(مسألة)
إذا نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم ذكره أعاد عندنا.
وعندهم: لا يعيد، إلا أبا يوسف فإنه وافقنا فيما قلناه.
لنا:
إن التيمم أخطأ محله فلم يصح، وإنما قلنا إنه أخطأ محله، لأن محل التيمم حال عدم الماء بنص الكتاب، وهذا واحد للماء حقيقة وحكمًا.
أما الحقيقة فلأنه واجد قبل النسيان فإذا نسى لا يصير عادمًا، لأن النسيان لا ينافي الوجود، وإنما ينافي الذكر فيكون واجدًا ناسيًا.
يبينه أن رحله في يده والماء في رحله فيكون الماء في يده فكيف يتصور أن يقال هو عادم لشيء في يده وقبضه؟
[ ١ / ١٥٧ ]
أما الحكم: فلأنه وجد على الماء علم ظاهر وهو عمله برحله، ورحل المسافر قلمًا يخلو عن الماء وإن خلا فهو نادر، وكما لو نزل المسافر بجنب قرية عامرة لا يجوز له التيمم، لأن القرية قلما تخلو عن الماء فلا يجوز أن يجعل عادمًا للماء والحالة هذه، كذلك هاهنا.
وإذا ثبت ما قلناه من وجود الماء فنقول: التيمم صح في الظاهر، لأنه ظن أنه عادم للماء، ولم يصح حقيقة، لأنه غير عادم له حقيقة وقد تبين ذلك فيلزمه الإعادة، كما لو كان عنده رقبة وهو ناس لها فصام ثم ذكر الرقبة يلزمه إعتاقها، وكذلك إذا كان ثوبًا وهو ناس له فصلى عاريًا ثم ذكر يجب عليه الإعادة.
وكذلك إذا ظن أنه على الوضوء فصلى ثم تبين أنه ليس على الوضوء والأمثلة تكثر.
وأما حجتهم:
قالوا: عاجز عن استعمال الماء فيجوز له التيمم، كما لو كان يخاف العطش. والدليل على أنه عاجز أن القدرة لا تكون إلا بالوصول إلى الماء ولا يتصور الوصول إلا بالذكر، فدل أنه عاجز، وربما يقولون: النسيان حائل بينه وبين الماء، فصار كما لو كان حائل من سبع أو غيره.
قالوا: وأما «قولكم إنه واجد للماء»، نسلم الوجود إنما ندعى العجز عن الاستعمال مع الوجود، كما يعجز عند خوف العطش بل العجز في مسألتنا فوق العجز بالعطش.
وأما قولكم: «إنه وجد علم ظاهر على الماء».
قلنا: ذلك الظاهر قابله ظاهر آخر، وهو أن ما يكون في رحله يكون بعلمه ووضعه فلو كان فيه ماء لم يخف عليه، وإذا تقابل الظاهران سقطا وبقى ما قلنا إنه عاجز عن استعمال الماء.
[ ١ / ١٥٨ ]
وأما فصل نسيان الرقبة ونسيان الرقبة ونسيان الثوب فقد منعوا المسألتين.
واعتذر أبو زيد عن فصل الرقبة وقال: تفسير الوجود في الرقبة هو الملك.
ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده الذي عليه كفارة الظهار أو القتل: اعتق هذا العبد عن كفارتك لا يجوز، وإن وجد الرقبة لأنه لا ملك له.
وأما تفسير الوجود في الماء هو القدر بدليل أنه لا يعتبر ملكه، ولو بذل له الغير ماء من غير تملك لم يجز له التيمم.
قال: وأما إذا نسى الطهارة أصلًا فلأن الطهارة شرط الصلاة ولا / في إسقاط أصلًا.
وأما في مسألتنا جواز التيمم لا يؤدي إلى أصل الطهارة، لأنه إن لم يوجد الوضوء فقد وجد التيمم.
الجواب:
أما قولهم: «إنه عاجز عن استعمال الماء».
قلنا: أيش تعنون بهذا إن عنيتم به من حيث الظاهر، فمسلم، وإن عنيتم من حيث الحقيقة فليس كذلك، لأنه قادر على الماء حقيقة، لأن القدرة هو التمكن وإذا كان الماء في رحله فهو متمكن منه لأنه متمكن من رحله فيكون متمكنًا من الذي يشتمل عليه رحله وإذا كان قادرًا حقيقة عاجزًا من حيث الظاهر، والعجز الظاهر من غير حقيقة لا ينتصب علة من جواز الانتقال إلى التيمم، وعلى أنا قد بينا أنه وجد علم ظاهر على الوجود، وذلك علم على الوجود والقدرة جميعًا.
[ ١ / ١٥٩ ]
وقولهم: «إنه قد قابله ظاهر آخر».
قلنا: والظاهر الذي قلتم قابله ظاهر آخر، وهو أن الماء الذي في رحله وإن كان الظاهر أنه يكون بوضعه وعمله، ولكن الإنسان تعتريه الغفلة والنسيان فيغفل عن الشيء، ثم ينتبه، وينسى الشيء ثم يذكره فينبغي أن يحمل أمره على هذا، ويطلب الماء في رحله ويفتشه حتى يعثر عليه وخرج على ما قلناه إذا كان على رأس بئر مطموم وليس عليه أثر، تيمم ثم إنه وجد، وكذلك إذا ضل رحله بين الرحال يخرج على ما قدمنا إن سلمنا، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٦٠ ]