(مسألة)
إذا هلك مال الزكاة بعد حؤول الحول ووجود التمكن من أداءها لم تسقط الزكاة عمن عليه بهلاكه عندنا.
وعندهم: تسقط.
لنا:
إن المال سبب الوجوب لأداء فعل الوجوب فإذا حصل الوجوب واستقر فقد عمل السبب عمله، والسبب إذا تم عمله فبعد ذلك شرط وجوده لغو لا معنى له كسائر الأسباب إذا تمت، وأقواها صدقة الفطر فإنها لم تسقط عنها بهلاك المال لما بينا.
وهذا لأن الوجوب محله الذمة فإذا وجب الشيء فقد حصل في محله الذي له فاستغنى عن تعلقه بمحل آخر، لأن الذمم مستقلة تحمل الواجبات مستغنية في وجوبها عن ضم محل آخر إليها بل لا يتصور الوجوب إلا في الذمة فإن معنى الوجوب في الذمة تكليف المكلف فعلًا على صفة مخصوصة فيقال وجب عليه كذا، وكلف/ كذا، ثم إنما يكون أداؤه بآلة:
[ ٢ / ٢٢ ]
فإما أن تكون الآلة هو البدن مثل العبادات البدنية، وإما المال مثل اللوازم المالية، فإن كان بدنيًا فلا التفات فيه إلى المال، وإن كان ماليًا فلا يتعين له مال دون مال، لأن جميع الأموال في تصور الأداء به واحد فلا معنى لتعين محل واحد له، اللهم إلا أن يكون التعيين لمعنى لغرض مطلوب يطلبه الشرع من توثقه مؤدية إلى اختصاص باستيفاء وخلاص من مزاحمة لولاها لم يحصل به ذلك مثل الرهن فتعين له ذلك المال من وجه لا من وجه على ما عرف في كتاب الرهن. وإذا لم يتعين له محل فهلاك مال بعينه لا يوجب سقوطه بل يؤمر بالتوصل إلى الأداء بمال آخر، فإن وجد ولم يفعل لم يعذره الشرع، فإن لم يجد عذره الشرع رحمةً وتخفيفًا لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
فأما تعلق الوجوب بأعيان الأموال فلا مطمع لأحد في تحقيقه وتصويره، ولئن قاله قائل فهو مجازف مباهت ولا كلام مع مثل هذا.
واستدل الأصحاب في أن الوجوب لا يلاقي المال أنه لو أدى الزكاة من مال آخر يجوز ولو تعلق بالعين لم يجز، ولتعين هذا المال له على التحتم واللزوم، وما ذكرناه من القاعدة مستغنية عن هذا الحكم، وسنذكر كلامهم عليه.
وقد سلك كثير من مشايخنا طريقة أخرى وهي:
أنه بالتأخير بعد التمكن آثم جان متعد فيضمن إذا هلك، كما لو منعه من الساعي ثم يهلك، والدليل على أنه جان وجوب إخراج الزكاة على الفور،
[ ٢ / ٢٣ ]
لأنها وظائف موظفة على السنين لدفع حوائج تتجدد للفقراء على مرور الأوقات والأزمان عليهم فإطلاق التأخير ليؤديها من عليه متى اختاره لا يجوز، لأن الحوائج إذا تعجلت والوظائف إذا تأخرت بطلت الإغراض ويموت المحاويج، وما أوجب لسد الحاجة فلا يوجب على وجه لا ينسد به الحاجة.
يبينه: أنه إذا جاز التأخير، والمنايا طوارق على الرجال، والنوائب على الأموال غوادي وروائح، وكل واحد منهم مسقط للزكاة لم يبق للوجوب أثر. فدل على أن الوجوب على الفور، وأنه جان متعد بالتأخير فيلحقه وبال جنايته ليبقى الحق عليه وإن هلك محل أدائه ليؤديه من محل آخر، ويجعل المال في حقه كالقائم فيلزمه الغرامة، مثل ما لو استهلك المال، وهذه طريقة جيدة يمكن تمشيتها، غير أن الاعتماد على الطريقة الأولى، والتحقيق فيها، وسنذكر كلامهم على الطريقة الثانية، ووجه الجواب عنه.
وأما حجتهم:
قالوا: الواجب جزء من المال فإذا هلك المال فلم يبق محل ليجب جزء منه فسقط الواجب لفوات المحل.
وربما يقولون: حق تعلق بعين المال فيسقط بهلاكه.
دليله: العبد الجاني إذا هلك، والدليل على أن الواجب جزء من المال النصوص من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ﴿فِى أَمْوَالِهِمْ
[ ٢ / ٢٤ ]
حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ ونظائر ذلك، وكذلك: «في خمس من الإبل شاة»، «وفي أربعين من الغنم شاة».
وكلمة «في» دليل على المحلية وأن الواجب جزء منه.
واستدل أبو زيد على هذا الأصل بمسائل منها:
أنه لو باع المالك مال الزكاة لا يجوز، وأراد به مذهبنا.
قال: «ولو تصدق بجميع النصاب على فقير نفلًا سقطت عنه الزكاة، ولو لم يتعلق بالمحل لم يسقط، ولأن تقدير الواجب بالعشر أو ربع العشر دليل على أن الواجب جزء منه».
قال: «والواجب عليه فعل في المحل بالإخراج، وشبه هذا بمن قال لغيره: ادفع وديعتي إلى فلان، فلم يدفع حتى هلك سقط الأمر منه، وكذلك المودع إذا قبل الحوالة ليقضي دين المودع من الوديعة فهلكت الوديعة بطلت الحوالة».
وأمثال هذا ليس له كلام معنوي يدل على هذا الأصل الذي يدعيه بعد زعمه تدقيق النظر وإكثار الرواية، وادعى بعضهم على صحة هذا الأصل من أصل الشافعي أن الزكاة عنده تمنع الزكاة، مع قوله: «إن الدين لا يمنع الزكاة»، وليس ذلك إلا لأن الواجب جزء من المال.
[ ٢ / ٢٥ ]
قالوا: وأما إذا أدى الزكاة من موضع آخر إنما جاز لأصل ذكره في مسألة القيم.
وحرفهم في هذا أنه إنما جاز ذلك بطريق أن حق الله في إخراج جزء من المال المعين، وحق الفقير في المال المطلق فملك أن يؤدي عين المستحق كأنه أداه برضا صاحب الحق وهو الله تعالى، ووجود رضاه بأمره يصرفه إلى الفقير الذي حقه في المال مطلق.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان بالتأخير حتى هلك المال فقد قال بعضهم: لا جناية أصلًا.
قال أبو زيد: لم يوجد منه من التعدي ما صلح علة لضمان لعين لأنه لا جناية على نفس الحق، لأن وقت الأداء قائم، ولئن عد جانبًا على نفس الحق يكون بالتفويت ولا تفويت، لأنه وإن أخر مدة طويلة ثم أدى يكون مؤديًا وهو مثل تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان على محل الحق، لأن الجناية عليه تكون بالإتلاف أو الغصب الذي عندنا حده إزالة اليد ولم يوجد، لأن العين قائمة ولا يد لأحد حتى تزال وسلم الإثم إلا أنه قال: مجرد الإثم لا يدل على الضمان كالممسك وغيره.
وقالوا: والأصح أنه وإن طالبه الساعي بإخراج الزكاة فامتنع حتى هلك لا ضمان.
[ ٢ / ٢٦ ]
وأما إذا استهلك المال فقد جنى على محل الحق بالإتلاف فضمن وصار كالمولى إذا قتل العبد الجاني يضمن، بخلاف ما لو هلك بنفسه.
قالوا: وأما صدقة الفطر فالواجب ليس بجزء من المال بل هو واجب في ذمته بسبب رقبته ورقبته شخص يلي عليه على صفة مخصوصة.
وأما ملك المال عندنا إنما اعتبر ليصير غنيًا فيكون أهلًا لوجوب الصدقة عليه ونظير هلاك المال في الزكاة هلاك الرقبة في صدقة الفطر.
قالوا: وأما الحج فخارج على ما قدمنا، لأن الفوات يتحقق بتأخيره عن وقته فصار جانيًا عليه بالتأخير، وأما إدراكه في السنة الثانية فهو على التوهم على ما يذكرونه في كتاب الحج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذه الطريقة إذا انتهت إلى هذا الوضع.
وقد ذكروا في الأمالي طريقة أخرى:
وهو أن وجوب الزكاة كان بصفة فلا يبقى إلا على ذلك الوصف حتى لا يبقى غير ما وجب، والوصف المشار إليه وصف اليسر، وهذا لأن المكنة غير كافية لأنه يملك عشرة وعشرين توجد المكنة من إخراج خمسة دراهم لكن لا على سبيل اليسر، فإذا بلغ نصابًا تيسر، وصفة اليسر إنما تبقى ببقاء المال، فإذا هلك المال فات اليسر، لأن صفة اليسر بإخراجه من المال النامي ليكون النماء في مقابلة ما يخرجه فتيسر عليه فإذا هلك وألزمناه الأداء من كيسه كان غرامة وزال الوصف الذي ذكرناه.
قال: وليس كما لو كان عنده مائتا درهم وحال عليها الحول وهلكت مائة حيث يبقى على ردهمان ونصف، لأن إخراج هذا القدر من مائة درهم مثل إخراج خمسة من مائتين وكلاهما بوصف اليسر إلا أن اعتبار ملك المائتين في الابتداء شرط ليصير أهل وجوب الصدقة عليه ثم تلك الأهلية تعتبر
[ ٢ / ٢٧ ]
عند الوجوب فإذا تحقق فحينئذ تسقط بقدر الهالك وتبقى بقدر الباقي، وتعلقوا بهلاك المال قبل التمكن من الأداء.
وقالوا: شرط التمكن لتجب الزكاة بعيد جدًا، ولو استهلك المال قبل التمكن من أداءه غرم الزكاة ولو لم تجب لم يغرم، كما لو استهلك قبل حؤول الحول، ولأن التمكن لا يعتبر في الواجب إنما يعتبر تحقق السبب بدليل النائم والمغمى عليه في جميع وقت الصلاة تجب عليهما الصلاة ولا تمكن.
وقد قال مشايخهم: إن قدر الزكاة في يده أمانة لحصوله بغير فعله مثل الثوب هب به الريح وألقته في حجره، فإذا كان أمانة وهلك من غير فعله فلا ضمان كما في الوديعة.
الجواب:
أما الطريقة الأولى فلم أعثر فيها إلا على مجرد الدعوى. ومسألة البيع ممنوعة، وعلى أحد القولين وإن أبطلنا البيع فهو كبيع المرهون فإن المال وثيقة به، ومسألة التصدق بجميع المال على أصلهم.
ومسألة منع الزكاة وجوب الزكاة في الحول الثاني على أصولهم أيضًا.
وإيجاب العشر في الزروع لتقدير الواجب بقدر معلوم لا لأن الواجب على ما زعموا، وقد طال تعجبي من هذه الدعوى العريضة التي بنى عليها مسائل كثيرة من غير أن يحكم هذا الأصل بمعنى وإن قل، وكيف يجوز أن يترك الأصل الذي يعرفه كل أهل العلم وهو أن الوجوب لا يتصور إلا في الذمة بمثل هذه الأشياء؟
وأما الكتاب والسنة اللذان وردا في كذا وكذا لتحقيق السنية وليس كما زعموا.
[ ٢ / ٢٨ ]
يبينه: أنه قال ﵇: «في خمس من الإبل شاة»، والشاة لا تكون جزء من الإبل، ولهم على هذا حرف يذكرونه في مسألة القيم وسيرد.
وقولهم: «إن الواجب فعل الإخراج».
قلنا: فعل الإخراج أداء الواجب الذي استقر في الذمة مثل فعل الإخراج في سائر الواجبات.
وأما مسألة العبد الجاني، فنحن نقول: إن الرقبة للعبد بمنزلة الذمة للأحرار، ومعنى التعلق بالرقبة وجوب بيعه في الجناية.
وعلى أنا نقول: وإن هلك العبد الواجب باقي عليه في الآخرة غير أن السيد لا يؤاخذ بهذا الواجب، لأنه لا فعل منه/ يعني الجناية، والواجب واجب الفعل.
وأما ههنا فهذا واجب مبتدأ بسبب يكون في الذمة على ما سبق.
وأما الواجب عن هذه الطريقة على الطريقة الثانية فسهل، لأن نهاية ما في الباب أن يسلم لهم ما ادعوه لكن هو متعد بالتأخير فيضمن كما لو منع الوديعة من المودع.
وقولهم: «لم توجد الجناية على نفس الحق».
قلنا: ليس معنى هذا إلا أنه يكون مؤديًا متى أخرج الزكاة، ويبطل هذا بالمودع إذا منع الوديعة حتى هلكت ضمنها، ولو منع ثم أدى يكون مؤديًا على الحد الذي لو سلمها قبل المنع.
والحرف أن المضمن حظرية التأخير وإذا حرم التأخير وأخر وهو حق الآدمي على ما سنبين دخل في ضمانه، وعندي أن الاعتماد على الطريقة
[ ٢ / ٢٩ ]
الأولى لأنها محض التحقيق، وخلاصة الفقه، والتضمين مجرد التأثيم فيه خطر عظيم.
وأما طريقتهم الثانية قولهم: «وجبت الزكاة بصفة اليسر».
قلنا: بلى، الوجوب معلوم، فأما ضم هذا الوصف إليه فليس عليه دليل اللهم إلا أن يكون المراد به إيجاب قليل من كثير وغيض من فيض فهذا مسلم، وقد وفينا الواجب هذه الصفة حيث لم يوجب إلا على هذا الوجه.
وقولهم: «وجب أن يبقى على وصف ما وجب».
قلنا: هو ذلك الواجب لم يتغير وبقاؤه بعد هلاك المال من قضية كونه في الذمة وكون المال آلة الأداء، وهذه الآلة وإن هلكت لم يعوز آلة أخرى. وهذا لأن بهلاك المال لا يصير وصفنا الواجب بكونه قليلًا من كثير فائتًا بل هو على ما كان.
الجواب على الطريقة الثانية ممكن أيضًا، لأنه وإن وجب على هذا الوصف لكن تعديه أدخله في ضمانه، كما لو استهلك المال.
وأما فصل هلاك المال قبل التمكن من الأداء فسقوط الزكاة إن سلمنا وجوبها كان لعدم استقرارها، ودليل عدم الاستقرار عجزه عن فعل الإخراج وسقوطه عنه مع تصوره منه محسوسًا، بخلاف النائم والمغمى عليه وسقوط غير المستقر غير مستبعد، لأنه يكون واجبًا من وجه لا من وجه وهذا الحرف إذا أصابه الفقيه مشى الكلام فليتأمل فيه.
وأما قولهم: «إن قدر الزكاة أمانة».
قلنا: ليس كأمانة أموال الناس عند الناس إنما معنى الأمانة أن الشرع جعل الإخراج إليه مثل الصلاة والصوم وغيره وفوض إليه، وجعل أمينًا عليه، وهذا لا يمنع وجوب الضمان عند قيام الدليل عليه. وقد قام الدليل عليه على ما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٣٠ ]