(مسألة)
إذا نذر أحد يومي العيد أو أيام التشريق لم يصح نذره عندنا.
وعندهم: يصح نذره، ويصوم أيام أخر بعد هذه الأيام، وإن صام هذه الأيام خرج عن موجب نذره.
لنا:
إنه أضاف النذر إلى غير محله فيبطل، كما لو نذر صوم الليالي بدل الأيام.
وإنما قلنا: «إنه أضاف النذر إلى غير محله»، لأن المنذور هو الصوم وهذه الأيام ليست بمحل الصوم والدليل على أنها ليست بمحل الصوم أنه لا يحل صومها، ولو صام كان صومه معصية ولو كان الأيام محل الصوم لجاز صومه طاعة، ولم يتصور أن يكون معصية، لأن فعل الصوم في محل الصوم من أهل الصوم يكون قربه فيستحيل أن يكون معصية.
ثم الدليل على ما قلنا أن الصوم عقد شرعي فلا يكون صحيحًا إلا بالشرع والشرع في الصوم هو الإيجاب مرة، والاستحباب أخرى وليس
[ ٢ / ٢١٠ ]
له رتبة دون هذا ولا إيجاب في صوم هذا اليوم ولا استحباب بل هو منهي عنه بالنص الثابت فانتفى الشرع في صوم هذه الأيام بالكلية وإذا لم يكن مشروعًا بوجه لم يكن الفعل صومًا أصلًا، لأن ما ثبت بالشرع لا يتصور صحته بدون الشرع.
وأما وجه تقريب هذه الأيام بالليالي هو أن هذه الأيام أيام الأكل بنص الرسول - ﷺ - فإنه قال: «إنها أيام أكل وشرب».
كالليالي زمان الأكل بنص الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾.
[ ٢ / ٢١١ ]
فثبت أن أحد الزمانين كالآخر فإذا لم يصح النذر في أحدهما لا يصح في الآخر.
فإن قالوا: «إن أيام رمضان متعينة للصوم بالنص ومع ذلك تقبل ضده وهو الفطر».
قلنا: نعم، متعبنة للصوم لكن فعلًا فإذا لم يفعل لم يتصور الصوم.
وأما هذه الأيام متعينة للأكل إلا من حيث الفعل بدليل أنه لو لم يأكل فيها شيئًا لا حرج عليه مثل الليالي سواء، وإنما معنى تعيينها للأكل هو نفي الصوم عنها، بدليل أنه لا يأثم إلا عند الصوم مثل أيام رمضان متعينة لفعل الصوم فيها بدليل أنه ما لم يترك فعل الصوم لا يأثم فكما أن تعين أيام رمضان للصوم فعلًا يمنع خروجها عن محلية الصوم، فكذلك تعين هذه الأيام للأكل يمنع ثبوت محلية الصوم لها.
أما حجتهم:
قالوا: يوم، فيكون محلًا للصوم.
دليله: سائر الأيام.
واستدلوا في هذه الأيام محل الصوم بالنص والمعنى:
أما النص فلأن النبي ﵇ نهى عن صوم هذه الأيام، والنهي عن الشيء دليل على تكونه، ألا ترى أنه لا يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تنظر، لأنه لا يتصور منهما ذلك، ولأن النهي طلب الانتهاء والأمر طلب الفعل فصارت قضية الأمر ليصير الشيء حاصلًا بفعله، وصارت قضية النهي ليصير الشيء منعدمًا بكفه وتركه.
فإذا قلنا: إنه لا يكون محلًا للصوم لم يكن لانعدامه بفعله وكفه.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وأما المعنى: فلأن اليوم إنما صار محلًا للصوم، لأنه بياض نهار.
والدليل عليه: أن الصوم عبادة كف النفس عن قضاء الشهوات وإنما يكون عبادة بالكف عن قضاء الشهوات في زمان قضاء الشهوة والنهار زمان قضاء الشهوة، فأما الليل هو زمان الاستراحة ولأن العبادة عبادة مخالفة النفس الأمارة بالسوء، ومخالفة النفس بفعل على خلاف العادة أو بكف خلاف العادة، وذلك بكون وجوده في النهر دون الليالي.
فثبت أن ما به صار الصوم صومًا موجود في هذه الأيام إلا أنه نهى عن الصوم فيها لمعنى في غير الصوم وهو تحقيق إجابة الداعي فإن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام، وقد دعاهم إلى الأكل لتحقيق الضيافة ونهاهم عن الصوم لتحقيق الإجابة وإذا كان النهي لمعنى في غيره لم يوجب فوات الصوم أصلًا أو خروج الأيام عن محلية الصوم، وهذا كالصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت النداء، والطلاق زمان الحيض، والإحرام وقت الوطء.
قالوا: وقولكم: «إن الصوم في هذه الأيام معصية».
قلنا: بلى، ولكن معصية لغيرها لا لعينها مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت النداء إذا كانت معصية لغيرها لا لعينها لم يوجب ذلك انتفاء الصحة مثل هذه المسائل.
وربما يقولون: الصوم في هذه الأيام مشروع بأصله لا بوصفه، ومعنى قولنا: «مشروع بأصله» لأنه مشروع من حيث أن اليوم يوم.
ومعنى قولنا: «إنه غير مشروع بوصفه» فإنه غير مشروع من حيث أن اليوم يوم عيد أو يوم فطر وأكل، والعيد وصف اليوم، إلا أنه وصف لا يزايل اليوم فمن حيث أنه وصف العيد كان الصوم غير مشروع فصار فعله معصية، واتصف بالحظرية والقبحية ومن حيث أصل الصوم.
[ ٢ / ٢١٣ ]
قلنا: يكون محل عذرًا له فيصح/ نذره وإن أضاف النذر إليه.
يبينه: أن عندنا إنما يصح نذره من حيث أصله لا من حيث وصفه، وليس كما لو شرع في صوم هذه الأيام، لأن الشروع إنما يوجب الصوم بدليل المنع من إبطاله شرعًا، والصوم في هذه الأيام لما كان قبحًا محظورًا أطلق له تركه ولم يجب حفظه ففات المعنى الموجب فلم يجب. وأما النذر فهو واجب بالالتزام، والالتزام قد وجد من أهله في محله، أما الأهلية معلوم، وأما المحلية لما سبق من قبل.
قالوا: وأما إذا شرع في الصلاة في الأوقات المنهية فإنما لم تجب، لأن سبب الوجوب هو الشروع، والشروع بالتكبير والتكبير ليس من الصلاة التي نهى عنها فلزمت الصلاة به، وههنا نهى عن الصوم والشروع في الصوم صوم فلم يكن الشروع موجبًا لورود النهي، ولا يكون موجبًا عندنا لا لعينه بل بواسطة وجوب حفظه فإذا لم يجب حفظه، لأنه منهي عنه لم يكن سببًا للوجوب.
قالوا: وأما إذا قضى يومًا في هذه الأيام إنما لم يجز، لأنه لما كان مشروعًا بأصله دون وصفه كان الصوم فيه ناقصًا، والواجب عليه من القضاء واجب كامل فلم يتأد الكامل بالناقص إلا أن في مسألتنا إذا صام هذه الأيام إنما خرج عن موجب النذر، لأنه قد أضاف الصوم إليها والخروج لحق الإضافة.
قالوا: وليس كما لو نذرت أن تصوم يوم حيضها، لأن اليوم هناك قابل للصوم إلا أن فساد النذر في هذه الصورة إنما كان، لأن الناذر ليس
[ ٢ / ٢١٤ ]
بأهل للصوم فإن طهارتها عن حدث الحيض شرط لتصير أهلًا لفعل الصوم مثل طهارة الرجل عن الحدث شرط ليصير أهلًا لفعل الصلاة.
وقد استدل بعض مشايخهم على كون هذه الأيام محل الصوم: بأن تخللها في صوم شهري التتابع يقطع التتابع، ولو لم يكن محلًا للصوم لم يقطع، كما نقول في الليالي إذا تخللت، ومعتمدهم الأول.
الجواب:
أما قولهم: يوم.
قلنا: اليوم اسم زمان ومثل هذا لا يصلح لبناء الشرعيات عليه، كقول القائل: وقت، أو قطعة زمان وما أشبه ذلك.
وأما استدلالهم بالنهي وهو معتمدهم.
قلنا: إنما صح النهي، لأنه يتحقق محسوسًا وإن لم يتحقق مشروعًا، وهذا لأن الصوم له حقيقتان: حقيقة حسية، وحقيقة شرعية، فصح النهي لوجود الحقيقة الحسية ثم كان عمل النهي في نفي الحقيقة الشرعية على ما سبق بيانه.
وسؤالهم على هذا أن النهي ورد عن الصوم، والصوم هو الصوم الشرعي لا الصوم الحسي فاقتضى النهي وجود ما هو الصوم حقيقة.
قلنا: قد كان يقتضي ذلك إلا أنه لا يمكن إثبات الصوم الشرعي بعد ورود النهي عنه لما بينا.
ثم الجواب المعتمد تحقيقًا:
إن الصوم حقيقة من العبد ليس إلا الإمساك مع النية، والنهي منصرف إلى ما هو فعل العبد، والذي هو فعل العبد متصور منه فصح النهي عنه لتصوره منه.
[ ٢ / ٢١٥ ]
وأما كونه عبادةً وصومًا شرعيًا بالشرع، والنهي لا يتصور عنه أصلًا غير أنه انتفى الشرع، فثبت بهذا تحقق النهي وتكون النهي عنه ثم ظهر عمل النهي في نفي المشروعية من قبل الشارع، وإذا انتفت المشروعية من الشارع انتفى الصوم الشرعي قطعًا، وهو مثل النهي عن نكاح المشركات ونكاح الأمهات والبنات ونكاح امرأة الأب وبيع الحر وغير ذلك، صح النهي في هذه الصورة كلها لتصور وجودها من العبد على غاية ما يمكن منهم ثم انتفت الصحة شرعًا، لأن النهي نفى المشروعية ولا يتصور عقد مشروع مع انتفاء المشروعية.
وأما قولهم: «في التفريق بين النهي الوارد عن الشيء لعينه ولغيره».
فهذا تفريق لا يعرف، والنهي عن الشيء لعينه لا يتصور عندنا، لأن النهي بخطاب الشرع ولا ينهي عن الشيء لعينه بحال، وأيضًا لو نهى عن شيء لعينه لم تتصور إباحة مثله بوجه من الوجوه، فإن النهي عن القتل لو كان لعين القتل فينبغي أن لا يباح القتل بحال، وكذلك الزنا وغير ذلك، فهذا كلام مردود متلقي من القائلين بكون الأشياء واجبة عقلًا محظورة عقلًا أخرى، وهذا مذهب مردود وهو بدعة وضلالة.
وأما عندنا: فالحظر والإباحة والإيجاب بالسمع لا غير.
ونقول: إن الشيء إذا ورد النهي عن نفسه كان نفس الشيء وهو العقد أو غيره منهيًا عنه أوجب فساده.
وإن شئت قلت: أوجب خروجه عن كونه عقدًا شرعيًا أو مشروعًا على الإطلاق.
وقولنا: «إن نفسه يكون منهيًا عنه».
يعرف ذلك بأن لا يوجد النهي إلا بوجود الشيء مثل النهي عن نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين، وكذلك النهي عن
[ ٢ / ٢١٦ ]
نكاح المشركات، والوثنيات وبيع/ الأحرار وبيع المضامين والملاقيح وغير ذلك، فإنه لا يوجد النهي عن شيء من هذه العقود إلا بهذه العقود وكذلك في مسألتنا لا يوجد النهي عن صوم هذه الأيام إلا بوجود الصوم حتى لو أمسك ولم يأكل في هذه الأيام لا عنت عليه.
فثبت بهذا أن النهي يتناول نفس الصوم فأوجب ما ذكرناه.
وخرج على هذا المسائل:
فإن مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة ليس النهي عن نفس الصلاة بدليل أنه لو شغل الأرض المغصوبة بشيء آخر سوى الصلاة كان منهيًا عنه، وكذلك البيع وقت النداء ليس النهي عن نفس البيع بدليل أنه لو اشتغل بشيء آخر سوى البيع يكون منهيًا عنه، وكذلك الطلاق في زمان الحيض ليس النهي عن نفس الطلاق بل هو عن تطويل العدة والإضرار بالمرأة حتى لو طلق قبل الدخول في حال الحيض لا بأس به، وكذلك لو طول العدة عليها بالمراجعة من غير رغبة والطلاق بعد ذلك محرم، وكذلك الإحرام مجامعًا ليس النهي عن الإحرام إنما النهي عن المجامعة عند الإحرام، فهذا وجه بين تخرج عليه جميع المسائل.
ويمكن أن يقال: إن النهي عن الشيء إذا كان لطلب ضده فيكون النهي عن نفس الشيء وإذا لم يكن لطلب ضده فلا يكون عن نفس الشيء. وقد نهى في مسألتنا عن الصوم وهذه الأيام لطلب ضده وهو الفطر.
[ ٢ / ٢١٧ ]
فدل أن نفسه منهي عنه مثل النهي عن نكاح الأم والبنت كان لطلب ضده وهو عدم النكاح وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين كان لطلب ضده وهو التفريق إن أراد النكاح أو ترك النكاح أصلًا.
وعلى هذا خرج المسائل.
فإن النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة ليس الطلب ضدها أو هو ترك الصلاة، وكذلك في البيع وقت النداء حتى لو باع وهو يسعى إلى الجمعة لم يكن منهيًا عنه، وكذلك في الطلاق حالة الحيض لم يكن لطلب ضده وهو بقاء النكاح حالة الحيض، ألا ترى أنه لو طلق وهي طاهرة ثم حاضت فلا نكاح والحيض موجود، وكذلك النهي عن الإحرام مجامعًا وغير ذلك مما يوردونه كل ذلك خارج على الأصل الذي ذكرنا.
وأما المسائل الإلزامية من فصل الشروع وعدم جواز القضاء في هذه الأيام وفساد نذر المرأة صوم يوم حيضها مسائل لازمة، واعتذارهم ضعيفة عند التأمل، تركنا الكلام عليها لظهورها ولئلا تطول المسألة.
وأما فصل انقطاع التتابع فإنما كان كذلك لوجود الانقطاع صورة، وكذلك في الليل إلا أن الاحتراز لا يمكن هناك فسقط اعتباره بخلاف مسألتنا فاعتبر وبطل التتابع. والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٢١٨ ]