(مسألة)
إذا كان معه آنيتا ماء إحداهما طاهرة والأخرى نجسة وليس معه غيرها فإنه يتحرى عندنا، ولا يتيمم.
وعندهم: يتيمم ولا يتحرى.
لنا:
إن الاجتهاد له مدخل في هذا المحل، والدليل عليه أنه إذا كان معه ثلاثة أواني طاهرتان ونجسة فإنه يتحرى بالإجماع ولأن الاجتهاد طلب الشرع بدليل واستعمال دليل الشرع في طلب الشرع مطلق لا يحرم بحال بدليل سائر المواضع، وأقربها طلب القبلة عند الاشتباه والتحري في ثوبي نجس وطاهر. ويمكن أن يحرر فيقال: شرط من شرائط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فيجب ذلك.
دليله: ما بيناه من استقبال القبلة وستر العورة.
[ ١ / ١٣٦ ]
يتبين ما ذكرنا أن الصلاة بالتيمم لا تجوز إلا بشرط عدم الماء فلا يجوز ثبوت العدم باشتباه الطاهر بالنجس، وإن كانا على السواء كما لو كان عنده ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس وحضرت الصلاة فإنه يصلي في أحدهما بالتحري ولا تجوز الصلاة إلا بازار لأن الصلاة عريانًا لا تجوز إلا بشرط عدم الثوب الطاهر فلم يثبت العدم باشتباه الطاهرة بالنجس وإن كان على السواء كذلك هاهنا، والاعتماد على الأول.
وأما حجتهم:
قالوا: التحري عمل بما يقع في القلب، والعمل بما يقع في القلب باطل لأنه قد يقع في القلب من قبل الله، وقد يقع من قبل الشيطان فلا يجوز الرجوع إليه وهذا حكمه.
قالوا: وأما القبلة فإما وجب الاجتهاد فيها، فإن للشرع دلائلًا منصوبة على القبلة فليس برجوع إلى مجرد ما يقع في القلب بل هو طلب القبلة بالدلائل المنصوبة عليها من قبل الله تعالى، وفي الثوبين إنما جاز التحري، لأن ستر العورة بالثوب النجس جائز في الجملة.
وعندنا: لو لم يجد إلا الثوب النجس وصلى فيه يجوز فلم يكن التحري رجوعًا إلى مجرد ما يقع في القلب بل استند الجواز إلى دليل شرعي، وهو جواز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره.
وأما هاهنا فإن التحري عمل بمجرد القلب ولم يرجع جوازه إلى دليل، وأما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر فإنما جاز التحري، لأنه وجد دليلًا شرعيًا يستند إليه وهو اعتبار الغلبة واعتبار الغلبة أصل عظيم في الشرع خصوصًا في المأكولات، والمشروبات بدليل المعاملات، فإن من يكون
[ ١ / ١٣٧ ]
الغالب على ماله الحلال يجوز المعاملة معه، وكذلك يجوز التناول من ماله أكلًا وشربًا عند إذنه ومن كان الغالب على ماله الحرام يكره له ذلك.
وأما أبو زيد قال في هذه المسألة: «إن التحري باطل متى أصاب ماءً طاهرًا بالإجماع فكذلك وإن عدمه، لأن التراب جعل خلفًا عنه في إفادة طهارة الصلاة فإذا فات إلى خلف يعمل عمله عند عدمه فلا يثبت العدم حكمًا بخلاف الثياب، فإن التحري باطل إذا استوى النجس والطاهر وأصاب ثوبًا طاهرًا ويجوز إذا عدم الطاهر، لأنه عدم بلا خلف يعمل عمله في الستر الذي هو شرط الصلاة، فثبت العدم وتبدل حال الاختيار بحال الضرورة فأبيح بالضرورة ما لا يباح بالاختيار.
قال: ولأن المعارضة وقعت بين التراب والماء تحراه فنحن نقول التراب أولى، لأن ذلك الماء على الحقيقة يحتمل النجاسة والطهارة، فلئن كان نجسًا فالتيمم طهارة، وإن كان طاهرًا فالتيمم لا ينجس أعضاءه وإن استعمل الماء فإن كان طاهرًا فالصلاة تكون بطهارة وإن كان نجسًا فالصلاة تكون بنجاسة العضو فيكون حال فساده شرًا من التيمم، وقد استويا في حال الجواز فصار التيمم أولى هاهنا بخلاف الثوب فإن حال نجاسته مساوية بحال العري» ويفضل حال اللبس بوجود الستر بالثوب وإن كان نجسًا فصار أولى.
الجواب:
أما الطريقة الأولى فهو سعى لإبطال التحري وهو باطل، لأن التحري نوع اجتهاد واستدلال وهو دليل الله تعالى نصبه للعباد ليتوصلوا به إلى
[ ١ / ١٣٨ ]
أحكامه في الشرعيات والرجوع إليه واجب في كل موضع فكان الرجوع بدليل ما ذكرناه من الاشتباه.
فأما قولهم: «إنه عمل ما يقع في القلب».
قلنا: والوقوع في العمل بما يقع في القلب جائز بدليل مسألة الثوبين وبدليل مسألة/ القبلة، وهذا لأن غالب الظن حجة شرعية عند عدم النصوص.
وقولهم: «إن في القبلة دلائلًا منصوبة عليها».
قلنا: إذا اشتبه عليه الدليل، فإنه بالاتفاق يرجع إلى ما يقع في قلبه، وكذلك في الثوبين وعذره عن الثوبين باطل، لأنه لو كان الأمر على ما ذكروا لجاز الصلاة في أيهما شاء من غير تحرى لحصول ستر العورة به وهذا لأنه يتحرى ويلزمه اللبس عند ما يقع في قلبه أنه طاهر، على اعتقاد أنه طاهر.
وقد قالوا: إنه لو اشتبه على الرجل إعداد ما صلى من الركعات أنه يرجع إلى غالب ظنه وهو حكم بمجرد ما يقع في القلب.
وقد قال أصحابنا في هذه المسألة: أن التحري رجوع في غالب الظن إلى علامات ودلالات مثل ما في القبلة سواء.
وكذلك في الثوبين إلا أن ما قلناه أولى، لأنه إذا لم يجد علامة ولا دليلًا ولم يتخيل له شيء في ذلك فإنه يتحرى أيضًا وليس إلا الرجوع إلى غالب الظن بما يقع في القلب.
وأما طريق أبي زيد ففي غاية الضعف، لأن المسألة التي جعلها عماد كلامه ممنوعة على أحد وجهي الأصحاب.
[ ١ / ١٣٩ ]
فإنهم قالوا: إنه يجوز التحري في الإنائين وإن كان عنده إناء طاهر بيقين، وعلى أنا سلمنا هذه المسألة، فنقول: إنما لم يجز التحرير في هذه الصورة، لأن وجود إناء طاهر عنده بيقين انتصب مانعًا من الاجتهاد مثل النص في الحادثة. فأما قوله: «إذا عدم ينعدم إلى خلف».
قلنا: إنما يصار إلى الخلف إذا لم يمكن الوصول إلى الأصل وقد أمكن بالاجتهاد فصار كما لو أمكن بوجوه يقينًا، ويمكن أن يقال: إن الاجتهاد خلف عن النص في العمليات، فإذا كان عنده إناء بيقين قد بينا انه بمنزلة نص يوجد في الحادثة فإذا عدم فإنما عدم إلى خلف وهو الاجتهاد في الانائين فكما أن الأصل منع العدول إلى التيمم فخلفه يكون مانعًا أيضًا.
وأما الفصل الثاني: الذي ذكره من ترجيح جانب التيمم فليس بشيء، لأن اجتهاد لما أدى إلى أن هذا الماء طاهر وجب العمل به شرعًا صار جواز أنه نجس مطرحًا متروكًا، والتحق هذا الماء بسائر المياه الطاهرة فلا تثبت به نجاسة الأعضاء بوجه ما، وجواز أنه نجس لم يعتبر.
يبينه أن التحري دليل ظاهر، والماء الذي حكم بطهارته فظاهر فسقط جانب من التجوزات فيه أصلًا بدليل الماء يجده في الفلاة، والماء الذي بخبر الواحد أنه طاهر يجب استعماله، وسقط جواز أنه نجس، ثم يقال لهم: الترجيح لجانب التوضئ بالماء الذي يقع له أنه طاهر، لأنه إذا توضأ بالماء
[ ١ / ١٤٠ ]
الذي تحراه كانت صلاته بطهارة حقيقة من وجه ومتى تيمم كان صلاته بغير طهارة حقيقة من كل وجه فكان الترجيح لجانب الوضوء لا لجانب التيمم.
وعلى أنه يبطل جميع ما قالوه بما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر، وعندهم الرجوع إلى مجرد الغلبة تمسك بمحض صورة، ويبطل بالقبلة.
وهذا لأن المجتهد قد تتكاثر عليه الأشباه في الحادثة الواحدة وإنما يأخذ بشبه واحد ويطرح سائرها، ولا فرق فيما يطرحه بين أن يكثر عدده وبين أن لا يكثر وقد تعلق مشايخهم بما لو كان عنده إناءان أحدهما بول والآخر ماء فإنه لا يتحرى.
وكذلك إذا اشتبهت الأجنبية بذات المحرم فإنه لا يتحرى في أمر النكاح. وكذلك على أصلنا في المسلوختين أحدهما ذكية والأخرى ميتة.
ونحن نقول: الاجتهاد إنما يجوز في محل الاجتهاد، وهذه المواضع ليست بمحل الاجتهاد بدليل أنه لا يجتهد وإن كانت الغلبة للماء في المسألة الأولى، وكذلك إذا كانت الغلبة للأجنبيات في المسألة الثانية والمذكيات في المسألة الثالثة.
وهذا لأنه لابد من النظر إلى الأصل ليكون الاجتهاد رادًا له إلى أصله ويصير اجتهاده وتحريه فيما أدى إليه معتضدًا بأصله الذي خلق له، والبول خلق على النجاسة والأبضاع في الأصل على الحرمة.
وكذلك المساليخ في الأصل على الحرمة حتى يتحقق شرط الحل من الذكاة فلم يصادف الاجتهاد في هذه المواضع محاله، لأن رده فيما يجتهده إلى أصله يوجب الحرمة لا الحل، بخلاف مسألتنا، فإن الماء في الأصل خلق طهورًا والتحري/ رد له إلى أصله فقد صادف الاجتهاد محله.
[ ١ / ١٤١ ]
وإنما اعتبر الأصحاب هذا، لأن دليل العمل غالب الظن، ولا يوجد غالب الظن إلا باعتضاد ما يقع في القلب من طهارة الإناء بأصله الذي خلق عليه، وهذا كما في سائر المجتهدات، فإنه ما من حادثة إلا ولله تعالى فيها حكم، وعلى ذلك الحكم شبه مغلب للظن فإذا اجتهد المجتهد يقوي اجتهاده فيما يؤدي إليه بأصله في الوضع الإلهي في الحوادث فيوجد قوة الظن من هذا الوجه فيفيد حكمه من العمل الواجب به. والله أعلم.
* * *
[ ١ / ١٤٢ ]