(مسألة)
الزكاة تتعلق بالنصاب والوقص عندنا، وهو قول محمد بن الحسن من أصحابهم. وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه وأبي يوسف تتعلق بالنصاب دون الوقص، وهو قول الشافعي ﵁.
لنا:
إنه قد ثبت أن النبي ﵇ قال: «في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين».
[ ٢ / ١٨ ]
وقوله: «إلى الحد الواجب»، دل أنه متعلق بالنصاب والوقص، ولأن جميع المال محل للواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه، وليس تعليق الواجب ببعض المال أولى من البعض فتعلق بالكل الواجب، وهذا كما لو سرق مالًا بقدر نصب كثيرة فإنه يتعلقا القطع بالكل للمعنى الذي بينا كذلك ههننا، وكذلك إذا أوضح جميع رأسه فإنه يتعلق الأرش بجميع الموضحة، لأنه ليس إيجابه في البعض أولى من إيجابه في البعض فتعلق الواجب بالكل.
والحرف لنا: أن تقدير النصاب/ لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه مثل النصاب في السرقة، والقدر الذي ينطلق عليه اسم الموضحة فإنه لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه، وهذا لأن المال إذا كان محل الواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه فلا يمكن إخلاؤه من الوجوب.
وأما حجتهم:
قالوا: الزيادة لها حكم نفسها بدليل أنها إذا بلغت قدرًا معلومًا تعلق بها واجب جديد فتخلو من الواجب حتى تبلغ ذلك المقدار، وهذا كالنصاب الأول فإنه لا يتعلق به شيء حتى يبلغ الحد المعلوم، وبهذا فارق السرقة ومسألة الموضحة، لأن الزيادة ليس لها حكم نفسها بدليل أنها لو زادت زيادة كثيرة لا يتعلق بها واجب آخر بحال آخر بحال فكانت الزيادة بمنزلة الأصل في تعلق الواجب بالكل.
[ ٢ / ١٩ ]
قالوا: ولأن الزيادة لو هلكت لم يسقط شيء من الواجب، وصوروا إذا هلك قبل التمكن من الأداء ليكون في محل الإجماع فلو كان تعلق بها شيء من الواجب لسقط من الزكاة بقدر الهالك، كما لو هلك النصاب.
الجواب:
أما قولهم: «إن الزيادة لها حكم نفسها».
قلنا: ليس لهذا معنى سوى أنه إذا بلغ حدًا معلومًا يتعلق به واجب آخر وهذا أولًا تدخل عليه الزيادة على إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فإنه لا يتعلق بهذه الزيادة واجب آخر، لأنه عندهم يستأنف الحكم بعده ومع ذلك لم يتعلق الواجب الأول بهذه الزيادة على أصلهم.
فإن قالوا: يتعلق، فقد التزموا المناقضة.
فإن قالوا: يتعلق واجب آخر إذا بلغت الإبل مائة وخمسين فإنه تجب حقة ثالثة في الخمسين الثالثة.
فقلنا: فإذا لا استئناف، وقد قلتم بالاستئناف، وعلى أن هذا إن استقام فيما بعد المائة فلا يستقيم في التسع الزائدة من إحدى وتسعين إلى تمام المائة فإنه لا يتعلق بها واجب آخر بحال، ومع هذا لا يتعلق بها الواجب الأول، ثم نقول: للزيادة حكم نفسها إذا بلغت قدرًا معلومًا. والكلام فيما إذا لم تبلغ ذلك القدر فهو وما زاد عليه واحدة والجميع بمنزلة شيء واحد ومال واحد، وقد بينا أنه ليس تعليق الزكاة ببعض المال أولى من بعض فتعلق بالكل، ثم إذا بلغت الزيادة نصابًا آخر حينئذ يتعلق به واجب آخر.
[ ٢ / ٢٠ ]
فإن قالوا: إذا كان تعلق به الواجب الأول كيف يتعلق به واجب ثان؟
قلنا: هذا غلط، لأنه إن كانت الزيادة بعد حؤول الحول فالواجب الأول لا يسرى إليها، وإن كانت الزيادة قبل حؤول الحول فعندنا لا يضم النصاب بل يعتبر لها حول جديد من وقت الاستفادة فلم يتصور اشتغال الزيادة بالواجب ثم خلوها عن الواجب، واستقام ما قلنا إن الزيادة لها حكم نفسها إذا بلغت قدرًا يتعلق بها واجب آخر، فأما إذا لم تبلغ من قبل فلا.
وأما قولهم: «ينبغي أن ينتظر».
قلنا: لا معنى للانتظار وقد وجدنا مال الزكاة وقد ملكه من هو من أهل الزكاة.
وأما في الابتداء فلأنه لم تبلغ نصابًا والزكاة لا تجب فيما دون النصاب وههنا قد بلغ نصابًا وقد زاد، وقد ذكرنا وجه تعلق الواجب بالكل.
وأما قولهم: «إذا هلكت الزيادة قبل التمكن من أداء الزكاة».
قلنا: قد قال بعض أصحابنا: إنه يسقط من الواجب بقدره وإن سلمنا أنه لا يسقط فلأن الزيادة جعلت وقاية لما هو الأصل فانصرف الهلاك إليها حكمًا، وصار النصاب بمنزلة القائم جميعه من غير أن يهلك منه شيء. وهذا مثل ما لو هلك بعض مال القراض وقد ظهر فيه الربح فإنه ينصرف الهلاك إلى الربح، وجعل الربح وقاية لرأس المال، وصار رأس المال كأنه لم يهلك منه شيء كذلك ههنا. والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ٢ / ٢١ ]