعله. لأن الحالة الناقصة لا تنتظم الحالة الكاملة والحالة الكاملة جاز أن تنتظم الحالة الناقصة. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ١٩٦ ]