(مسألة)
السعي بين الصفا والمروة ركن عندنا.
وعندهم: ليس بركن.
لنا: حديث حبيبة بنت تجراة أن النبي ﵇ قال: «أيها الناس، إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا» وهذا نص.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
ثم نقول: إن الله تعالى أمر بالحج، وقد أخبر النبي ﵇ أن الله تعالى كتب علينا السعي فصار من جملة الحج الذي أمر الله به وإذا صار من جملة الحج لم يخرج من الأمر بالحج بدونه، وهذا لأن الأمر بالحج لا يتأدى إلا فعل الحج فكل ما كان فعلًا من أفعال الحج سواء ثبت ذلك بالكتاب أو السنة لم يتأد الحج بدونه وهذا كالأفعال الواجبة في الصلاة لا تتأدى الصلاة بدونها.
يبينه: أن السعي طواف مأمور به ليكون شعيرة من شعائر الله تعالى فيكون واجبًا.
دليله/ الطواف بالبيت.
والدليل على أنه من شعائر الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ وشعائر الله تعالى أعلام الدين فلابد من تعلق فرض بهذه البقعة لابد من فعله ليكون من شعائر الله، لأنا إذا قلنا: إنه يجوز الحج بدونه لا يكون من شعائر الله، وهذا لأن شعائر الله ما إذا أوصل إليه ظهر له علم من أعلام الدين فإذا لم يكن المشروع فرضًا وأطلق تركه إلى تركه إلى دم أو غير دم لم يتبين كونه علمًا للدين وشعيرة من شعائر الله تعالى.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وأما حجتهم:
قالوا: الحج واجب بدليل مقطوع به للعلم والعمل فكل ما كان من الحج ولم يكن الحج حجًا إلا به فلابد من وجوبه بمثله يستقيم وجوب الحج بدليل موجب للعلم على ما دل الدليل من الكتاب، فعلى هذا لا يجوز أن يجب السعي لا بخبر الواحد ولا بالقياس بل يجوز أن يتعلق كما الحج بدليل من السنة فأما أصل الحج فلا يجوز إثباته إلا بدليل يوافق الكتاب في إفادة العلم وذلك أن يكون دليلًا مقطوعًا به.
قالوا: ولأن السعي فعل يؤتي به خارج الإحرام فلا يكون ركنًا كالرمي.
وبيانه: أنه يحل الإحلال الأول بالحلق والثاني بالطواف ثم يسعى ويستحيل أن يكون السعي عملًا من أعمال الحج فلا يتم بدونه ثم يجوز أن يؤتي به خارج الإحرام.
قالوا: ولأنه تبع للطواف بدليل أنه لا يجوز أن يؤتي به إلا عقيبه وهذا دليل التبعية حيث لم يستقل بنفسه بحال فلم يكن ركنًا
دليله: الوقوف بالمزدلفة مع الوقوف بعرفة.
يدل عليه: أنا إذا جعلناه ركنًا وهو تبع للطواف لم يصح الطواف إلا به ولا يجوز أن تقف صحة المتبوع على صحة التبع.
قالوا: ولأن السعي ليس له وقت على انفراده بل يكون وقت الطواف وقتًا له، والأصل أن الركن في الحج له وقت ينفرد به.
دليله: الوقوف والطواف وحين لم يكن وقت ينفرد به لم يكن ركنًا.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الجواب:
أما قولهم: «إن الحج وجب بدليل مقطوع به».
قلنا: مسلم، لأنه وجب بالكتاب والسنة، ولا شك أن ذلك دليل مقطوع به لتواتره فيوجب العلم والعمل.
فأما قولهم: «إن كل فعل كان من الحج لم يتم الحج إلا به يجب أن يكون وجوبه بمثل هذا الدليل».
قلنا: ليس كذلك، لأن وجوب الحج بالكتاب لم يكن، لأنه لا يجوز وجوبه إلا بالكتاب بل كان يجوز وجوبه بالخبر وإن كان واحدًا، لأنه واجب عملي، وأجمعنا على أن خبر الواحد يوجب العمل إلا أنه كذلك وقع الاتفاق الشرعي بأن الله تعالى أوجبه بالكتاب، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا جاز وجوبه فعل من أفعاله بدليل عملي لا يوجب العلم وألحق بسائر الأفعال في الركنية عملًا لا علمًا وهو كالوتر على أصلكم ألحق بسائر الصلوات عملًا لا علمًا، وهذا لأن الدليل يفيد الحكم بقدر مرتبته فإذا كان خبر الواحد يفيد الوجوب عملًا، ويجوز أن يكون هذا الفعل ركنًا للحج عملًا صار ركنًا عمليًا من جهة أركان الحج، وسائر الأركان صارت أركانًا للحج علمًا وعملًا وهو مثل واجبات الدين فبعضها واجبات الدين عملًا وعلمًا وبعضها واجب عملًا لا علمًا، كذلك ههنا.
وأما الذي قالوا: «إن السعي يفعل خارج الإحرام جملة».
قلنا: هذا يلزمكم كما يلزمنا، لأنكم تعترفون بوجوبه إن لم تعترفوا بركنيته واللزوم في الواجب صحيح مثل ما هو في الركن، وعلى أن نقول: إن الإحرام بمنزلة الباقي حكمًا في حق السعي مثل ما يجعل بمنزلة الباقي حكمًا في الرمي وطواف الصدر.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وأما قولهم: «إن السعي تبع للطواف».
قلنا: لا نسلم ذلك، بدليل أنه يجوز فعله عقيب طواف القدوم وطواف القدوم سنة، والواجب لا يتبع السنة إلا أن الشرع ورد بنوع ترتيب مثل ما رتب الركوع على القيام والسجود على الركوع وإن لم يكن واحد منهما تبعًا لصاحبه.
وأما قولهم: «إنه غير مؤقت».
قلنا: هذا حد تنفردون به ولا نوافقكم عليه، ولأنه إذا جاز أن يكون غير واجب ويكون مؤقتًا يجوز أن يكون أيضًا واجبًا ولا يكون مؤقتًا، والكلام ليس له غور، وفيما ذكرنا كفاية، والله أعلم.
* * *
[ ٢ / ٣٢٩ ]