(مسألة)
الثلاث سنة في مسح الرأس عندنا.
وعندهم السنة أن يمسح برأسه مرة واحدة بماء واحد.
لنا:
حديث أبي بن كعب أن النبي ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء من يعطيه الله كفلين من الأجر»، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي».
[ ١ / ٧٩ ]
وقوله: «توضأ» ينصرف إلى المسح والغسل فكذلك قوله: «مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا» ينصرف إليهما.
وروى مثله ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «من توضأ فمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا ومسح برأسه ثلاثًا، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا غفر الله له ما بين الوضوئين».
وأما من قال: إنه يمسح مرة واحدة أفتوا بحديث عثمان ﵁ أنه توضأ ومسح برأسه مرة، وقال: هكذا توضأ رسول الله - ﷺ -.
وكذلك توضأ علي ﵁ ومسح برأسه مرة، وقال: «من/ سره أن ينظر على وضوء رسول الله فهذا وضوءه».
[ ١ / ٨٠ ]
قالوا: وقد ثبت أن النبي ﵇ توضأ ومسح برأسه مرة وهو مذكور في الصحيحين.
ورواه معاذ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمرو، وجماعة.
فالرسول ﵇ قدوة فيتبع في فعله ولا يعدل عنه.
الجواب:
إن الروايات عن عثمان وعلي متعارضة.
روى حمران وغيره عن عثمان أنه مسح ثلاثًا.
وكذلك رواه عبد خير عن علي، وعلى أن نهاية ما في الباب ثبوت ما قالوا عن النبي - ﷺ - غير أن الزائد من الروايات أولى.
[ ١ / ٨١ ]
وقد روي أنه ﵇: «توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل اليدين مرتين مرتين». وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى، فالمعتمد هو التعليق بالمغسول من الأعضاء، وهو قياس صحيح شبهًا ومعنى.
أما الشبه: فلأن كل واحد أصل بنفسه في الوضوء، لأن المسح أحد قسمي الوضوء كالغسل أحد قسميه.
وأما المعنى: فلأن الوضوء طهارة حكمية، والغسل والمسح واحد في الطهارة الحكمية إلا أن الغسل له زيادة على المسح من حيث الحس، فأما من حيث الحكم فهما واحد، وقد شرع التكرار في أحدهما لتكميله، وليشرع في الآخر على ما شرع في قرينه، وذلك لتحصل زيادة في الطهارة بمثل فعل الأول في محل الأول، يبينه أن الطهارة تكون بمطهر فلابد من تجديد مطهر ليزداد الطهارة، وذلك يكون بماء جديد بفعل جديد مثل الغسل سواء. وهذا معنى في غاية الوضوح فليعتمد عليه.
أما حجتهم:
من حيث المعنى قالوا: طهارة مسح فلا يسن فيها التكرار كالمسح على الخف والتيمم، وفقه ذلك وهو إنه لما كان طهارة مسح فقد بنى على الخفة فإذا خف ماء حتى اكتفى فيه بالبلل دون الماء السيال، وخف محلًا حتى اكتفى فيه ببعض المحل، فوجب أن يخف فعلًا حتى يكتفي فيه بالمرة الواحدة.
قالوا: وليس كالاستنجاء، لأنه في الأصل طهارة غسل، وإنما يجوز
[ ١ / ٨٢ ]
فيه التمسح بالأحجار رخصة، ألا ترى أنه لو غسل بالماء يكون أفضل بخلاف مسألتنا.
ولهذا يكره العدول في الرأس من المسح إلى الغسل، وإذا كان الأصل هناك هو الغسل، والمبالغة بالتكرار في الغسل مشروع، لأنه مبني على الاستقصاء، والتكرار نوع مبالغة فيليق أن يكون مشروعًا معه إلا أن الرخصة وردت في استعمال الحجر مكان الماء لنوع ضرورة وحاجة فبقى التكرار المشروع في أصل الغسل مشروعًا فيه بخلاف مسألتنا.
فإن المسح أصل في الوضوء بني على الخفة فيوفر عليه مقتضى الخفة من كل وجه.
قالوا: وأما التكميل المشروع في الوضوء فقد حصل في المسح بالاستيعاب، لأن التكميل في الغسل باستعمال طهور في محل الفرض، وقد وجد هذا المعنى في مسألتنا بالاستيعاب، لأن البلة على اليد طهور.
ألا ترى كيف يستوعب به الرأس، ويجوز وقد استعمالها في محل الفرض.
لأن جميع الرأس محل الفرض فصار هذا مثل استعملها ماء جديد في الوضوء ثانيًا وثالثًا إلا أن هناك لابد من ماء جديد ليكون طهورًا، لأن الماء المنفصل على العضو مستعمل، والبلة على اليد لا يحصل به الغسل فصارت البلة هاهنا كالماء الجديد هناك، وصار مسح باقي الرأس هنا بمنزلة تضعيف غسل الوجه، لأن الفرض يستوعب الوجه فلم يمكن تكميله بالاستيعاب فعدل إلى التضعيف.
قالوا: ومن تأمل في هذا فقد عرف أن الصورتين استويا معنى واختلفا اسمًا ولقبًا ولا عبرة بالأسامي والألقاب من ذكر تكرار وتثليث وإنما العبرة بالمعاني.
[ ١ / ٨٣ ]
قالوا: ولأن الزيادة إنما تشرع إذا لم يعد بنقص على المزيد عليه، والزيادة في الغسل بالتكرار لا تعود بنقص في المزيد عليه، لأن الغسل والتكرار مرات فجميعه غسل، وأما في المسح فلانًا إذا شرعنا فيه التكرار عاد بنقص على أصله، لأن المسح إذا كرر يخرج عن كونه مسحًا ويلتحق بالغسل فيصير غيره، وإذا صار غيره عاد بالنقص على المزيد عليه فلم يشرع.
يبينه أن النقاوة مطلوبة/ في الغسل والتكرار يزيد في النقاوة، وأما في المسح فلا يطلب إلا مجرد إيصال البلة وبالتكرار لا يزداد هذا المعنى فكأن الثاني هو الأول فلا معنى لفعله واقتصر على مرة واحدة وهذا نهاية تحقيقهم.
الجواب:
أما قولهم: «إن المسح مبني على الخفة».
قلنا: هذا لمقابلته بالغسل، فقولوا على هذا أن الوضوء مبني على الخفة عند مقابلته بالغسل فوجب أن لا يشرع فيه التكرار، فيكون التكرار مشروعًا في الغسل خاصة، وعلى أنه إن بنى على الخفة فقد شرعنا تكميلًا لا نقاء به وهو تكراره مسحًا، وهذا مثل الاستيعاب عندهم، فإنه مشروع ولا يقال: إنه بنى على الخفة فلا يشرع فيه الاستيعاب، ولكن قيل: قد شرع فيه الاستيعاب بالمسح فلم يناف الخفة، كذلك نحن شرعنا التكرار بالمسح فلم يناف الخفة.
وأما كلامه الثاني:
قلنا: التكميل المطلوب لا يحصل بالاستيعاب، لأن التكميل المطلوب زيادة طهارة على الطهارة المفروضة وإذا استوعب فالكل فرض.
[ ١ / ٨٤ ]
ولا نقول: إن بعضه فرض وبعضه نفل، وإن كان لو اقتصر على البعض جاز وهو مثل ما لو أطال القيام، فإن الكل فرض، ولا يقال: إن بعضه نفل وبعضه فرض وإن كان لو اقتصر على مقدار قراءة الفاتحة جاز، ويمكن أن يقال أيضًا على تسليمنا أن البعض فرض والبعض نفل: أن التكميل بزيادة طهارة في محل الفرض، وإذا مسح بعض رأسه فالباقي ليس بمحل الفرض في هذه الطهارة، بل إن كان محل الفرض فهو محل الفرض في طهارة أخرى فلم يحصل التكميل المطلوب على حد التكميل بالغسل إلا بالتكرار، ويقال أيضًا: إن تكميل الطهارة بزيادة الطهارة وزيادة الطهارة بطهور فأين الطهور؟
وقولهم: «إن البلة التي على اليد طهور».
قلنا: هو طهور في الأصل لا في التكميل. ألا ترى أن إنسانًا آخر لو أخذ من تلك البلة واستعمله في رأسه للمسح لا يجوز.
وأما الاستيعاب بالبلة فهو ملحق بالأصل، يبينه أن الاستيعاب تكميل محل المسح فكأن الشرع سن تكميل المحل بالاستيعاب وسن تكميل المسح بالتكرار ليلتحق بالغسل من كل وجه.
وأما قولهم: «إن الزيادة على المسح بالتكرار يعود بالنقص على الأصل». فليس كذلك، لأن المسح وإن كرر مسحًا مثل الغسل سواء.
ولهذا لا ينوب عن غسل الوجه، ولهذا لو حلف أن لا يغسل وجهه فمسح مرات لا يحنث، وهذا لأنه تكرار شيء فلا يصير غير ذلك الشيء مثل التكرار في سائر الأشياء لا يصير غيره، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٨٥ ]