(مسألة)
الخلطة الصحيحة بشرائطها مؤثرة في الزكاة عندنا.
وبيان التأثير أن الخليطين يصدقان ماليهما صدقة المال الواحد للمالك الواحد وإن كان نصب كل واحد من الخليطين ناقصًا عن النصاب وذلك بعد أن صحت الخلطة واتصل بها شرائطها المعهودة في الشرع على ما عرف في المذهب.
وعنده: لا تأثير للخلطة أصلًا، وحكم كل واحد من الخليطين عند الاختلاط مثل حكمة عند الانفراد بلا فرقان، حتى لو كان/ ملك كل واحد منهما قاصرًا على النصاب لم يجب شيء أصلًا، وإن كان ملك
[ ٢ / ٤٦ ]
أحدهما قاصرًا والآخر كاملًا يعتبر حالهما بحاليهما عند الانفراد فيعمل على ذلك.
لنا:
حديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا نفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعا بينهما بالسوية».
الاستدلال: أن الاجتماع والتفرق حقيقة في المكان مجاز في غيره يقال: جمع كذا وكذا إذا قارب بينهما مكانًا، وفرق بين كذا وكذا إذا باعد بينهما مكانًا.
وإذا ثبت أنه حقيقة في المكان فقد نهى ﷺ عن التفريق بين المجتمع في المكان مخافة الصدقة، وذلك لا يكون إلا على أصلنا حيث نقول: إن المجتمع في المكان تجب فيه الزكاة وإذا تفرق سقطت فيكون النهى منصرفًا إلى المالكين مخافة أخذ الساعي على الصدقة.
[ ٢ / ٤٧ ]
وأما قوله: «لا يجمع بين متفرق» فهو محمول على المتفرق عنه في المكان أيضًا، وقد ورد النهي عن جميعه فيكون النهي عن جميعه منصرفًا إلى الساعي، وكذا نقول: إذا كان متفرقًا في المكان لا يجمع ليأخذ، ويجوز أن يكون قوله: «لا يفرق بين مجتمع» منصرفًا إلى الساعي أيضًا، وذلك في ثمانين من الغنم بين رجلين في مكان واحد لا يفرق ليأخذ من كل واحد شاة ثم قال صلي الله عليه وسلم: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية».
وهذا أيضًا دليل على تأثير الخلطة أخذًا على معنى أن للساعي أن يأخذ الواجب من المال الذي بين الخليطين، ويجعل الجميع بمنزلة الواحد ثم يثبت منهما التراجع على ما يوجبه أصل ملك كل واحد منهما، هذا بيان تأثير الخلطة أخذًا، والأول دل على تأثير الخلطة وجوبًا وسقوطًا.
وقد روى الأصحاب في آخر الخبر زيادة وهو أنهم رووا أن النبي ﵇ قال: «والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى».
ولئن ثبت هذا فهو لبيان شرائط الخلطة، وعندكم الخلطة وشرائطها ساقط لغو، وليس لهم للخبر تأويل متضح يستقيم على أصولهم غير أن بعض أصحابهم قال: المراد من التفريق والاجتماع هو في الملك لا في المكان.
[ ٢ / ٤٨ ]
وقالوا: وعندنا المجتمع في المكان لا يفرق، والمتفرق في الملك لا يجمع وليس هذا التأويل بشيء لأنه ترك الحقيقة على ما سبق.
ولأن تفريق المجتمع ملكًان وجمع المتفرق ملكًا من الساعي وصاحب الزكاة لا يتصور، اللهم إلا بالبيع أو الشراء، وهذا لا ينهي عنه المالك ولا يتصور من الساعي.
فإن قالوا: لا يفرق مكانًا بين المجتمع ملكًا ولا يجمع مكانًا بين المتفرق ملكًا فقد عادوا إلى ما ذكرناه من التفرق والاجتماع في المكان، وإذا حمل عليه بعض الخبر لابد أن يحمل عليه جميع الخبر فصار التعلق بالخبر في هذه المسألة في نهاية الوضوح.
وإن ذكروا خبرًا من المنع من إيجاب الزكاة فيما دون النصاب فهو محمول على حال الانفراد وبه نقول.
وإنما الكلام في حكم الخلطة وقد ورد فيه لفظ خاص من صاحب الشرع يدل على تأثيرها على ما سبق.
وأما الكلام من حيث المعنى:
فالكلام فيه عسر جدًا، والذي يمكن أن يعتمد عليه هو أن السائمة بين الخليطين سائمة واحدة وقد بلغت عدد النصاب، والمالكان من أهل الوجوب عليهما فصارت كما لو كانت لمالك واحد.
وإنما قلنا: «إن السائمة واحدة»، لأن السائمة إنما صارت سائمة بمعاني من المراح والمرعي والمسرح والبئر والفحل والراعي وغير ذلك، فإذا اجتمعت هذه المعاني صارت السائمة مجتمعة وجعلت كسائمة واحدة لمالك واحد.
يدل عليه: أن الشرع لم يعتبر إلا بلوغ السائمة عددًا معلومًا فإذا وجد
[ ٢ / ٤٩ ]
ذلك العدد، ووجد وصف السوم فقد تم السبب فلم ينظر إلى اتحاد الملك أو تعدده.
يبينه: أن القياس الكلي أن الواجب إذا تعلق بعدد يتعلق أبعاض ذلك الواجب بأبعاض ذلك العدد، ونعني بهذا أنه إذا وجب في أربعين شاة واحدة منها يتعلق بعشرين نصف شاة إلا أن الشرع لم يوجب عند التفرد يملك نصف النصاب نظرًا لأرباب الأموال، فإن السائمة إذا قل عددها كثرت مؤنتها وقل رفقها فيكون في إيجاب الزكاة فيها إضرارًا وإجحاف برب المال فسقط الواجب بنوع نظر، فإذا بلغ العدد المسمى في النصاب وإن كان لجماعة واتفقت الخلط بشرائطها خفت المؤنة خفة بينة وكثر الرفق فزال المعنى الذي كنا نعتبره في إسقاط الواجب فقلنا بالوجوب ورجعنا إلى الأصل الكلي، الذي قدمناه، ولم ننظر إلى اتحاد المالك أو تعدده، لأنه ليس في اتحاده أو في تعدده معنى يؤثر/ في الوجوب أو السقوط فهذا المعنى الذي قلناه نهاية ما يمكن التعلق به من حيث المعنى وهو وجه حسن يمكن تمشيته فليعتمد عليه.
وأما حجتهم:
قالوا: ملك كل واحد منهما قاصر على النصاب فلا تجب عليه الزكاة.
دليله: إذا كان منفردًا، وهذا لأن كمال النصاب جزء ابتداء الوجوب فلا يتصور وجوب قبل ملكه نصابًا كاملًا.
يبينه: أنه ولو وجب الزكاة قبل تمام ملك النصاب سقط اعتبار النصاب، وحين اتفقنا على اعتبار النصاب دلنا ذلك أن الملك قبل تمامه بمنزلة العدم.
قالوا: وأما قولكم: «إن المؤنة قد خفت بالخلطة».
قال: «خفة المؤونة بناء على وجود النصاب أولًا فما لم يوجد النصاب أولًا فما لم يوجد النصاب
[ ٢ / ٥٠ ]
لا تعتبر خفة المؤنة، فإن الواجب بالشرع عرف، والشرع اعتبر عدد النصاب ووصف السوم فما لم يوجد كل واحد منهما لا يوجد الوجوب.
وحرفهم أنهم يقولون: نحن لا ننكر أن الخلطة تفيد خفة المؤنة من وجه لكن زيادة خفة المؤنة بالخلطة كأصل خفة المؤنة بالسوم، ثم أصل خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل، كذلك زيادة خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل.
وقالوا أيضًا: إنكم جعلتم خفة المؤنة سببًا لنقصان الواجب فإنكم قلتم: لو ملك رجلان ثمانين من الغنم وحصلت بينهما خلطة تجب عليهما شاة واحدة، ولو لم تكن هذه الخلطة لوجبت على كل واحد منهما شاة كاملة.
قالوا: وأما تعلق مشايخكم من جواز أخذ الساعي حقه من عرض الغنم وإن كان قد وجب على أحدهما ولم يجب على الآخر.
وذلك في صورة ستين من الغنم بين رجلين لأحدهما أربعون وللأخر عشرون، وإنما جوزنا ذلك، لأن الساعي يلحقه الحرج في طلب القسمة بينهما ثم بناء الأخذ عليه فلأجل دفع الحرج أطلقنا له الأخذ من عرض الغنم ثم يثب بينهما التراجع عند قسمة المأخوذ على النصبين.
وربما يقولون: أطلقنا الأخذ لأجل النص وهو قوله ﵇: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية».
وهذا مطلق الأخذ مثبت للتراجع.
وأما أبو زيد فقد قال في هذه المسألة: «إن كل واحد منهما فقير فلا تجب عليه الزكاة، والدليل على الفقر حل الصدقة، وزعم أن الفقير
[ ٢ / ٥١ ]
لا يكون محل وجوب زكاة بحال، والغنى لا يكون محل حل الزكاة بحال، وهذه طريقة يأتي شرحها في مسألة زكاة المديون.
الجواب:
أما قولهم: «إن ملك كل واحد منهما قاصر عن النصاب».
قلنا: ولم قلت لا تجب الزكاة إذا كان ملك كل واحد منهما قاصرًا عن النصاب فإن تعلق بحال الانفراد فقد ذكرنا أن سقوط الزكاة في حال الانفراد كان على جهة النظر لرب المال ولدفع الضرر عنه، وهذا المعنى معدوم في حال الاختلاط، وإن تعلق بالمعنى وقال: لما كان ملك كل واحد منهما قاصرًا عن النصاب فهو فقير فلا تجب عليه الزكاة، فهذه طريقة يأتي الجواب عنها في مسألة المديون، وعلى الفور تبطل بابن السبيل فإنه فقير بدليل حل الصدقة له ومع ذلك تجب عليه الصدقة، ثم نقول: ملك كل واحد من الشريكين وإن كان قاصرًا عن النصاب لكن النصاب في نفسه كامل، والسائمة واحدة، والعبرة بوجوب نصاب كامل من السائمة سواء أكان لواحد أو لاثنين.
يبينه: أنه لما كانت السائمة واحدة بإجماع شرائط الخلطة واتحادها وجب الإعراض عن اتحاد المالك وتعدده لمعنيين:
أحدهما: فلأن الشرع لم يعتبر إلا وجود السائمة بعدد معلوم وقد وجد فما وراء ذلك فهو ساقط العبرة.
وأما الثانية: فلأنه ليس في تعدد المالك معنى يمنع الوجوب سوى النظر له وحين صارت السائمة واحدة، واتحدت شرائطه الخلطة، وخفة المؤنة على ما سبق وجب النظر لجانب الفقراء، ومن النظر لهذا الجانب هو الإعراض عن اقتران المالكين لاعتبار اتحاد السائمة وجعلها كأنها لمالك واحد.
[ ٢ / ٥٢ ]
وقولهم: «إن خفة المؤنة بعد وجود نصاب كامل في نفسه».
قلنا: قد ذكرنا أن اعتبار نصاب كامل عند الانفراد كان لمعنى لا يوجد ذلك المعنى عند الخلطة.
وقولهم: «إن أصل خفة المؤنة بالسوم لم يعتبر إلا في نصاب كامل».
قلنا: قد كثرت المؤنة في تلك الصورة لاحتياج كل واحد إلى مسرح ومراح وبئر وراع وغير ذلك على الانفراد، وهذه الأشياء لابد فيها من تحمل مؤن بخلاف حال الخلطة فإنه يوجد الاكتفاء بواحد من هذه الأشياء فتخف المؤنة».
وقولهم: «إن عندكم خفة المؤنة عملت في الإسقاط لا في الإيجاب».
قلنا: قد صارت السائمة واحدة وجعل كأنها لمالك واحد، ثم إذا ثبت هذا فحينئذ يكون حكمها ما يكون/ حكمها حال الانفراد فيجب في موضع الوجوب ويسقط في موضع السقوط. والله تعالى أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٥٣ ]