(مسألة)
إذا صلى الكافر في جماعة لم يحكم بإسلامه عندنا.
وعندهم: يحكم بإسلامه.
لنا: إنه لم يأت بالإسلام فلا يصير مسلمًا، والدليل على أنه لم يأت بالإسلام أن الإسلام المأمور به هو كلمة الشهادتين بدليل خبر جبريل أنه سأل النبي ﵇ عن الإسلام فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) الخبر.
[ ١ / ٢٩١ ]
وقال أيضًا ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله » الخبر.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك.
وقال الله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، فدل أن هذا هو الإسلام المدعو إليه وهو لم يأت به، ويقال أيضًا: إن الإسلام هو الإقرار باللسان والاعتقاد بالقلب وتمامه بالأعمال .. ولم يوجد.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقيل: إن الأصل هو الاعتقاد بالقلب واللسان مترجم عنه، ولم يوجد الأصل ولا الترجمة، وإنما غاية ما في الباب أن فعله الصلاة بالجماعة. يدل على أنه يعتقد الصلاة جماعة، ولو صرح بهذا الاعتقاد لم يكن مسلمًا فإذا جاء بما يدل عليه لم يكن مسلمًا أيضًا.
أما حجتهم:
تعلقوا بما روى أن النبي ﵇ قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله مالنا وعليه ما علينا».
وروى بعضهم أنه قال - ﷺ -: «من صلى صلاتنا فهو منا».
ولأنه أتى بما يدل على الإسلام فيصير مسلمًا.
دليله إذا أتى بالشهادتين، والدليل على أنه دليل الإسلام ما روى في بعض الأخبار: «إذا رأيتم الرجل ملازمًا للجماعة فاشهدوا له بالإيمان».
ولأن الصلاة بالجماعة شرع مختص بدين الإسلام ففعله يدل على قبول الإسلام كالشهادتين.
يبينه أن الأصل هو الاعتقاد، وقول الشهادتين دليل عليه، فكذلك فعل الصلاة جماعة دليل عليه، ولأن الكفر يثبت بفعل يدل عليه وهو إذا سجد بين يدي الصنم، فكذلك الإسلام يثبت بدليل يدل عليه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
قالوا: وأما إذا صلى وحده فيجوز أن يقال إنه يصير مسلمًا.
وربما رووا ذلك عن محمد بن الحسن، وعلى أنه ليس بشرع مختص بالإسلام لأن كل أهل الأديان يصلون، وكذلك الصوم والاعتكاف.
وأما الحج فقد كان أهل الجاهلية يحجون، ويدعون أن حجهم على ملة إبراهيم ﵇، وقد قال بعضهم: إنه لو حج على ما يحج أهل الإسلام يصير مسلمًا.
الجواب:
أما قولهم: «إنه أتى بدليل الإسلام».
قلنا: لا نسلم لأنه لم يوجد منه إلا فعل شرع في الإسلام، وفعل شرع في الإسلام لا يكون دليلًا على الإسلام بدليل سائر الشرائع، لأنه لا يدل على قبول الإسلام من حيث الاستدلال، ويحتمل غيره، لأنه يجوز/ أن فعله عابثًا أو حاكيًا، وما يشبه ذلك.
والجملة أنه لابد من الإتيان بشيء لا يدل إلا على الإسلام، وذلك بالشهادتين فإنه لا يحتمل سوى الإسلام بدليل النص، ثم نقول أن الكافر مدعو إلى حقيقة فعل الإسلام فما لم يأت به حقيقة لا يحكم له بالإسلام، وقد بينا أن حقيقة الإسلام ماذا.
ويمكن أن يقال أيضًا أن الإسلام يشتمل على الالتزام العام وذلك بالتزام الشرائع فلابد من وجود دليل على هذا الالتزام، وذلك بالشهادتين، ولأن الشهادة بقوله: «لا إله إلا الله» اعتراف بالصانع ووحدانيته، واعتراف بجميع صفاته من حيث الدليل، ودليل أيضًا على الاعتراف بتنزهه وتقدسه عن سمات الحدث والنقص.
وقوله: «محمد رسول الله» التزام للشرائع أجمع، ولا توجد كلمتان تدلان على مثل ما تدل عليه هاتان الكلمتان.
[ ١ / ٢٩٤ ]
فأما فعل صلاة الجماعة فنهاية ما في الباب أنه يدل على اعتقاده فضل الجماعة وأنها مشروعة مسنونة، ولو قال هذا لم يصر مسلمًا، كذلك إذا فعله.
ولأنه لا يدل على الالتزام العام بحال والإسلام ما يدل على ذلك.
وأما تعلقهم بدليل الكفر من حيث الفعل.
قلنا: الكفر أسرع ثبوتًا من الإسلام، ولهذا لو جحد شرعًا واحدًا يكفر ولو التزم شرعًا واحدًا من الشرائع لم يصر مسلمًا، ولأن قبول الصلاة جماعة لا يدل على الالتزام الذي يحل به الإسلام. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٢٩٥ ]