(مسألة)
الإقامة فرادى عندنا. وعندهم مثنى.
لنا:
حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن
[ ١ / ١٧٠ ]
يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
وفي رواية أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، والخبر في الصحيحين.
وروى وهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة وزاد فيه ألفاظًا، دل على أن الأمر لبلال كان المصطفى - ﷺ -.
وروى موسى بن إسماعيل عن وهيب، وعبد الوهاب عن خالد عن
[ ١ / ١٧١ ]
أبي قلابة عن أنس. قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا/ وقت الصلاة بشيء يعرفوه فذكروا أن يوروا نارًا أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقد كان هذا في زمان النبي - ﷺ - قطعا فيكون الآمر هو النبي - ﷺ - إذ لا يجوز أن يأمر غيره في زمانه بلالًا بالآذان.
وقد قال بعض الجهال من المخالفين: يحتمل أن يكون الآمر لبلال بعض أمراء بني أمية.
وهذا محال لأن بلالًا ﵁ أذن في زمن النبي ﵇ فلما توفي - ﷺ - أذن صدرًا من خلافة أبي بكر ثم إنه استأذنه في الخروج إلى الشام حين جهز أبو بكر الجيوش إلى الشام ولم يؤذن لأحد من بعد إلى أن توفى بالشام في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان.
وقد ذكر الدارقطني في سننه برواية إسماعيل بن إبراهيم عن خالد
[ ١ / ١٧٢ ]
الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: «أمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». وعلى هذا انقطع الكلام.
وعن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أن المؤذن كان إذا قال: «قد قامت الصلاة» قال: «قد قامت الصلاة مرتين»، وعن سلمة بن الأكوع قال: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مثنى مثنى، والإقامة فرادى.
وروى ابن عمر أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: «من أذن اثنتي عشر سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة»، وهذا دليل على أنها على النصف من الأذان.
[ ١ / ١٧٣ ]
وروى عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن أبيه (عن) علي ﵁. قال: نزل جبريل بالإقامة مفردًا وسن النبي ﵇ الأذان مثنى مثنى. والأخبار في هذا الباب كثيرة واقتصرنا على هذا القدر، ولا مزيد عليه.
وقد أول بعضهم الخبر الذي رويناه قال: معنى الشفع في الأذان والإيتار في الإقامة هو أن يشفع بصوتين صوتين، ويوتر بصوت صوت، وليس هذا بشيء، لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع في الكلمات. وعلى أن في الخبر قال: «إلا الإقامة». وعندهم كما نقول سائر الكلمات في الإقامة بصوت واحد كذلك نقوله قوله: «قد قامت الصلاة» بصوت واحد فبطل التأويل والاعتماد على الأخبار ولا مجال للقياس فيه.
ويمكن أن يقال: إن الإقامة مبنية على الخفة بخلاف الأذان بدليل الإيتار في الصلاة على ما قالوه، ولأنه يسترسل فيها ولا يمد كما يمد في الأذان، وهذا لأنه إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة.
[ ١ / ١٧٤ ]
وأما الأذان فإنه دعاء الغائبين، ودعاء الغائبين وإسماعهم يكون بزيادة مبالغة في نفس الأذان وصفاته ليقع إسماعهم ودعائهم فيحضروا، وأما إعلام الحاضرين فلا حاجة فيه إلى مثل ذلك المبالغة فاقتصر على المرة الواحدة والأولى هو الاقتصار على الأخبار.
وأما حجتهم:
تعلقوا بحديث ابن أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: كان أذان النبي - ﷺ - شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة.
ورواه أيضًا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
[ ١ / ١٧٥ ]
ورووا أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان في منامه حكى الأذان على ما هو المعهود قال: ثم مكث ساعة ثم قام وقال مثل ذلك، وزاد قوله: «قد قامت الصلاة».
وربما رووا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل هذا الخبر.
وتعلقوا أيضًا بحديث مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة أن النبي علمه الأذان سبعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشر كلمة، وهذا خبر صحيح.
[ ١ / ١٧٦ ]
ورووا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: سمعت بلالًا أذن بمنى بصوتين صوتين وأقام مثل ذلك».
وفي رواية أخرى عن أبي جحيفة قال: كان بلال يؤذن ويقيم مثنى مثنى.
قال: وروى عبد الرازق عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود أن بلالًا كان يثنى الأذان ويثنى الإقامة، وكان
[ ١ / ١٧٧ ]
يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير. وهذه الأخبار نصوص في الباب وهو أولى من أخباركم. لأنها/ تتضمن زيادة لم تتضمنها أخباركم، والمثبت للزيادة أولى من المنافي.
ورووا عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أول من نقض الإقامة معاوية. ونقلوا عن مجاهد أنه قال: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى حتى قام بنو أمية وأفردوا الإقامة للسرعة.
أما المعنى فاعتبروا الإقامة بالأذان وهذا لأن كل واحد منهما ذكر الله وإعلام الصلاة فاستويا.
الجواب:
إن الأخبار التي رووها عامتها ضعيفة الإسناد.
أما خبر عبد الله بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالرجال أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد شيئًا، وكذلك لم يسمع من معاذ شيئًا ولم يدركهما أصلًا.
[ ١ / ١٧٨ ]
وقد قيل: إن عبد الله بن زيد الذي أدى الأذان استشهد يوم أحد.
وذكر أبو دا ود في سننه برواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه هذا الخبر وذكر فيه أنه حكى إفراد الإقامة.
وقيل إن هذه الرواية أصح الروايات في الباب.
وأما حديث أبي محذورة عن أبيه هذا الخبر وفيه «أنه علمه الإقامة فرادى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»، وقد كان الأذان بمكة في أولاد أبي محذورة وكان يفردون الإقامة فه كان المعمول به بالحرمين في زمان رسول الله - ﷺ - إلى أن استولى البصريون على
[ ١ / ١٧٩ ]
الحجاز وذلك سنة اثنتي وستين وثلثمائة فغيروا الإقامة فدل أن الصحيح من حديث أبي محذورة ما كان عليه أولاده، وما عرف من المعمول بمكة والمدينة.
وأما حديث عون بن أبي جحيفة فقد قالوا: إن الراوي له زياد ابن كليب عن إدريس الأودي عن عون بن أبي جحيفة، وزياد بن كليب وهم في هذا الخبر على أدريس الأودي، وقد أورد هذا الخبر في الصحيح وذكر الأذان خاصة ولم يذكر الإقامة.
وأما حديث الأسود فلم يدرك أذان بلال لما بينا أنه لحق بالشام في زمان أبي بكر.
[ ١ / ١٨٠ ]
وقد رووا أيضًا عن سويد بن غفلة أيضًا أن بلال كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وسويد أيضًا لم يدرك أذان بلال.
وقد نقلنا عن أنس أن بلالًا بماذا أمر.
ونقل أيضًا سعد القرظ أذان بلال، وحكى فيه الإقامة فرادى وهو خبر ثابت، وقد كان سعد نائب بلال في الأذان وكان مؤذن مسجد قباء، وقد أذن لرسول الله - ﷺ - وأقام لعمر، وعثمان مرة مرة، وبلال أقام لأبي بكر مرة مرة، والراوي شريك وحماد بن أبي سليمان لخبرهم، ولم تخرج الرواية عنهما في الصحيح، فهذا أيضًا يوجب ضعفًا في الراوية.
واعلم أن الأذان والإقامة شعار من شعائر الإسلام، فالأول في الرجوع فيه إلى ما عليه أكثر أهل الإسلام.
وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان أن الإقامة كانت لهم مرة مرة بفعل بلال وسعد القرظ.
[ ١ / ١٨١ ]
وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن إقامة علي ﵁ كانت مرة مرة.
وعن بكير بن عبد الله الأشج قال: «أدركت أهل المدينة في الأذان على مثنى مثنى، والإقامة مرة واحدة» وبكير بن عبد الله من كبار فقهاء التابعين وخبرة هذا عن الصحابة والتابعين بالمدينة.
وعن ثوبان قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، وكان مؤذننا وإمامنا وكان إذا أذن ثنا وإذا أقام أفرد.
وعن مجاهد قال: كان أذان عبد الله بن عباس مثنى مثنى، وإقامته مرة رمة.
وروى قتادة عن قيس أنه كان أذانه مثنى مثنى وإقامته واحدة.
[ ١ / ١٨٢ ]
روى يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه كان إذا أذن ثنى وإذا أقام أفرد.
وروى إفراد الإقامة عن سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة بالمدينة وعن الحسن البصري كذلك.
وكذلك عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبي قلابة، وعراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، وابن شهاب الزهري وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وقد ذهب إلى هذا من الأئمة مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم، ولم ينقل ما صاروا إليه عن أحد من الأئمة إلا عن سفيان وابن المبارك.
وقد ورد في الخبر: «عليكم بالسواد الأعظم» وهو معنا في هذه المسألة. وأما الذي رووه عن إبراهيم فقد روى محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: «أول من نقض التكبير في الصلاة وخطب قبل الصلاة في العيد وجلس على المنبر ونقض الإقامة معاوية بن أبي سفيان».
والمنقول بالضاد لا بالصاد، وكان نقضه بالإقامة إن جعلها مثنى مثنى، فإنا روينا أن الإقامة كانت فرادى في زمان رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين من بعده فذكر إبراهيم أن أول من غيرها معاوية بن أبي سفيان.
[ ١ / ١٨٣ ]
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: «والدليل على المنقول عن إبراهيم هكذا، أنا روينا عن إبراهيم النخعي ما يوافق مذهبنا».
روى إسحاق عن جرير عن مغيرة بن إبراهيم قال: لم يكونوا يرون بأسًا إذا انتهى المؤذن إلى قوله: «حى على الصلاة، حى على الفلاح» أن يقولها مرة مرة في الإقامة وكانوا يقولونها في الأذان مرتين مرتين. قال الحاكم: ول كان عند إبراهيم سنة صحيحة في تثنية الإقامة لم يرخص في إفرادها، كما لو يرخص في الأذان، فإذا جمعنا بين الروايتين عن إبراهيم ظهر أن نقض الإقامة تثنيتها لا إفرادها.
وأما الذي نقلوا عن مجاهد فلا يعرف أصلًا، وقد بسطنا القول في هذه المسألة زيادة بسط لأنها شعار المذهب.
وأما تعلقهم بالزيادة في ترجيح الأخبار فقد بينا أنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح، ثم ينعكس عليهم في الترجيح، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ١٨٤ ]
(مسألة)