(مسألة)
الإفراد أفضل من القران عندنا، وكذلك هو أفضل من التمتع، وعندنا هما رخصة، والواجب دم جبران.
وعندهم: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قالوا: هما عزيمة. والدم دم نسك.
لنا: حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ أفرد الحج، خرجه مسلم في الصحيح.
وروى أبو نعيم عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن أبيه
[ ٢ / ٢٩٧ ]
عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله/ - ﷺ - مهلين بالحج في أشهر الحج».
وفي رواية: «لا نذكر إلى الحج».
وفي رواية: «لا نرى إلا الحج».
وهذه الألفاظ كلها روايات ثابتة.
وروى عطاء عن جابر «أن النبي ﵇ أهل بالحج».
وفي رواية: «مفردًا».
وفي رواية: «خرجنا مع رسول الله حاجًا لا نريد إلا الحج ولا ننوي غيره».
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «أن النبي ﵇ أفرد الحج».
وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان.
وأما هم تعلقوا بما روى حماد بن زيد عن حميد
[ ٢ / ٢٩٩ ]
عن أنس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لبيك بحجة وعمرة».
وفي رواية أنس أنه سمع النبي ﵇ يقول: «لبيك عمرة وحجًا».
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: قلت لأنس بن مالك: كيف صنعتم في حجتكم مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: قدمنا ونحن نقول: لبيك عمرة وحجًا، فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحل إلا من كان معه الهدى، فلقيت ابن عمر فسألته فقال ابن عمر: إنا أهللنا بالحج فأخبرته بقول أنس فقال: نسى ﵀، فلما رجعت أخبرت بقول ابن عمر فغضب، وقال: كأنا صبيان».
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وروى عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - «أهل بهما لبيك عمرة وحجًا).
وفي الباب عن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، قال: «وهذه الرواية أولى لأن فيها زيادة».
وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس «أن النبي ﵇ اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والرابعة التي مع حجته».
[ ٢ / ٣٠١ ]
(وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر ﵃).
والجواب:
إن الشافعي ﵀ أحتج برواية الإفراد بفقه عائشة وحفظ جابر وقرب ابن عمر.
أما فقه عائشة فلا إشكال فيه.
وأما حفظ جابر فلأنه أحسن الرواة سياقة لحج النبي ﵇ ولم يرو أحد حج النبي ﵇ من أوله إلى آخره كما رواه جابر. وأما قرب ابن عمر فلأنه قال: كان أنس يدخل على النساء وهن متكشفات، وكنت تحت ناقة النبي ﵇ يمسني لعابها.
وروى بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر أنه قال: «ذهل أنس، إنما أهل رسول الله - ﷺ - وأهللنا معه».
وفي رواية «رحم الله أنسًا، وهل أنس، إنما أهل بالحج وأهللنا معه».
واعلم أنه لا يصح في القران إلا رواية أنس.
وأما غيرها من الروايات فيها مقال كثير، وقد أنكر ابن عمر روايته وزعم أنه نسي وذهل.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
والخبر الواحد إنما يقبل بجهة حسن الظن بالراوي فلابد من سلامته من دعوى النسيان والخطأ عن أمثاله.
وقد ادعى ابن عمر عليه النسيان والخطأ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال لأنه يحتمل أنه سمع النبي ﵇ يعلم غيره القران بين الحج والعمرة فظن أنه قال بنفسه وهذا محتمل، وأنس ﵁ غير معصوم من الخطأ.
وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان أفردوا الحج، والظاهر أنهم اقتدوا في فعلهم بفعل رسول الله - ﷺ -، فدل أنه كان مفردًا.
فإن قالوا: قد ثبت عن علي ﵇ أنه قرن.
قلنا: «إنما فعل ذلك حين نهى عثمان عن المتعة وعن الجمع بينهما» فأهل بهما ليبين الجواز.
وفي الباب قصة طويلة وروايات كثيرة.
وأما الذي رووا عن ابن عباس ﵁ في أن النبي ﵇ اعتمر أربع عمر.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
قلنا: الصحيح من ذلك الخبر أنه مرسل رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي ﵇.
وقد اختار أكثر أهل الحديث التمتع وجعلوه أولى، وفي فعل رسول الله ﷺ المتعة روايات صحيحة، ولعل الجمع بين الروايات المختلفة على طريق من يقول: إن التمتع أمكن وأفضل وأسهل.
وأما رواية ترجيح الإفراد على رواية القران على ما سبق.
وفي هذه المسألة خطب عظيم.
وقد طعن بعض أهل البدعة في الرواة ونسبوهم إلى الكذب بسبب اختلافهم في هذه الروايات مع اتفاق الكل أن النبي ﵇ لم يحج إلا حجة واحدة، وقد بينا وجه الترجيح والتأويل، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من إساءة القول في السلف الصالح وأن يجعلنا ممن يحسن الظن بهم ويحسن القول فيهم، وأن نكون ممن يرجع بالتهمة على نفسه بظن التقصير وقلة البلوغ لقلة الآلة، والله تعالى ولى العصمة والمعونة.
وأما الكلام في المعنى فنقول:
القران والمتعة رخصتان، والأصل هو الإفراد، والدليل على أن القران رخصة أنه يتضمن إسقاط أحد السفرين وإحدى الزيارتين، والحج حقيقة زورة لبقاع معلومة محترمة وحضور إلى مشاهد مخصوصة معظمة مشرفة وأدنا مقصود في
[ ٢ / ٣٠٤ ]
/ باب الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من وطنه ولولا أن السفر مقصود وإلا لكان يحج عنه من أدنى المواقيت.
ويدل عليه: أنهم قالوا: لو نذر أن يحج ماشيًا فحج به راكبًا يلزمه دم، وفي القران اقتصار على زورة واحدة وسفر واحد فعلى فعل السفرين استكثار تحمل التعب والنصب، وكلما كثر التعب والعمل فيكون الثواب أكثر، وإذا كان الثواب أكثر كان الفعل أفضل، وأيضًا فإن فعل زيارتين استكثار الزيادة، والحاج زائرًا لله تعالى، والله تعالى مزوره، وكما كانت الزيارة أكثر كان موقعها عند المزور أعظم وأكثر.
وأما حرف بيان أن القران والمتعة رخصة فلأن في القران ترك سفر مقصود وزيارة مقصودة، وفي فعل ترك فعل العمرة في وقتها وهو غير أشهر الحج وفعلها في غير وقتها فكان كلا العملين من القران والمتعة رخصة.
يبينه: أن لفظ المتعة دليل على الرخصة، لأنه ترفه وارتفاق زائد لم يكن مشروعًا في أصل النسك فإذا ثبت النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن الإفراد أفضل، وثبت أن الدم دم جبران لا دم نسك فيكون فعل النسكين على وجه لا نقصان فيه أولى من فعله مع النقصان وقد قال جماعة من أصحابنا: إن الأعمال تكون أكثر في إفراد النسكين، وتعلق بالتلبية والحلق والسفر الذي بيناه، والأولى ما سبق وهو حقيقة المسألة وليكن الاعتماد عليه.
أما حجتهم:
من حيث المعنى في القران معنيان يدلان على أنه الأفضل:
[ ٢ / ٣٠٥ ]
أما الأول: فلأن فيه البدار إلى فعل النسكين وقد قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، وقال تعالى في أعمال الخير: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ومعناه: إليها سابقون.
وفي الإفراد تأخير أحدهما وفعل الآخر.
والثاني: قالوا: إن العمرة تنزل من الحج منزلة نفل الصلاة من فرضها، ألا ترى أنها عبادة من جنس الحج شرع في عموم الأوقات مثل النفل عبادة من جنس الفرض شرع في عموم الأوقات، وإنما شرع كل واحد تكميلًا للحج في أحد الموضعين، وللصلاة في الموضع الآخر وتحسينًا لهما ثم صلاة الفرض بنفل يتقدمها يكون أفضل وأكمل، فكذلك الحج يعمره تتقدمه يكون أفضل وأكمل، وأيضًا فإن العمرة إذا كانت تحسن الحج وتزينه فيكون القران مشتملًا على زيارة في نفس الحج.
قالوا: وأما دعوى النقصان فلا معنى له، لأن الجمع بين العبادتين لا يوجب نقصًا في واحد من العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الصوم والإحرام.
وأما قولهم: «إنه تضمن إسقاط أحد السفرتين» فالسفر ليس بمقصود إنما هو شيء يتقدم ليتوصل به إلى مكان الحج، ألا ترى أن حج المكي وحج غير المكي في الكمال يكون واحدًا وإن كان يوجد السفر لأحدهما دون الآخر.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وأما فصل الزيارة فالزيارة هو الحج، وقد زار بالقران زورتين أحدهما بجهة الحج والآخر بجهة العمرة.
قالوا: «وكذلك لا نقصان في المتعة أيضًا».
وقولكم: «إنها أتى بالعمرة في وقت الحج».
قلنا: أشهر الحج وقت النسكين جميعًا على وجه واحد ولا معنى للمنع من العمرة في أشهر الحج حتى يكون الإطلاق رخصة، أو ليضمن فعله إدخال نقص في الحج، وإذا ثبت أنه لا نقص ثبت أن الدم نسك وإذا كان نسكًا فقد تضمن القران والمتعة زيادة نسك لا يوجد عند الإفراد فصار أفضل.
قالوا: ولهذا يؤكل منه ويختص فعله بيوم النحر، لأنه زمان فعل النسك من الضحايا.
قالوا: وأما «تعلقكم بكثرة الأفعال وقلة الأفعال». فعندنا الأفعال عند القران مثل الأفعال عند الإفراد أن يكمله.
وأما التلبية فليس من أفعال الحج لكن سبب لوجوب الإحرام، وقد وجب به إحرامان عندي مثل ما يجب إذا كان منفردًا، وكذلك الحلق سبب للتحليل وقد حصل به تحللان فصار الحاصل للقارن جميع أفعال الحج على التلبية إحرامان وطوافان وسعيان وتحللان فلم يكن نقصان بوجه ما.
قالوا: وأما المكي إنما لا يجوز له القران والتمتع، لأن حقيقته لا توجد منهما، وقد ذكرنا هذا في الأوساط، فلا معنى للإعادة.
الجواب:
أما قولهم: «في القران بدار إلى فعل النسك والبدار إلى الطاعات أفضل».
[ ٢ / ٣٠٧ ]
قلنا: نعم، إذا كان لا يؤدي إلى إدخال نقص في طاعة أخرى، وقد بينا أن القران يؤدي إلى إدخال نقص في الحج.
يدل عليه: أنه إذا أفرد فقد أتى بالحج وأفعاله من غير مزاحم له وحصل الإحرام وأفعاله مسلمة للحج، وإذا قرن فقد أتى بالحج مع مزاحم له في القصد والسفر والتلبية والأفعال المفعولة/ ودخول المزاحم ينقص.
وعن الشعبي أنه كان ضئيلًا ضعيفًا فسئل عن ذلك فقال: «زوحمت في الرحم».
وأما قولهم: «إن العمرة من الحج تنزل نفل الصلاة مع فرضها».
لا نسلم ذلك، وقد ثبت عندنا أن العمرة فريضة مثل الحج.
وقد سبق من قبل، والذي قالوا بناء على أصلهم.
وأما الذي قالوا: «إنه لا نقصان».
قد بينا وجود النقصان بما فيه كفاية، وفصل الزيارة معتمد، والحج حقيقة زيارة أمكنة لله تعالى على ما سبق، والإتيان بالزيارة مرتين أولى من الإتيان بها مرة واحدة.
وقولهم: «إن القارن زائر مرتين».
فالمحسوس يدفعه بل زائر مرة بقصدين فأما أن يكون زائرًا مرتين فمحال.
وأما التمتع فقد جاء بأصل العمرة وأحرم بالعمرة من الميقات وإنما يحرم
[ ٢ / ٣٠٨ ]
بالحج من جوف مكة فيكون زائرًا بنية الحج من مكة، وإذا أفرد يكون زائرًا بينة الحج من وطنه وكلما كان شرط الزيارة أبعد يكون أفضل ومكانته عند المزور أكثر، وكلما قرب وأدنى كان محله وأقل وهذا ظاهر جدًا للمتأمل.
وأما قولهم: «إن السفر ليس بمقصود».
قلنا: بينا إنه مقصود، وقد روى عن علي وابن مسعود أنهما قالا: «من تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك».
وأما دعواهم إن الدم دم نسك.
فقد دللنا أنه دم جبران وهو بناء على ثبوت دخول النقصان في النسك وقد سبق.
وقولهم: «إنه يؤكل منه ويختص بيوم النحر هو على أصلهم».
وقد استدل الأصحاب في أنه دم جبران بدخول الصوم بدلًا عنه ولا مدخل للبدل في دماء النسك إنما مدخله في دماء الجبرانات.
وأما قولهم: «إنه أتى بالأعمال على حسب ما يأتي بها عند الإفراد». فليس بصحيح بدليل فعل التلبية والحلق.
وأما قولهم: «إن التلبية ليست من أفعال الحج».
قلنا: قد دللنا من قبل أنه من أفعال الحج.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقولهم: «إنه يجب بالتلبية إحرامان».
فهو مذهبهم، أما عندنا فالواجب بها إحرام واحد وسنين ذلك في المسألة التي تلي هذه.
وأما عذرهم عن الحلق.
قلنا: هو وإن كان للتحلل ولكن هو في نفسه نسك فإذا أفرد أتى بنسكين وإذا قرن أتى بنسك واحد، وقد قام الدليل لنا أيضًا أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد فهذا وجه الكلام في هذه المسألة على الاختصار وهو أصل كبير، والاعتماد على ما ذكرنا. والله تعالى أعلم.
* * *
[ ٢ / ٣١٠ ]
(مسألة)