(مسألة)
العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافرين عندنا.
وعندهم: يترخص.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ؟ِثْمٍ﴾، والعاصي بسفره باغ وعاد ومتجانف لإثم ولا يطلق له الضرورة ما أطلق للمضطر، ولأن السفر عذر مبيح للقصر والفطر فإذا كان معصية لم يكن عذرًا.
دليله السكران فإنه لما كان زوال العقل عذرًا في سقوط الخطاب فإذا كان بمعصية لم يكن عذرًا، كذلك هاهنا.
[ ١ / ٣١٣ ]
يبينه أن المعنى المخيل في ثبوت العذر بالسفر هو المشقة، والمشقة مشعرة بالتخفيف، والمعصية لا تكون سببًا للتخفيف بحال، لأن المعاصي أسباب للتشديد فلا توجب ضدها من التخفيف.
والحرف الوجيز: إن المعصية واجب تركها فلم تصلح عذرًا لسقوط واجب عليه. لأن ما كان واجبًا تركه لا يصلح عذرًا لترك واجب آخر.
لأنه لو أطلق ترك واجب لكان الأولى أن يطلق فعل نفسه.
وإذا لم يكن فعل نفسه مطلقًا، فكيف يطلق ترك غيره أو فعل غيره؟ وقد قالوا: إن هذا التخفيف الثابت بالسفر إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية وجب تركه، لم يجز إثبات الإعانة عليه.
لأن الإعانة على المعصية معصية، فهذه كلمات قوية في غاية الإخالة.
وأما حجتهم:
تعلقوا بظاهر قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقد جعل مطلق السفر عذرًا فمن زاد عليه صفة الإباحة فقد قيد مطلقًا بزيادة عليه، والزيادة على المطلق تقييد، والتقييد نسخ على ما عرف في مواضع كثيرة. وأما المعنى قالوا: لا معصية في نفس السفر فجاز أن يكون مقيدًا للرخصة المتعلقة به، دليله إذا كان السفر مباحًا، وإنما قلنا: لا معصية في نفس السفر، لأن حقيقة السفر قصده بالسير إلى مكان بعينه بينه وبينه مسيرة محدودة، وهذا لا معصية فيه، وإنما المعصية في نية الإغارة وقطع الطريق، وهذا معنى وراء السفر فصار هو عاصيًا في سفره لا عاصيًا بسفره فلم يمنع تعلق الرخص بسفره.
[ ١ / ٣١٤ ]
(وصار هذا كما لو لبس خفًا مغصوبًا يطلق هل المسح على الخف، لأنه لا معصية في حقيقة اللبس، لأن حقيقته ستر موضع الغسل من القدم ولا معصية في الفعل من حيث الستر، وكذلك من صلى في/ الأرض المغصوبة صحت صلاته، لأنه لا معصية في الفعل من حيث الصلاة فجازت صلاته، كذلك هاهنا لا معصية في الفعل من حيث السفر فأفاد الرخص.
قالوا: وأما السكران فنفس الشرب معصية فإذا زال عقله لم يصر عذرًا في سقوط الخطاب، فتوجه الخطاب عليه مثل ما يتوجه على غير السكران).
ولهم مسائل إلزامية في هذه المسألة سوى هاتين المسألتين غير أن هاتين المسألتين أقواها، والخروج عن المسائل الباقية سهل على ما ذكرناها في التعليق فاختصرنا على هاتين المسألتين، ولابد من الاعتناء في الجواب عنهما هذا جملة تحقيقهم.
الجواب:
إنا قد بينا أنه عاص بسفره، لأنه قصد المكان الذي عينه لقطع الطريق أو لتجارة في الخمر، والسفر يصير سفرًا بقصده، فإذا قصد بسفره المعصية صار السفر معصية، وهم يقولون: نقل الخطى ليس بمعصية في نفسها ونفس الخطى بقصده مكانًا بعينه صار سفرًا والمعصية أمر وراء هذا.
[ ١ / ٣١٥ ]
قلنا: القصد لغرض إلى المكان الذي عينه شرط ليكون المفعول سفرًا، والغرض معصية، فصار السفر سفرًا بما هو معصية.
والدليل على أنه لابد من الخروج إلى المكان الذي عينه لغرض أنه لو خرج إلى ذلك المكان لا لغرض، نقول: لا يترخص برخص المسافرين وينزل منزلة الهائم الذي لا يدري أن يتوجه في سفره، ولا يمكن تمشية المسألة إلا بهذا، وهذا كلام في نهاية القوة، ويتبين به أن المعصية في نفس السفر قد وجد، والحرف ما ذكرنا أن ما به صار السفر سفرًا معصية، وخرج على هذا الصلاة في الأرض المغصوبة لأن ما به صار فعله صلاة ليس بمعصية إنا المعصية في شغله أرض الغير، ولم يصر الفعل صلاة بهذا.
وقد أجاب بعض من يدعى التحقيق من المتأخرين عن هذه المسألة وقال: القياس أن لا تجوز صلاته لكنا جوزنا بالإجماع، وهذا مردود لا يلتفت إليه عالم، وكيف يدعى الإجماع، وقد ذهب جماعة كثيرة من علماء الأمة إلى إفساد هذه الصلاة وليس تتأتى مسالك الفقه لكل واحد، ولا ينبغي أن يغتر بطنطة الناس وتزخرفهم في عباراتهم، فإن مع أكثرهم دعاوي عريضة وعجز ظاهر، وتهالك على الألفاظ المروقة من غير طائل. والله العاصم بمنه.
وأما مسألة لبس الخف المغصوبة فلا نسلمها على ما ذكرها ابن القاص وهو الأصح. وأما تعلقهم بالآية فهي محمولة على السفر المباح ودعواهم النسخ بإثبات قيد المطلق كلام تكلمنا عليه مرارًا في المسائل. والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣١٦ ]