(مسألة)
الترتيب واجب في الوضوء عندنا.
وعندهم ليس بواجب.
لنا:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ الآية. وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ شرط، وقوله: ﴿فاغْسِلُوا﴾ في موضع الجزاء ولا يجوز إدخال فاصل بين الشرط والجزاء، وعندكم إذا قدم غسل اليدين على الوجه يجوز، وفيه إدخال فاصل فيكون خلاف الآية، يدل عليه أنه تعالى أدخل المسموح- وهو الرأس- في خلال المغسولات، والعرب لا تخرج في الكلام من جنس إلى جنس حتى الجنس الأول لا تقول: اضرب زيدًا وأكرم جعفرًا واضرب عمرًا، ولكن تقول: اضرب زيدًا
[ ١ / ٧٢ ]
وعمرًا وأكرم جعفرًا، فلما خرج من الغسل إلى المسح ثم عاد إلى ذكر الغسل في الرجل علمنا أن ذلك لوجوب الترتيب.
وأما حجتهم:
احتجوا من الآية قالوا: إن الواو للعطف وقد أمر الله تعالى بأفعال عند القيام للصلاة (وعطف بعضها على بعض بالواو العاطفة موجب الواو في اللغة شركة المعطوف عليه في خبره شركة مطلقة غير مقيدة بصفة الترتيب أو/ القرآن أو التفريق فإنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو، كنت مخبرًا عن مجيئهما مطلقًا) غير مقيد بصفة مما ذكرناه وصار حقيقة الكلام الخبر عن مجيئهما فحسب (بلا إخبار عن كيفيته، كذلك في مسألتنا كان مقتضى الآية وجوب غسل هذه الأعضاء بلا كيفية فالتقييد بوصف يكون زيادة على كتاب الله وذلك يجرى مجرى النسخ.
والدليل على أن الواو لا تقتضى) إلا ما ذكرنا أنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو يحسن السؤال من السامع عن كيفية المجيء من ترتيب أو مقارنة، ولو كان يقتضى كيفية بلفظه لم يحسن السؤال عنهما، كما لا يحسن السؤال عن أصل المجيء بعد خبره عن المجيء، وهذا لأن (الحروف لم توضع في الأصل إلا لفائدة جديدة كالأساسي فللقرآن كلمة «مع»، وللترتيب بلا فصل كلمة «الفاء»، وللترتيب المتراخي كلمة «ثم»، فلا تحمل الواو على فائدة من حروف آخر إذا أمكن حملها على فائدة جديدة، وقد أمكن، وهو إيجاب أصل الشركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر بلا صفة ليكون سائر الكلمات لبيان أوصاف الشركة فتجرى الواو منها مجرى اسم الذات من الأوصاف وإذا كان كذلك)، بطل قول من قال من أصحابهم:
[ ١ / ٧٣ ]
إن الواو تحتمل الجمع والترتيب والقرآن، فيصير ذلك بمنزلة المجمل فيتعرف بيانه بالسنة وقد توضأ النبي ﵇ مرتبًا، لأن الواو إذا كان للفائدة التي قلناها وسائر الحروف للفوائد الآخر على ما سبق، لم يكن اللفظ مجملًا بل كان ظاهرًا في معناه الموضوع له.
قالوا: وقولكم: (إن الله تعالى جعل غسل الوجه جزاء الشرط فليس كذلك، لأن الجمل إذا عطف بعضه على بعض تصير جملة واحدة ولا تحصل مفصلة لقرب بعضها من الشرط وبعد الآخر.
ألا ترى أن من قال لغلامه: إذا جاء الغد فاشتر لي بدرهم لحمًا وبدرهم خبزًا وأعتق عبدي، فجاء الغد واشترى الخبر قبل اللحم أو أعتق العبد قبل كل شيء أجزأه، وإنما يتعلق إطلاق الفعل بمجيء الغد لا ما دخل تحت الإطلاق، فكذلك هاهنا يجب الوضوء بالقيام إلى الصلاة.
وأما الأعضاء المغسولة فلا تعلق لها بالقيام بحكم القرب فصار الجزاء هاهنا هو الوضوء لا ما دخل تحت الوضوء، وصار الجزاء هناك الوكالة لا ما دخل تحت الوكالة).
قالوا: وأما إدخال المسح بين المغسولات فليس يدل على الترتيب، بلى يقال قد أدخل لفائدة لولاها لكان ضم المغسول إلى المغسول أولى لاجتماعهما في الوظيفة وقد أدخل عندنا لفائدة وهي أن الترتيب سنة والكمال يتعلق بذلك ونحن نقول به.
[ ١ / ٧٤ ]
قالوا: ولا وجه لاستعمال القياس في المسألة، لأن الوضوء عبادة وشروط العبادات وأركانها لا تثبت قياسًا، ولا تنفي قياسًا كأعداد الركعات ومقادير الزكوات والكفارات وغيرها، ولكننا نتكلم من حيث التأصيل، فإن الوضوء أصل ثابت بكتاب الله تعالى ومن طريق لا شبهه فيه، فلا يمكننا أن نزيد عليه شيئًا، ونجعله منه إلا من طريق يثبت أصله، وشرط العبادة بمنزلة ركنها فلا يثبت إلا بما يثبت به ركنها.
قالوا: وإنما تخريجًا لهذه المسالة على الطريقة التي ذكروها في المسألة أن الماء طهور بنفسه فإذا استعمل في الأعضاء حصلت الطهارة بنفس الاستعمال سواء رتب أو لم يرتب، وإذا حصلت الطهارة، والوضوء وجب لتحصيل الطهارة فلا يبقى إلا من بعد حصولها.
الجواب:
أما التعليق بالآية بالوجه الذي قلنا فصحيح، وذلك لأن الله تعالى علق غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة بكلمة «الفاء» فتمنع تخلل فاصل بينهما من غسل عضو آخر، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر. وقولهم على هذا أن الجمع بمنزلة الجملة الواحدة، والتعليق بالقيام في أصل الوضوء لا فيما يشتمل عليه الوضوء، ولنا: جعل الجمل بمنزلة الجملة الواحدة لابد فيها من دليل قطعي.
وأما قولهم: إنما يتعلق بالقيام ما علقه الشرع بالقيام، وقد علق به غسل الوجه فيتعلق به تعلق الجزاء بالشرط/ فبطل إدخال الفاصل من غسل عضو آخر.
[ ١ / ٧٥ ]
وأما الذي تعلقنا به من الاستدلال بإدخال الممسوح بين المغسولات فاستدلال صحيح على ما سبق بيانه.
وقولهم على «هذا إنه لبيان فائدة السنة».
قلنا: الآية في الوضوء وردت لبيان الواجب لا لبيان السنة فلا يجوز صرف ما دل عليه الآية ما لم يرد به الآية.
وأما الذي تكلموا على أن «الواو» ليس للترتيب.
فاعلم أن كثيرا من أصحابنا زعم أن الواو للترتيب، ونحن لا ندعي ذلك ولا دليل عليه من حيث اللغة، ولكن استدلالنا بالآية على الوجه الذي قلناه استدلال حسن.
وقد استدل الأصحاب في المسألة بقوله ﵇: «نبدأ بما بدأ الله به»، وربما رووا قولًا عن النبي ﵇: «ابدؤا بما بدأ الله به».
وفي القول نظر، أما الأول فمشهور، وهو وإن ورد في البداية بالصفا على المروة لكن العبرة بعموم اللفظ.
[ ١ / ٧٦ ]
وقد قال المخالف: «نحن نقول بالخبر فإنا نبدأ بما بدأ الله به سنة».
ونحن نقول إن الأمر على الوجوب هذا في قوله: «ابدؤا بما بدأ الله به».
وأما الذي رووا: «نبدأ بما بدأ الله» فهو أيضًا في معنى الأمر، لأنه ﵇ فعل ذلك ليقتدي به فكأنه قال: اقتدوا بي، فيكون ظاهره للإيجاب.
واستدل الأصحاب بالحديث المشهور وهو قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه»، والخبر الذي يروون من رواية الربيع بنت معوذ أن النبي ﵇ «مسح برأسه بعد غسل رجليه» فلا يثبتها أصحاب الحديث والرجوع إليهم في هذه الصيغة.
والأولى أن يعتمد في المسألة فيقال: الوضوء عبادة غير معقول المعنى وطريقها الإتباع المحض، وقد ورد الكتاب والسنة بالوضوء لنلتزمه حدًا وفعلًا فوجب أن يلتزم على ما ورد، ولم يرد الشرع بالوضوء إلا مرتبًا وهو المنقول عن صاحب الشرع فنلتزم على ما نقل، ولا نحكم عليه المعقول والقياس بوجه ما، وهو كالركعات في الصلاة وورودها على ترتيب مخصوص فإنه يلتزم على ما ورد من غير أن يحكم عليه قياس ومعقول كذلك هاهنا.
[ ١ / ٧٧ ]
وقد تعلق المخالف بتقديم الشمال على اليمين وبتقديم الرجل في غسل الجنابة على الرأس.
الجواب:
إن اليمين والشمال في الوضوء كعوض واحد. ألا ترى أنهما في الكتاب بلفظ واحد، وكذا في الرجلين، ولأن الوضوء بالإجماع مشتمل على أربعة أعضاء لا على ستة.
فإن قالوا: أليس يجوز نقل الماء من أحد اليدين إلى الأخرى؟.
قلنا: إنما كان كذلك، لأنه إذا انفصل من إحدى اليدين فقد صار مستعملًا واستعمال الماء المستعمل لا يجوز.
وأما الغسل من الجنابة فإنما لم يجب فيه الترتيب، لأن جميع البدن فيه بمنزلة العضو الواحد.
فإن قالوا: ما تقولون فيما لو كان عليه الوضوء فاغتسل بدل الوضوء وبدأ بغسل الرجل.
قلنا: يجوز أن يقال لا يجوز، وإن قلنا بالجواز فلأنه إذا اغتسل بدل الوضوء صار الحكم للغسل.
فإن قالوا: ما قولكم فيما إذا انغمس المحدث في الماء غمسة؟.
قلنا: لا يجوز ما لم يمكث مكثة حتى تترتب الأعضاء والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٧٨ ]