(مسألة)
إذا مات من عليه الزكاة لم تسقط الزكاة بموته وتؤدى من تركته كما تؤدى الديون عندنا.
وعندهم: تسقط بموته وإن أوصى بإخراجها تخرج كما تخرج التبرعات حتى تعتبر من الثلث.
لنا:
إن الزكاة حق الفقراء على ما سبق بيانه فنقول: حق من حقوق الآدميين فلا يسقط بموت من عليه.
دليله: سائر الحقوق للآدميين، وقياسًا على العشر إن سلموا، وهذا لأن الموت ليس بسبب مسقط للحقوق المالية إنما هو للانتقال من الدنيا إلى الآخرة والواجبات المالية عليه كما كان في حال الحياة فتقضى من المال إن خلف مالًا وتقدم على حق الورثة، لأن قضاء الدين حقه والميراث حق الورثة فيقدم حقه على حق الورثة، كما يقدم التجهيز والتكفين ثم إذا بقى مال بعد قضاء الحقوق الواجبة عليه حينئذ يقسم بين الورثة، وإن لم يخلف شيئًا سقط وجوب القضاء للعجز، لأن أصل الحق سقط وهو مثل ما لو أعسر في الحياة لم يطالب للعجز، ونستدل بما لو أوصى بالزكاة فنقول: لا يخلو إما إن قلتم: إن الزكاة بقى وجوبها بعد الموت أو قلتم: سقطت، فإن
[ ٢ / ٩٠ ]
قلتم بقي وجوبها بعد الموت فقولوا إن الوصية باطلة لأن الوصية حصلت بالزكاة، فإذا لم تكن الزكاة واجبة فتكون الوصية بالزكاة كلا وصية، وهذا إلزام معتمد.
وأما حجتهم:
قالوا: الزكاة عبادة محضة فتسقط بالموت كالصلاة والصوم.
والدليل على أنها عابدة محضة ما بينا من قبل.
وقولكم: «إنها حق الفقراء».
قالوا: لا، بل حق الله تعالى، وإنما الفقراء مصارف بالطريق الذي قلنا.
يدل عليه: أنه لا معنى يعرف لوجود حق الفقراء في مال الأغنياء، لأنه إن كان لفقرة وحاجته ففقرة وحاجته لا تدل على وجوب حق له على من ليس بفقير، وإن كان للدين فالدين أمر بين العبد وبين ربه فلا يوجب له شيئًا على عبد آخر لدينه، وهذا لأن حد الدين ليس بأمر بين العبد والعبد حتى يجب بسببه حق له عليه.
وخرج على هذا القرابة، لأنه معنى بين القربتين فجاز أن يجب له بسببها حق له على صاحبه، وإذا ثبت أنها عبادة محضة فتسقط بموت من عليه العبادة، لأن حقيقة العبادة فعل من عليه العبادة، وفعل من عليه العبادة يفوت بموته ففاتت العبادة ضرورة.
يدل عليه: أن العبادة من غير متعبد محال، ولا متعبد فلا عبادة وصارت هذه العبادة مثل عبادة الصلاة والصوم سواء إلا أن هناك آلة العبادة بدون المتعبد وههنا آلة العبادة مال المتعبد، فحصل الاختلاف في الآلة التي تؤدي بها العبادة لا في نفس العبادة، لأن العبادة حقيقتها في الموضعين واحد لا يختلف.
[ ٢ / ٩١ ]
قالوا: وليس كما لو أمر بأداء الزكاة في حال الحياة، لأن أمره لما اتصل بالأداء أمكن تحقيق معنى العبادة بخلاف مسألتنا على ما ذكرنا في مسالة زكاة الصبي.
والحرف لهم: أنه لما فات بالموت فعله وأمره تعذر تحقيق العبادة فعلًا من قبله فصار سقوطها في أحكام الدنيا من ضرورة هذا الفوات.
قالوا: وأما إذا أوصى بالزكاة فقد وجد من قبله الأمر وإذا اتصل أمره بها صار كما لو اتصل أمره بها في حال الحياة إلا أنه اعتبر من الثلث، لأنه لم يلزم إخراجها لولا الأمر أشبه الوصية بالتبرعات فكانت من الثلث.
قالوا: وأما العشر فقد منع في إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى وهو ظاهر المذهب، إنما لا يسقط بالموت، لأنه وظيفة الأرض مثل الخراج فصار مؤنة مالية مثل سائر المؤن ولم يكن عبادة فلم يسقط بالموت مثل ما لا يسقط سائر الديون.
الجواب:
أما قولهم: «إن الزكاة عبادة محضة».
فقد أجبنا عن هذا في مسألة زكاة الصبي.
وقولهم: «أنه لا سبب يوجب للفقراء حقًا في ماله».
قلنا: وجد بينهما وصلة الدين، وهي وصلة زائدة على كل وصلة فإن كل وصلة النسب توجب الحق لأحد القربتين على الآخر فوصلة الدين أولى.
وقولهم: «إن الدين أمر بينه وبين ربه».
قلنا: نعم، وهو أيضًا يفيد أخوة بينه وبين المشارك له في الدين، كما
[ ٢ / ٩٢ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فكان سبب الاستحقاق هو الأخوة دينًا بشرط الفقر وإنما شرطنا الفقر بالشرع، ولأنه لما وجب لدفع الحاجة وجب للمحتاج، ولا ينكر ضم شرط إلى سبب الاستحقاق بعد أن قام عليه الدليل، ثم وإن سلمنا أن الزكاة عبادة محضة لكن هذا لا يوجب سقوطها بالموت، لأنها عبادة مالية، والمال قائم، والأصل أن كل واجب بقى في محل/ وجوبه إلى أن يقوم الدليل على سقوطه.
فإن قالوا: هذا الواجب عليه ولم يبق من عليه.
قلنا: موت من عليه الحق لا يوجب سقوط الحق مثل سائر الديون، وهذا لأنه جعل بمنزلة الحي في تصوير البقاء عليه إلى أن يؤدي من ماله.
ألا ترى أن في سائر الديون جعل بمنزلة الحي في بقائها عليه إلى أن تؤدى من ماله.
وأما قولهم: «حقيقة العبادة في فعله».
قلنا: نعم، في فعله أو في فعل من يقوم فعله مقام فعله بسبب صحيح شرعًا بدليل الثابت في حال الحياة.
فإن قالوا: هنا وجد أمر من عليه الحق بالفعل، وههنا لم ويجد.
قلنا: وههنا وجد أمر الشرع فيقام أمر الشرع بالفعل مقام أمره، وهذا لأن الخطاب يتصل بالفعل واعتبر في بقائه تصور الفعل إما محسوسًا أو اعتبارًا، وههنا إن لم يتصور فعله محسوسًا تصور فعله اعتبارًا بالشرع، وإذا تصور فعل الزكاة من قبله بهذا الاعتبار بقى الوجوب وهو نظير العشر، وقد بينا أنه مثل زكاة سائر الأموال، وعلى أنا
[ ٢ / ٩٣ ]
إن كلمناهم في صدقة الفطر ضاق الكلام عليهم جدًا، لأنها تتأدى بولاية شرعية لا من قبل من عليه، بدليل أن الولي يخرج زكاة الفطر عن الصبي على ما عرف، ومع ذلك قالوا: إنها تسقط بالموت.
قالوا: «إن الصبي في الجملة من أهل الفعل فجاز أن يقوم فعل الولي مقام فعله، وأما الميت فليس من أهل الفعل أصلًا فلم يمكن إقامة فعل الغير مقام فعله».
قلنا: والصبي ليس من أهل فعل معتبر شرعًا وكلامنا في مثل هذا الفعل فاستويا من هذا الوجه.
وأما فصل إلزام الوصية فقوى جدًا.
وقولهم: «إنه وجد الأم منه بالزكاة فبقى وجوب الزكاة».
قلنا: وإنما يقوم فعل غيره مقام فعله حكمًا إذا كان من أهل الفعل محسوسًا، وقد خرج بالموت عن أهلية الفعل، فكيف يقوم فعل غيره مقام فعله ولا فعل له؟ ولئن جاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله حكمًا، وإن كان خرج عن أهلية الفعل محسوسًا جاز أيضًا ههنا أن يقوم فعل غيره مقام فعله وإن كان لا فعل له ولا أمر. ثم يقال لهم: إنكم إذا أبقيتم الوجوب لوجود الأمر فقولوا يكون من جميع المال.
وقولهم: «إنه يشبه التبرعات».
قلنا: كيف يشبه التبرعات وهو في نفس واجب؟ ولأنا بينا أن الواجب إنما كان من جميع المال، لأن قضاء حقه مقدم وحق الورثة متأخر عن حقه، وفي هذا المعنى يستوي جميع الواجبات سواء أحتاج إلى أمره بالإخراج أو استغنى عنه. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٩٤ ]
(مسألة)